في الولايات المتحدة، تطلب عيادات الأطباء والمستشفيات كل عام إجراء مليارات الاختبارات المعملية لقياس كل شيء؛ من مستويات الكوليسترول في الدم إلى الكشف عن وجود جين يُعتقد أنه يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر. ويفترض الأطباء والمرضى عادةً أن بإمكانهم أن يثقوا بنتائج هذه الاختبارات، وهذا صحيح في معظم الأحيان، ولكن لا يمكننا الثقة بجميع الاختبارات المعملية بالدرجة نفسها، ويمكن أن يكون للاختبارات الخاطئة عواقب وخيمة. ففي بعض الأحيان تفشل هذه الاختبارات في الكشف عن حالات مرضية تهدد الحياة، وفي أحيان أخرى تشير إلى مشكلة لا وجود لها، مما قد يؤدي إلى استخدام علاج لا حاجة إليه، بل وربما يصل الأمر إلى استخدام علاجات خطيرة.

وفي حادثة غريبة في تاريخ اللوائح التنظيمية، فإن الكثير من هذه الاختبارات لا يخضع لنفس المعايير الطبية التي تخضع لها الأدوات الأخرى المستخدمة لتحديد مخاطر الإصابة بمرض ما أو للتوصل إلى تشخيص قاطع لحالة ما. ويُطلق على هذه الاختبارات "الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا"، والتي تُعرَّف بأنها الاختبارات التي يجري تصنيعها وتفسيرها من قِبَل نفس المعمل الذي صممها، على العكس مثلاً من اختبار بكتيريا سريع من المفترض أن يجري استخدامه وفهمه من قِبَل مجموعة واسعة من المتخصصين في عيادات الأطباء في كل مكان. يمر معظم الناس بتجربة الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا لأول مرة خلال الكشف الطبي، وذلك عندما يواجه الطبيب معضلة تشخيصية لا يمكن حلها عن طريق اختبارات الدم المنتشرة على نطاق واسع.

تكمن المشكلة في أن الخبراء يرون أن الكثير من هذه الاختبارات ليس مفيدًا، بل وأن بعضها قد يسبب ضررًا يتمثل في إقناع الكثيرين أنهم مصابون بمرض نادر في حين أنهم ليسوا كذلك، أو تشخيص إصابتهم بحالة لم يثبت حتى الآن أنها مضرة، أو طمأنتهم بأنهم يتمتعون بصحة جيدة بينما لا توجد في الواقع وسيلة ذات مصداقية علمية لمعرفة ما إذا كان ذلك هو الحال فعلاً. ويقول رامي أرناؤوط -أستاذ مساعد في علم الأمراض في كلية الطب بجامعة هارفارد-: "إننا نميل إلى أن نعتبر الفحوصات المعملية حقيقة مطلقة، ولكن ليس هناك اختبار دقيق بنسبة مئة في المئة، وبعض هذه الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا ليس مفيدًا على الإطلاق من الناحية الطبية".

تتخذ إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الآن خطوات لاستعادة الثقة في موثوقية الاختبارات المطوَّرة معمليًّا. ففي عام 2014، نشرت الوكالة المبادئ التوجيهية المقترحة التي من شأنها أن تُخضِع هذه الإجراءات للرقابة الفيدرالية لأول مرة، ويتضمن ذلك وجوب تقديم دليل على فاعلية الاختبارات إلى الوكالة قبل تسويقها. وعلى الرغم من أن إدارة الغذاء والدواء لن تبدي تعليقها على هذا الخبر، تعتقد عدة مصادر في الصناعة أن القرارات النهائية قد يبدأ تنفيذها قريبًا، مما يثير استياء بعض مديري المعامل الذين يقولون إن المتطلبات قد تزيد التكاليف وتعوق الممارسة الطبية.

ثغرة متزايدة

قبل خمسة وعشرين عامًا، كان دور الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا صغيرًا للغاية في الممارسات الطبية، حتى إن إدارة الغذاء والدواء لم تمنحه الكثير من الاهتمام. عدد قليل من الاختبارات فحسب جرى استخدامه على نطاق واسع، أهمها اختبار مسحة عنق الرحم للكشف عن سرطان عنق الرحم. وتبنى مسؤولو إدارة الغذاء والدواء الأمريكية سياسة "التطبيق وفقًا لتقدير الإدارة"، والتي تعني أنها تركت الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا لشأنها إلى حد كبير، في حين ركزت على الأدوات التي يزداد بشكل واضح احتمال أن تسبب ضررًا، مثل أجهزة ضبط نبضات القلب المعطوبة.

ومع ذلك، بعد أن طور الباحثون تقنيات جديدة للهندسة الوراثية في تسعينيات القرن الماضي، ازدادت احتمالات إجراء الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا بشكل هائل. ففي حين كانت الأجيال السابقة من هذه الاختبارات تبحث عن مجموعة محدودة من البروتينات غير المعتادة على سبيل المثال، فإن بعض الاختبارات الجينية التي ظهرت حديثًا يمكنها فرز أي عدد من الأزواج القاعدية، أو الحروف، التي يبلغ عددها ثلاثة مليارات زوج قاعدي من أبجدية الحمض النووي الموجودة في الجينوم البشري، والبحث عن الحالات الشاذة المرتبطة بالأمراض المختلفة. وعلاوة على ذلك، أصبحت الاختبارات آلية، مما يجعل تصميم الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا واستخدامها أسهل بشكل متزايد.

وقد أدى تطور التكنولوجيا إلى الارتفاع الهائل في عدد الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا التي ظهرت في السوق وتنوعها. ووفقًا لبعض التقديرات، فإن حوالي 11 ألف معمل يقدم الآن بين 60 ألف و100 ألف اختبار مطوَّر معمليًّا، ولا يعرف أحد العدد بشكل دقيق، لأنه لا يتعين تسجيل هذه الاختبارات في أي مكان بالطبع.

وبموجب اللوائح الفيدرالية الحالية، تشتمل الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا على ثغرة كبيرة، وهي عدم وجوب تقييم فائدتها الطبية، كما لا يُشترط الإعلان عن الأبحاث التي أجريت عنها. غير أنه يجب أن يفي المعمل الذي يقوم بإجرائها بمعايير أساسية محددة من الممارسة العلمية. لكن إدارة الغذاء والدواء لا تفحص الاختبارات سواء قبل أو بعد أن يبدأ الأطباء في طلب إجرائها للمرضى، كما تفعل في حالة معظم الأدوية التي تُستخدَم بوصفات طبية أو في حالة الأجهزة الطبية.

وتعني هذه الثغرة أن الشركات -بدءًا من الشركات المبتدئة الصغيرة التي تقدم اختبارًا واحدًا أو اثنين فقط ووصولاً إلى المعامل التشخيصية الأكبر التي تقدم آلاف الاختبارات- يمكنها تطوير اختبارات جديدة مُطوَّرة معمليًّا والحصول على نقود في مقابلها بشكل أسهل بكثير مقارنةً بمعظم الفئات الأخرى من المنتجات الطبية. ومع ازدياد عدد الاختبارات ظهرت سلسلة من التقارير التي توضح أن بعض هذه الاختبارات قد أضر ببعض الأشخاص بالفعل بسبب تقديم نتائج مضللة.

الصلاحية السريرية

وقد ذكرت إدارة الغذاء والدواء أن هناك 20 نوعًا مختلفًا من الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا المثيرة للمتاعب بشكل خاص، تتضمن اختبارات داء لايم والسعال الديكي التي تعطي نتائج خطأ بانتظام، إلى جانب الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا التي تزعم أنها تحدد مخاطر إصابة المرأة بسرطان المبيض، مثل قياس وجود البروتين CA 125 في الدم. وفي شهر سبتمبر، توصلت الوكالة إلى أن إجراءات الفحص بحثًا عن هذا البروتين "لم توفر أي فائدة مؤكدة"، وحذرت الأطباء من التوصية بها أو استخدامها.

الكثير من الاختبارات التي أثارت حنق إدارة الغذاء والدواء ربما تقيس فعلاً ما تزعم أنها تقيسه، لكن المشكلة هي أن المادة التي يتم قياسها قد لا تكون مؤشرًا قويًّا على وجود مشكلة طبية معينة. ففي حالة اختبارات سرطان المبيض، على سبيل المثال، فإن المستويات المرتفعة من بروتين CA 125 الذي يُصنع في المبايض، تعني من الناحية النظرية وجود خلايا مبيضية إضافية؛ أي بعبارة أخرى تعني وجود ورم. ولكن في الواقع، تَبيَّن أن الكثير من النساء اللاتي لديهن مستويات مرتفعة من بروتين CA 125 لسن مصابات بسرطان المبيض، وعلى العكس، فإن العديد من النساء المصابات بالسرطان ليس لديهن مستويات مرتفعة من بروتين CA 125. ومن ثَم، لا يمكن الوثوق بقياس نسبة بروتين CA 125 لإعطاء تشخيص دقيق للسرطان- وفوق ذلك فإن عددًا من النساء اللواتي كانت نتيجة اختبارهن إيجابية أصبحن يخشين كثيرًا من احتمال الإصابة بالسرطان، لدرجة اتخاذهن قرارًا باستئصال المبيضين وهما بصحة جيدة.

ومن الطرق التي يحدد الباحثون عن طريقها ما إذا كان يجب استخدام الاختبار الطبي دليلًا لحالة المريض: تطبيق نسبة إحصائية غير معروفة إلى حد ما، تسمى القيمة التنبؤية الإيجابية. ويأخذ هذا الإجراء بعين الاعتبار مدى شيوع حالة ما في مجموعة معينة من الأشخاص.

ويمكن تفسير أهمية وضع هذا الأمر في الاعتبار عند تحديد فائدة الاختبار من خلال القياس. فعلى سبيل المثال، إذا ألقيت صنارة صيد بها طُعم في برميل ملآن بالأسماك، فإن فرصة أن يكون ما يجذب الحبل هو نجاحك في اصطياد سمكة مرتفعة جدًّا. ومن ناحية أخرى، فعند إلقاء نفس صنارة الصيد المزودة بطُعم في بحيرة مياه عذبة غير مزدحمة بالأسماك يجعل احتمال أن يكون ما يجذب الحبل هو سمكة أقل كثيرًا، في مقابل أن يكون ما يجذب الحبل غصن شجرة مثلاً. ونظرًا لأن البرميل يحتوي على الكثير من الأسماك في مساحة محدودة من المياه مقارنة بالبحيرة، فإن جذب الحبل في البرميل له قيمة تنبؤية إيجابية تقترب من 100%، في حين أن القيمة التنبؤية الإيجابية لجذب الحبل في بحيرة غير مزدحمة بالأسماك تكون أقل بكثير من 100%.

هذا التمييز الإحصائي الجوهري يفسر المشكلة التي تواجهها إدارة الغذاء والدواء مع أحد اختبارات فحص المبيض المتاحة حاليًّا، والذي يزعم مطوِّره أن القيمة التنبؤية الإيجابية له تبلغ 99.3%. غير أن تحليلًا عن كثب أجراه متخصصون مستقلون في الإحصاء الحيوي كشف عن أنه قد تم احتساب القيمة على أساس تجربة واحدة كان نصف المريضات فيها معروف بالفعل إصابتهن بسرطان المبيض؛ أي أنها مجموعة مختارة بعناية من المرضى، وهو المعادل الطبي للحاوية المزدحمة بالأسماك.

وعندما أعاد الباحثون حساب القيمة التنبؤية الإيجابية باستخدام المعدل الحقيقي لتكرار الإصابة بسرطان المبيض بين سكان الولايات المتحدة، والذي يبلغ حالة واحدة لكل 2500 امرأة في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث، انخفضت القيمة التنبؤية الإيجابية إلى6.5 % فقط. بعبارة أخرى، من بين كل 15 مريضة كانت نتيجة هذا الاختبار للورم الخبيث إيجابية لهنّ، مريضة واحدة فقط مصابة فعلاً بسرطان المبيض. وبالنسبة للأربع عشرة مريضة الأخرى، من المرجح جدًّا أنهن -إذا اعتمدن على نتيجة هذا الاختبار وحده- قد خضعن لعمليات جراحية غير ضرورية لاستئصال مبايضهن السليمة الصحية لأنهن اعتقدن خطأ أن احتمال إصابتهن بالسرطان تصل إلى 99.3%.

تغيير بؤرة التركيز

نظرًا لأن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لا تملك الموارد اللازمة للإشراف على جميع الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا التي ظهرت في السوق في السنوات الأخيرة، فإنها تخطط لتقسيمها إلى ثلاث فئات استنادًا إلى احتمال أن تؤدي النتيجة المضللة أو غير الصحيحة لاختبار معين إلى إحداث ضرر كبير. وفي إطار المبادئ التوجيهية الجديدة، سيتم اعتبار الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا عالية المخاطر إذا كانت النتائج غير الدقيقة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة أو الإعاقات طويلة الأمد. وستخضع هذه الاختبارات لأكبر درجة من الفحص، ويجب إدخال المعلومات المتعلقة بها في قاعدة بيانات وطنية، كما يجب على الشركات المصنِّعة لها إثبات أنها آمنة وفعالة لإدارة الغذاء والدواء قبل أن تتمكن من بيعها. ويقول جوشوا شارفستاين -وهو طبيب وأستاذ في كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة-: "في الأساس، ترغب إدارة الغذاء والدواء في أن ترى أدلة داعمة قبل أن تسمح لأحد الاختبارات المطوَّرة معمليًّا عالية المخاطر بالخروج إلى السوق".

ولكن حتى هذا النهج المستهدف يثير قلق الكثير من قادة الصناعة وبعض الجمعيات الطبية المهنية، بما في ذلك الجمعية الطبية الأمريكية. ويقول كيرتس هانسون -المسؤول الطبي الأول في مختبرات مايو الطبية في روتشستر بولاية مينيسوتا، والتي تجري 25 مليون اختبار معملي في العام-: "يتوقف الأمر فعليًّا على تعريف إدارة الغذاء والدواء لتوصيف "عالية المخاطر"، وهذا غير واضح حاليًّا. قد تصل نسبة الاختبارات عالية المخاطر إلى ما بين 1% و10% من الاختبارات المُطوَّرة معمليًّا الموجودة في السوق اليوم. فكيف ستقوم إدارة الغذاء والدواء بالمراجعة والعثور على الحالات النادرة التي تحوي مشكلات؟ وكيف ستفعل ذلك بطريقة فعالة لا تبطئ التقدم؟".

أما بالنسبة للمرضى وأطبائهم المعالجين، فإن السؤال الأساسي والجوهري بالنسبة لهم: لماذا يجب عليهم من الأساس أن يتساءلوا عما إذا كان أحد الاختبارات الطبية المتاحة تجاريًّا له أضرار أكثر من فوائده؟