لا شك أن السيارات ذاتية القيادة حدث ضخم يتصدر عناوين الأخبار. وبالفعل، فإن قائمة طويلة من طرازات السيارات -من هوندا وفولفو وجنرال موتورز وفورد وأودي ومرسيدس وتسلا وغيرها- قد حولت بعض جوانب القيادة إلى خصائص أوتوماتيكية؛ فأصبحت تلك السيارات توفر تحكمًا ذكيًّا في الحركة يصل حتى سرعة 0 ميل في الساعة، وهذا يعني أنها تستطيع القيادة آليًّا في حركة مرور مزدحمة من التوقُّف والسير البطيء، إذ تستطيع السيارة التوقُّف وزيادة السرعة دون التعرُّض لخطر التصادم. كما يمكنها تغيير الحارة المرورية، أو الاستمرار في نفس الحارة، كما تستطيع الاصطفاف ذاتيًّا بشكل متوازٍ أو عمودي. أما الشيء الوحيد في القيادة الذي "لا تستطيع" فعله حتى الآن فهو الدوران.

والمثال الأكثر شيوعًا للسيارات ذاتية القيادة –بطبيعة الحال- هو أسطول جوجل. فبعد أن قادت تلك السيارات نفسها مسافة تزيد على مليون ميل في الطرقات العامة، لم تتسبب سوى في حادث وحيد حتى الآن: حادث بسيط بسرعة منخفضة مع حافلة (شاركت سيارات جوجل في 17 حادثًا بسيطًا آخر، لكن تلك الحوادث جميعًا كانت بسبب سيارات يقودها سائقون بشريون، على سبيل المثال اصطدم شخصٌ ما من الخلف بسيارة جوجل التي كانت تسير أمامه عندما أغلقت إشارة المرور).

 هذا أمر مثير للاهتمام حقًّا؛ فالسيارات ذاتية القيادة يمكنها إذًا –نظريًّا- أن تقضي على حوادث الطرق التي تودي بحياة 1.2 مليون شخص سنويًّا في جميع أنحاء العالم. ويمكن توفير تريليونات الدولارات التي تُنفَق على الإقامة في المستشفيات وتعويضات التأمين، كما ستعود الفائدة على البيئة أيضًا لأن السيارات التي تسير دون سائق تتبع أقصر الطرق وأفضلها ولا تتوه مطلقًا وتقلِّص الازدحام. لكن المذهل حقًّا هو التطوُّر التالي: سيارات ذاتية القيادة لا يمتلكها المستخدمون؛ بل سيارة روبوتية تستدعيها حينما تحتاج إلى أن تنقلك إلى مكان آخر.

تضخ بعض الشركات الكبرى استثمارات هائلة لجعل هذه الرؤية حقيقة واقعة. ففي فبراير عام 2015، نجحت شركة أوبر في استقطاب 40 من أفضل الباحثين في قسم تصميم الروبوتات الآلية بجامعة كارنيجي ميلون، الذي يتمتع بسمعة رفيعة المستوى.

وفي شهر يناير 2016، استثمرت شركة جنرال موتورز نصف مليار دولار في شركة "ليفت" المنافِسة لأوبر، وذلك بغرض تطوير سيارات بدون سائق تكون جاهزة عند الطلب، ثم زادت على ذلك بعد شهرين إنفاق مبلغ يُقدر بمليار دولار على شركة "كروز أوتوميشن"، وهي شركة لتكنولوجيا المركبات. وتخطط فورد وجوجل لإطلاق مشرع استثماري مشترك ذي أهداف مشابهة.

إن السيارات ذاتية القيادة تمثِّل طفرة في حد ذاتها، فما بالك بسيارات ذاتية القيادة تطلبها عندما تحتاج إليها؟ إن التغيرات التي سيتمخض عنها هذا التطور سوف تكون هائلة وسريعة الخطى وشاملة، إلى حد أنه لن يبقى شيء تقريبًا يخص التنقلات اليومية لن يتغير، وعلى الأغلب نحو الأفضل.

فالتنقُّل في سيارة روبوتية ذاتية القيادة بتكلفة محدودة يعني عدم وجود سبب محدد لاقتناء سيارة؛ فلن يكون عليك شراء سيارة وصيانتها وملؤها بالبنزين، ولن تتأخر أبدًا عن العمل لأنك مضطر إلى إزالة الثلوج عن زجاج السيارة الأمامي أو إزاحته عن ممر السيارة في بيتك.

وعندما تستقل سيارة ذاتية القيادة، لن يكون عليك انتظارها حتى يسخن الموتور في الشتاء (أو يبرد في الصيف)، ولن يكون عليك مطلقًا البحث عن مكان لتصفها فيه، بل سوف تُنزلك السيارة عند مدخل المكان الذي تقصده، ثم تنطلق مبتعدة.

بل ربما تصبح جميع القيود المجتمعية المصمَّمة للحماية من ضعف مهارات القيادة، مثل حدود السرعة ومخالفات تجاوز السرعة المحددة وحواجز الحماية وحتى تأمين السيارات، غير ضرورية.

وفي السياق نفسه، مَن سيحتاج إلى تعلُّم قيادة السيارات والحصول على رخصة قيادة؟ وسوف يتمكن الصغار في سن الثانية عشرة من العودة منفردين إلى منازلهم بعد قضاء ليلة لدى الأصدقاء. ولن تكون ثمة مشكلة بالنسبة لكبار السن أو ضعفاء البدن أو المعاقين الذين لا يستطيعون القيادة؛ بل قد يمثل هذا إيذانًا بتحرير الملايين من الأشخاص المضطرين إلى البقاء في منازلهم طوال الوقت.

وهذا من شأنه أيضًا أن يحل مشكلة القيادة تحت تأثير الكحول بحيث لا تعود مشكلة على الإطلاق. وماذا عن الشعور بالنعاس في أثناء الرحلات الطويلة؟ لن تكون مشكلة هي الأخرى؛ إذ يمكن لسيارات أوبر ذاتية القيادة أن تُقلَّك في أثناء الليل بينما تحظى أنت بقسط من النوم. وبالنسبة للمراهقين، يمكنهم مراسلة مَن يشاءون وهم في الطريق.

بالطبع، ثمة الكثير من التفاصيل التي يجب التعامُل معها أولًا؛ بعضها تفاصيل تقنية: فلا تزال الثلوج تخدع معظم السيارات ذاتية القيادة اليوم، على سبيل المثال، كما أنها لا تفهم تعليمات الشرطي البشري الذي يوجه حركة المرور. وبعض التفاصيل الأخرى بعيدة عن ساحة المناقشة قليلًا رغم أهميتها، مثل: هل ستكون سيارات الأجرة ذاتية القيادة آمنة من مخترقي أجهزة الكمبيوتر؟ وإذا سببت هذه السيارات حادثًا، فمَن المسؤول، أهو مالك السيارة أم مصنِّع السيارة أم شركات البرمجيات؟

أمَّا إذا كنت تفضِّل أن تقود سيارتك بنفسك، فربما لا يزال ذلك الخيار متاحًا أمامك. ويتنبأ بعض الخبراء بأن السيارات ذاتية القيادة سوف تصبح -بطريقةٍ ما- هي السائدة على الطرقات العامة في غضون خمس سنوات. ومن ثَم، فقد حان الوقت لنستعد لحقبة السيارات ذاتية القيادة الجديدة، فقد تأخر الوقت كثيرًا على التراجع الآن.