أنتوني بوردين (61 عامًا)، كيت سبيد (55 عامًا)، روبين ويليامز (63 عامًا)، آرون شوارتز (26 عامًا)، جونيور سيو (43 عامًا)، أليكسندر ماكوين (40 عامًا)، هانتر إس طومسون (67 عامًا)، كيرت كوبين (27 عامًا)، سيلفيا بلاث (30 عامًا)، إيرنست هيمنجواي (61 عامًا)، ألان تورينج (41 عامًا)، فيرجينيا وولف (59 عامًا)، فينسنت فان جوخ (37 عامًا). في الوقت الذي ستنتهي فيه من قراءة هذه القائمة من الأشخاص البارزين الذين ماتوا منتحرين، سيكون شخصٌ ما في مكانٍ ما من العالم قد أقدم على الفعل ذاته؛ إذ تقع حالة انتحار تقريبًا كل 40 ثانية (حوالي 800000 حالة سنويًّا)، وهو ما يجعل الانتحار السبب العاشر المؤدي إلى الوفاة في الولايات المتحدة. فما السبب وراء ذلك؟

حسبما أورد العالِم النفسي البارز جيسي بيرينج بجامعة أوتاجو بنيوزيلندا، في كتابه المرجعي "ذو الميول الانتحارية: لماذا نقتل أنفسنا" Suicidal: Why We kill Ourselves (دار نشر جامعة شيكاغو، عام 2018)، فإن "الأمور المعينة التي تقود أي شخص بعينه إلى أن يصير انتحاريًّا تختلف -بطبيعة الحال- باختلاف تسلسلات الأحداث الخاصة به المرتبطة بالحمض النووي "دي إن إيه"، التي يصفها أحد الخبراء بأنها (مذهلة في تنوعها)". إن قائمتي القصيرة سابقة الذكر تشمل بالفعل أشخاصًا مختلفين من حيث الأعمار، والوظائف، وطبيعة الشخصية، ونوع الجنس. عادةً ما يُشار بأصابع الاتهام إلى الاكتئاب في العديد من حالات الانتحار، ومع ذلك فإن أغلب الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب لا يقتلون أنفسهم (فقط نحو 5% منهم كما يقول بيرينج)، ولم يكن ضحايا الانتحار كلهم مصابين بالاكتئاب. يورد بيرينج أن: "نسبة نحو 43% من التنوع في السلوك الانتحاري عند عامة الجمهور يمكن أن تُفَسَّر عن طريق علم الوراثة، في حين تُعزى نسبة 57% المتبقية إلى عوامل بيئية". فإن وجود استعداد وراثي للانتحار، مصحوبًا بتسلسل معيَّن من الاعتداءات البيئية على رغبة المرء في الحياة، يقود بعض الأشخاص إلى محاولة جعل الألم يتوقف.

في حالة بيرينج، بدأ الأمر أولًا في صورة مراهقٍ مِثْليٍّ مُنطوٍ، "في بلدة صغيرة تتسم بالتعصب تقع في وسط غرب الولايات المتحدة"، وفيما بعد في صورة تعطُّل عن العمل وهو في أوج مساره الوظيفي الأكاديمي، (يمكن للنجاح أن يؤدي إلى مستويات مرتفعة للسعادة على نحو غير معقول، تسحقها بعد ذلك تقلبات الحياة). ومع ذلك، فإن معظم المثليين المقهورين والأكاديميين المنهارين لا يريدون قتل أنفسهم. ويقول بيرينج مستشهدًا: "في الغالبية العظمى من الحالات، يقتل الناس أنفسهم بسبب أناس آخرين؛ إذ تؤجج المشاكل الاجتماعية نارًا قاتلة، لا سيما الانشغال مفرط الحذر بشأن رأي الآخرين فينا أو ماذا سيكون رأيهم فينا إذا عرفوا فقط ما نعتبره حقيقةً ما غير مستساغة".

ومثل معظم السلوكيات البشرية، الانتحار هو فعل ذو أسباب متعددة. يصعب استخلاص أقوى المتغيرات التي يمكن توقُّع السلوك الانتحاري من خلالها، وخاصةً لأن تلك الحالات الإدراكية الداخلية قد لا تكون في متناول حتى الشخص الذي يمر بها. إذ لا يمكننا أن نعي طرق العمل الكيميائية العصبية لأدمغتنا، لذا فإن العمليات الداخلية عادةً ما تُعزى إلى مصادر خارجية. وحتى أولئك الذين يتعرضون لأفكار انتحارية قد لا يفهمون سبب تحوُّل تلك الأفكار إلى فعل، ولا حتى إن كانت ستتحول إلى فعل، ولا توقيت ذلك.

هذه الملحوظة يدعمها رالف لويس، الطبيب النفسي بجامعة تورنتو، الذي يعمل على حالات مرضى السرطان وغيرهم ممن يواجهون الموت، والذي حاورته في مدونتي الصوتية "صالون العلم" Science Salon حول كتابه "البحث عن غاية في عالم بلا إله" Finding Purpose in a Godless World (بروميثوس بوكس، عام 2018). يقول لويس: "سيظن العديد من الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب السريري أن السبب وراء شعورهم هكذا هو مرورهم بأزمة وجودية حول معنى الحياة، أو بسبب وقوع حدث ارتباطي كهذا أو ذاك. بيد أن ذلك هو إسناد غير موضوعي صادر عن الشخص نفسه، في حين أنه ربما يكون مكتئبًا لأسباب لا يفهمها". ويقول عن نفسه في أثناء ممارسته السريرية على سبيل المثال: "رأيتُ العديد من الحالات التي تلاشت فيها هذه الأزمات الوجودية تقريبًا تحت تأثير أحد الأدوية المضادة للاكتئاب".

ويقول لويس إن هذا الخطأ الإسنادي شائع، ويضيف: "على الصعيد الأساسي، كلنا نخطئ في تفسير أسباب حالاتنا العقلية، ومثال ذلك، إحالة العصبية إلى شيء قاله شخص ما، في حين أنها في الحقيقة بسبب شعورنا بالجوع أو التعب". ويشير لويس إلى أنه عند تقديم المشورة للناجين من محاولات الانتحار فإنهم يقولون: "لا أعلم ماذا جرى لي. لا أعلم فيم كنت أفكر". ولهذا السبب فإن منع الانتحار أمرٌ بالغ الأهمية؛ لأن الناس قد يكونون مُقنِعين جدًّا في المجادلة حول سبب اعتقادهم أن الحياة -وأعني بذلك حياتهم الخاصة- لا تستحق العيش. ومع ذلك، فإن الوضع قد يبدو مختلفًا اختلافًا جذريًّا بعد شهور، أحيانًا بسبب تناوُل أحد الأدوية المضادة للاكتئاب، وأحيانًا بسبب تغيُّر في الظروف، وأحيانًا بسبب مجرد تغيير غامض في الرأي".

إن كانت تراودك أفكارٌ انتحارية، اتصل بخط شريان الحياة الوطني لمنع الانتحار على رقم 800-273-8255، أو اتصل بأحد أفراد عائلتك أو بصديق. وتمهل حتى تهدأ الأمور، مدرِكًا أنك بمرور الوقت سوف تمر على الأرجح بأحد تلك التغييرات الغامضة في الرأي وسوف تتوق من جديد إلى الحياة.

نُشرت هذه المقالة في الأصل بعنوان "تغيُّر غامض في الرأي".