كان يوم عيد الحب (فالانتاين) يومًا معضلًا في ماونتن فيو بكاليفورنيا. فللمرة الأولى، تتسبب إحدى سيارات جوجل ذاتية القيادة في حادث تصادم، وهي سيارة دفع رباعي معدلة من لِكزس. عندما اكتشفت السيارة في طريقها كومة من أكياس الرمال المحيطة ببالوعة صرف، تحركت إلى حارة الطريق الوسطى لتفادي الخطر. وبعد ثلاث ثوانٍ، اصطدمت السيارة بجانب حافلة. ووفقًا لتقرير الحادث، فقد رأى سائق لِكزس الاختباري الحافلة، لكنه افترض أن سائقها سوف يخفض من سرعته ليسمح للسيارة الرباعية الدفع بالمرور.

لم يكن ذلك أول حادث تصادم في المشروع، لكنه الأول الذي ينتُج جزئيًّا عن خطأ غير بشري (تحدث معظم حوادث السيارات ذاتية القيادة عادةً بصدمها من الخلف من قِبَل سائقين بشريين لا يهتمون بإشارات المرور). سلط هذا الحادث الضوء على منطقة رمادية شديدة الأهمية من مستقبلنا الروبوتي: مَن المسؤول، وعليه دفع نفقات الأضرار، في حوادث تصادم السيارات ذاتية القيادة؟

يتزايد الشعور بضرورة إيجاد إجابات واضحة عن هذه الأسئلة وسواها مما يخص السيارات ذاتية القيادة. يقلق مصنِّعو السيارات وخبراء التأمين من أن عدم وجود تشريعات وطنية ملائمة يمكن أن يجعل تسيير هذه السيارات في جميع الولايات الأمريكية الخمسين مستحيلًا تقريبًا. لذا، ومن أجل إحراز تقدم، طلبت إدارة أوباما من وزارة النقل اقتراح معايير وطنية كاملة للاختبار والسلامة بحلول صيف عام 2016. وبقدر ما أصبح موضوع المساءلة والمسؤولية القانونية مُلحًّا، نتجه إلى الحصول على جواب يشير إلى حدوث تحوُّل في كيفية تقييم الأسباب الجذرية للضرر: يقول الخبراء إنه عندما يحل سائق حاسوبي محل سائق بشري، فإن الشركات التي تقف وراء البرمجيات والعتاد هي التي يجب أن تخضع للمساءلة القانونية، وليس مالك السيارة أو شركة تأمينه. في نهاية المطاف، وحتمًا، يجب أن يقع اللوم على شركات صناعة السيارات.

في الواقع، شرع رواد صناعة السيارات ذاتية القيادة في التغيير، ففي أكتوبر 2015، أعلنت شركة فولفو أنها ستدفع تعويضات عن أي إصابات أو أضرار مادية تنجم عن منظومة السائق الآلي المؤتمتة بالكامل "IntelliSafe Autopilot"، والمقرر ظهورها في سيارات الشركة بحلول عام 2020. والفكرة وراء هذا القرار -كما يوضح إريك كولين، كبير فنيي تقنيات السلامة ودعم القيادة في فولفو- أن منظومة سائقهم الآلي سوف تتضمن الكثير من الأنظمة الإضافية والاحتياطية، مثل الكاميرات والرادارات والبطاريات والمكابح والحواسيب ومحركات التوجيه، والتي لن تحتاج إلى أي تدخل من السائق البشري، ومن ثَم لا يمكن أن يكون بها أي خطأ. وكما يقول كولين: "وقتما تفشل المنظومة، يجب أن تظل السيارة قادرة على تحقيق التوقف الآمن".

إن الانتشار الفعلي للسيارات المؤتمتة جزئيًّا على الطرق يُظهر مدى سرعة تحقُّق السيناريو الذي يصفه كولين. ثمة عدد متزايد من السيارات التي تتضمن أنظمة مكابح خاصة بالحوادث الوشيكة الوقوع، والتي تعتمد على بصريات تكشف احتمال اصطدام مقدمة السيارة، فتشغِّل المكابح على نحو استباقي. وقد طورت أودي وبي إم دبليو وغيرهما سيارات تستطيع الاصطفاف والرَّكن ذاتيًّا. وفي وقت لاحق من عام 2016، استعدت فولفو لتطبيق أول ميزة لسيارة شبه ذاتية القيادة على الطرق السريعة في الولايات المتحدة الأمريكية، أطلقت عليها "مساعد السائق" Pilot Assist، وذلك في سيارتها سيدان S90 طراز عام 2017. يستخدم النظام حاسوبًا محمولًا مثبتًا على زجاج السيارة الأمامي، مزوَّدًا بكاميرا ورادار، من أجل التحكم الآلي في سرعة السيارة وتخطيها للعقبات والعوائق والبقاء في حارتها على الطريق بسرعات تصل إلى 80 ميلًا في الساعة.

يطلق "براينت ووكر سميث" -خبير السياسة التكنولوجية، والأستاذ المساعد في جامعة ساوث كارولينا- وصف "المنتصف الطري للأتمتة" على الميزات من نوع "مساعد السائق" Pilot Assist، إذ لا تزال شركات صناعة السيارات تتطلب سائقين من البشر للمتابعة والاهتمام. فكما يقول سميث: "إن الخط الفاصل بين البشر والآلة ليس واضحًا دائمًا".

في الوقت الراهن، يسعى بعض مصنِّعي السيارات للإبقاء على السائقين البشريين بوضوح على الجانب المسؤول من ذلك الخط. فنظام السوبر كروز Super Cruise، الذي صنعته جنرال موتورز والمشابه لنظام مساعد السائق Pilot Assist، والذي سيُطلق على سيارة كاديلاك في عام 2017، سوف يزوَّد بتحذير يُلزم السائق البشري بالبقاء يقظًا وجاهزًا لتولي القيادة إذا ما انخفضت الرؤية أو تغير الطقس. وتضع فولفو أيضًا مسؤولية مماثلة على السائق مع نظامها "مساعد السائق" Pilot Assist، إذ يتضمن أجهزة استشعار باللمس على عجلة القيادة لضمان انتباه السائق.

وبحلول الوقت الذي تصبح فيه القيادة المؤتمتة بالكامل حقيقةً قائمة، يثق مصنِّعو السيارات من أمثال فولفو ومرسيدس وجوجل بأنهم سيملكون من هذه التقنيات وغيرها الكثير، مما يمكِّنهم من استبعاد السائق من مشهد التشغيل والمسؤولية بالكامل تقريبًا. ما هو أكثر من ذلك، وجدت دراسة أجراها معهد بروكينجز، في عام 2014، أن قانون المسؤولية عن المنتج الحالي يغطي فعلًا هذا التحول، ولذا قد لا تحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة أية قوانين تخص الأتمتة من أجل مواصلة مضيها قدمًا.

إنه لرهان آمن نسبيًّا لمصنِّعي السيارات من دون سائق أن يتحملوا تكلفة كل شيء، من الحوادث التافهة إلى الحوادث العنيفة؛ لأن أنظمة القيادة شبه الذاتية تُظهر أن السائقين الحاسوبيين أكثر أمانًا على الأرجح من السائقين البشريين. فعلى سبيل المثال، تشير بيانات معهد تأمين سلامة الطرق السريعة Insurance Institute for Highway Safety إلى أن استخدام المكابح من أجل تفادي الاصطدام يمكن أن يقلص مجمل الاصطدامات الخلفية بنسبة 40%. ويشير كولين، الذي يعمل لدى فولفو، إلى أن دراسة النسخة الأوروبية من "مساعد السائق" Pilot Assist كشفت أن الحاسوب يحافظ على مسافات فاصلة أكثر أمانًا، ولديه عدد أقل من الحوادث القاسية المتسببة فيها المكابح، مقارنة بما لدى البشر.

على المدى الطويل، كما يقول سميث، "ومن وجهة نظر الشركة المصنعة، فإن ما يبحثون عنه قد يكون شريحة أكبر في فطيرة (المسؤولية)، التي نأمل جميعًا أن تكون أصغر ما تكون".

 

نُشرت هذه المقالة في الأصل تحت عنوان "مَن المسؤول عندما تتحكم السيارة في عجلة القيادة؟"