نشأ إعصار عاصفة فلورنس بالطريقة المعتادة، بقعة مُضطربة من السحب انبثقت فوق المحيط الأطلنطي قبالة الساحل الغربي الأفريقي الناتئ، شمال خط الاستواء مباشرة. كان الضغط الجوي هناك منخفضًا بالصورة المعهودة لفترة نهاية الصيف. يؤدي التقلُّب الطبيعي لمناخ الكرة الأرضية إلى حدوث اضطرابات استوائية في هذه المنطقة كل عام، أحيانًا بمعدل أعلى وأحيانًا بمعدل أقل، وأحيانًا تستحيل هذه الاضطرابات إلى أعاصير. تنبأت نماذج توقعات الطقس بالإجماع بأن السحب من شأنها أن تلتحم معًا لتُشكِّل عاصفة انعطفت دون إلحاق أي ضرر في الاتجاه الشمالي الغربي نحو وسط المحيط الأطلنطي، بعيدًا عن اليابسة.

بدأت العاصفة المدارية فلورنس في فعل ذلك تمامًا في 1 سبتمبر 2018، ولكنها انعطفت بعناد جهة الغرب بينما أصبحت أكثر اتساقًا في بنيتها مستهدفةً منطقة الكاريبي على ما بدا. كان ثمة اضطراب آخر مثير للقلق يترصد بالقرب من بورتو ريكو، التي كانت لا تزال تترنح من الخراب الذي حلَّ بها بسبب إعصار ماريا قبل عام. كذلك كانت هناك ثلاثة أعاصير كبرى تدور في المناطق الاستوائية من المحيط الهادي، تغذيها درجات حرارة المحيط التي كانت مرتفعةً للغاية. استمد هذا الحشد الجامح من العواصف طاقته من درجات حرارة المحيط التي بلغت مستوياتٍ قياسيةً من الدفء، والتي ظلت ترتفع على نحوٍ منتظم منذ سبعينيات القرن العشرين، جنبًا إلى جنب مع ارتفاع درجات الغلاف الجوي المدفوع بغازات الدفيئة التي تحتجز الحرارة.

الآثار العالمية لتغيُّر المناخ

تستمد العواصف زخمها من حرارة المحيطات وبخار الماء في الغلاف الجوي، الذي هو آخذٌ في الارتفاع كذلك.

لكن عوامل متعارضة أبقت على حالة الضعف التي اتسمت بها العاصفة فلورنس، وعلى الرغم من أن ذلك بدا وكأنه من حسن الحظ، فإنه قد أثار القلق بين اختصاصيي التنبؤات الجوية. يمكن توجيه العواصف الأضعف بسهولة أكبر بواسطة رياح الارتفاعات الدنيا، وكانت تلك الرياح تهب من الغرب إلى الشرق صوب الساحل الشرقي للولايات المتحدة مباشرة وتمر بمحاذاة الطرف الجنوبي لمرتفع جوي كبير ودائري وقوي على نحو غير معتاد يربض في وسط شمال المحيط الأطلنطي. تنشأ المرتفعات الجوية بصورة طبيعية، ولكن تشير الأدلة إلى أن بعضها يعلق في مكانه في أكثر الأحيان، وهو عرض إقليمي لمناخ أكثر دفئًا. وكان "مرتفع جوي" مماثل لذلك هو الذي وجَّه إعصار ساندي نحو مساره الغريب من المحيط الأطلنطي إلى ولاية نيو جيرسي عام 2012.

حدث شيء غير متوقع يوم 4 سبتمبر، فقد تحركت عاصفة فلورنس الضعيفة فوق بقعة في المنطقة الغربية الوسطى للمحيط الأطلنطي، التي بلغت مستويات غير معتادة من الدفء. ونظرًا إلى أنها تستمد زخمها من هذا الدفء، سرعان ما اشتدت قوتها لتصير إعصارًا من الفئة الرابعة وعلى دائرة عرض شمالية تكاد تكون قياسية. تُعد البقع العشوائية الساخنة من مياه المحيط أثرًا إقليميًّا آخر من آثار تغيُّر المناخ.

وبينما ارتجت فلورنس، بدأت نماذج التنبؤ تتضافر فيما بينها؛ إذ بدا أنه من المرجح أن تضرب العاصفة سواحل كلتا الولايتين كارولاينا الشمالية والجنوبية، ثم تتلكأ حيث يمكن أن تطلق العنان لفيضانات كاسحة، كما فعل إعصار هارفي قبل سنة فوق مدينة هيوستن. من المؤكد أن فلورنس ضربت ولايتي كارولاينا الساحليتين يوم 14 سبتمبر واستمرت لمدة أربعة أيام. وأصبحت رياح الارتفاع المنخفض الموجهة غايةً في الضعف فلا تستطيع تحريك النظام الجوي. أدت عاصفة فلورنس إلى هطول أمطار تزيد على 30 بوصة على مقياس المطر في بعض الأماكن دون غيرها، وأفادت التقارير بأنها أودت بحياة أكثر من 50 شخصًا، إضافة إلى قتل ملايين الحيوانات (أغلبها من الدواجن)، في حين بلغت الخسائر الناجمة عنها نحو 20 مليار دولار أمريكي وفق التقديرات. أدت مياه الفيضانات التي مرَّت عبر المزارع الصناعية والمناجم ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي إلى تلوُّث الأنهار ومصباتها على مدار أسابيع.

لن يزول سريعًا عن الأذهان سُخط عاصفة فلورنس ولا العرْض السافر لتغيُّر المناخ في أثناء حدوثه. تُعْزَى الحدة غير المعتادة التي اتسم بها هذا الإعصار إلى آثار محددة لتغيُّر المناخ: ارتفاع درجة الحرارة في كلٍّ من الهواء والمحيط، وزيادة معدل تبخُّر الماء، وقوة المرتفع الجوي، وضعف الرياح الموجِّهة. هذه العوامل نشطة في مختلف أنحاء العالم، وهي ترجع إلى التزايُد السريع في شدة العواصف، وتنامي معدل هطول الأمطار، وزيادة شدة الفيضانات، وتصاعد قوة الرياح المصاحبة للعواصف.

يُعد إعصار فلورنس أحد الأمثلة الكثيرة على الطرق المتنوعة التي أثَّر بها تغيُّر المناخ على الطقس المتطرف خلال عام 2018. فقد ضربت "الأعاصير القنبلة" الساحل الشمالي الشرقي للولايات المتحدة. وأدى اندفاع هواء قارس من المنطقة القطبية الشمالية أُطلق عليه "وحشٌ من الشرق" إلى تجمُّد أوروبا. كما أصابت موجات الحر الشديدة اليابان واليونان والدول الإسكندنافية بالشلل، في حين دمرت الفيضانات أجزاءً من فينيسيا وباريس وميريلاند.

بالطبع حدثت مثل تلك النكبات منذ وُجد البشر على الأرض، ولكن يتضح عامًا تلو الآخر أن وباء الطقس الغريب الذي نواجهه في وقتنا الحالي لا يمكن تفسيره استنادًا إلى التقلُّب المناخي الطبيعي. وعلى الرغم من أن العلماء في الماضي كانوا حريصين على عدم الربط المباشر بين تغيُّر المناخ وظواهر جوية بعينها، فإننا في واقع الأمر نقول حاليًّا إنه نظرًا إلى تغيُّر المناخ، تقع فيضانات كبرى بوتيرة أعلى. وتزداد حرارة موجات الحر القاتلة وتدوم مدةً أطول، كما أن نوبات البرد القارس تستمر مدةً أطول في بعض الأماكن كذلك.

إلى أي مدى يمكن أن نُلقي باللوم على طقسنا اليومي الجامح الذي نجمت عنه خسائر تُقدر بأكثر من 160 مليار دولار في أنحاء العالم خلال عام 2018 استنادًا إلى تغير المناخ؟ تعتمد الإجابة على تحديد الدور الذي يؤديه كل عامل من العوامل الثلاثة التالية واسعة النطاق.

أولًا: التأثير العالمي لارتفاع درجات الحرارة في المحيطات وارتفاع الحرارة ومعدل التبخر في الغلاف الجوي. تستحق قصة بخار المياه اهتمامًا أكبر مما تلقاه؛ إذ إن بخار الماء هو غاز آخر من غازات الدفيئة التي تحتجز الحرارة، بل إنه يطلق قدرًا أكبر من الحرارة عندما يتكثف في شكل غيوم ويغذي هطول الأمطار من العواصف.

استِعار حرائق الغابات في كوربالي في السويد في يوليو 2018، التي زاد من شدتها المستويات غير العادية التي بلغتها درجات الحرارة والجفاف (اليسار). يحتجز مرتفع جوي ساكن إعصار فلورنس فوق الجزء الشرقي من الولايات المتحدة لأيام، ما غمر بلدات مثل لمبرتون في ولاية نورث كارولاينا بالفيضانات (اليمين). Credit: Mats Andersson Getty Images (left); Joe Raedle Getty Images (right)

يختص العامل الثاني بالآثار الإقليمية، مثل المرتفعات الجوية العنيدة، ومسطحات الجليد البحري المنصهر، و"الفقاعة الباردة" من مياه المحيط الآخذة في النمو جنوب جرينلاند، وتباطؤ تيار الخليج، وازدياد الدوامة القطبية ضعفًا.

ويشتمل العامل الثالث على الطرق المعقدة التي تتفاعل من خلالها التفاوتات الطبيعية مثل "إل نينيو" و"لا نينيا" مع العوامل الإقليمية. إن الأبحاث التي تدرس هذا التفاعل متطورة ومثيرة للجدل وتؤتي ثمارها كذلك. فنحن الآن نفهم على نحو أفضل كيف ولمَ يتسبب تغير المناخ في زيادة حدة تطرُّف الطقس، مما يكشف كيف سنحتاج إلى التأهُّب للأخطار الشديدة التي يزداد معدل نشوئها باستمرار.

إعصار مقيت

الغلاف الجوي للأرض عبارة عن عباءة من الغازات النشطة. ويَسخن الهواء ويَبرد باستمرار بينما تُرسِل الشمس طاقتها خلال النهار وتعكس الأسطح الدافئة هذه الطاقة مرةً أخرى إلى الفضاء في أثناء الليل. ينجم عن التسخين غير المتكافئ نشوء رياح محلية تهب في كل اتجاه. وتتبخر المياه باستمرار من اليابسة والبحار، لتتكثف في الهواء وتتساقط في شكل أمطار أو ثلوج.

غير أنه في خضم تلك الفوضى، توجد أنماط -يمكن التنبؤ بها على نحو لافت للنظر- تحكمها دوائر العرض، ودوران الأرض، وسلاسل الجبال، وحركة تيارات المحيطات، وغيرها من المؤثرات. وفي المحيط الأطلنطي، تتكون الأعاصير -مثل إعصار فلورنس- في الجزء الشرقي من المدارات، ثم تتحرك في اتجاه الغرب. أما في المحيط الهادي، فتتحرك العواصف المدارية كذلك نحو الغرب. يهب تيار نفاث قطبي من الغرب إلى الشرق حول النصف الشمالي من الكرة الأرضية، عند دائرة عرض قريبة من الحدود الأمريكية -الكندية، بينما يمر تيار نفاث قطبي آخر في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، بمحاذاة الأطراف الدنيا من قارتي أمريكا الجنوبية وأفريقيا. وما يكون أكثر دورانًا هو أنظمة الرياح المرتبطة بتقلبات حرارة المحيط، مثل ظاهرتي إل نينيو ولا نينيا، اللتين تشتدان وتضعفان على فترات تتراوح الواحدة منها بين ثلاث سنوات وثمان، وتؤثر على الرياح وهطول الأمطار في مختلِف أنحاء العالم. وتُظهِر البيانات المأخوذة من عينات الطين الأسطوانية الجوفية والتي استُخرجت من مختلِف قيعان البحار أن تلك الأنماط قد صمدت لمئات الآلاف من السنين.

يسود كلٌّ من الفوضى والتوافق كذلك في المحيطات على مدار دورات أطول، بين عمليات دائمة من التسخين والتبريد وتدفُّق المياه. إن التذبذب العقدي للمحيط الهادي هو تأرجح بين درجات حرارة دافئة وباردة، بين الشمال الشرقي والشمال الغربي للمحيط الهادي، وتستمر كل مرحلة نحوَ عقد من الزمان. والدوران التقلبي الجنوبي في المحيط الأطلنطي عبارة عن تيار بطيء من المياه السطحية الدافئة والمالحة، التي تتجه نحو الشمال في غربي المحيط الأطلنطي، ثم تفقد الحرارة وتغوص عميقًا، لتتدفق مرة أخرى جنوبًا صوب القارة القطبية الجنوبية. وتستغرق رحلة ذهاب وعودة خلال هذه الدورة نحو 1000 عام.

ينجم عن التفاعلات بين الغلاف الجوي والمحيطات تغيُّرات طبيعية في المناخ، فتكون بعض الأعوام أكثر حرارةً وأعوامٌ أخرى أكثرَ برودةً في أقاليم بعينها، وتكون بعض الأعوام أكثر رطوبةً أو أكثر جفافًا، ولكن بيانات عينات الطين الأسطوانية الجوفية التي تعود إلى آلاف السنين تبين أن لتلك التغيرات حدودًا، فالمناخ نادرًا ما يتجاوز حدودًا بعينها، حتى الآن.

لقد عايشت تلك الاستثناءات بنفسي في أواخر شتاء 2018. فقد كان من المفترض أن يعلن شهر مارس عن قدومه بقوة ووضوح، ولكن كان الأمر مثيرًا للدهشة، فقد كانت الطبيعة الأم تقدم عرضًا لسيل من العواصف القوية من نوع أعاصير "نوريستر" Nor’easter؛ عواصف تتمخض قبالة ساحل المحيط الأطلنطي مباشرةً، وتعصف بالساحل الشرقي برياح قادمة من الشمال الشرقي. إن عوامل تَغيُّر المناخ الثلاثة -وهي زيادة الحرارة والبخار على مستوى العالم، والآثار الإقليمية، والتداخل بين التقلب الطبيعي للمناخ وتلك الآثار- كانت تزيد تلك العواصف زخمًا.

كنت أتابع بقلق النماذج الأخيرة للتنبؤات الجوية. أظهرت تلك النماذج تذبذبًا بدا حميدًا في التيار النفاث فوق الجزء الشمالي من المحيط الهادي، كما اتفقت على أنه سيعبر نحو ساحل الأطلنطي ليُولِّد كَمًّا هائلًا من العواصف، تستهدف بلدتنا الساحلية في الجنوب الشرقي لولاية ماساتشوستس. تحدثت تلك النماذج بثقة عن عاصفة ثلجية تتنامى سريعًا -وهي من الناحية الفنية نوع من "الأعاصير القنبلة"- لتُلقي بالثلج الذي تحمله على ضاحيتي مباشرةً. سيُعد ذلك ثالث الأعاصير الكبرى لهذا الموسم، وهو أمر غير معتاد.

لقد توافرت كل العناصر، فكان الهواء البارد يعلو بثباتٍ الولايات الشرقية (عامل يحدث بصورة طبيعية)، ووفرت الحرارة الزائدة في المحيط (عامل عالمي) الطاقة والرطوبة الكافيين للوصول إلى عاصفة متنامية، كما أن درجات حرارة الماء في المحيط الأطلنطي قبالة نيو إنجلاند تجاوزت المستويات المعتادة بكثير (عامل إقليمي).

كان التداخل بين العوامل الطبيعية والإقليمية عاملًا آخر مهمًّا. فقد حدث للتذبذب العقدي للمحيط الهادي في أواخر عام 2013 تحولٌ من مرحلته السلبية إلى مرحلة إيجابية فيما يتماشى مع دورته الطبيعية. وقد أدى هذا إلى رفع درجات حرارة البحر فوق متوسطاتها بطول الساحل الغربي لأمريكا الشمالية. والحرارة الزائدة التي تُضخ في الغلاف الجوي من ذلك الماء الدافئ تحفِّز تكوين بروز في اتجاه الشمال (يمكن وصفه بالنتوء) في التيار النفاث فوق غربي أمريكا الشمالية، يمكن أن يمتد إلى داخل ألاسكا.

هنا يأتي دور التفاعل مع أحد الآثار الإقليمية. لقد ارتفعت درجات حرارة الهواء في القطب الشمالي بمعدل ضعفين إلى ثلاثة أضعاف سرعة ارتفاعها في بقية الكوكب، لا سيما في فصل الشتاء. والنقصان الاستثنائي لما نسبته 75% من حجم الجليد البحري بالقطب الشمالي خلال 40 عامًا فقط مسؤول عن أغلب هذا الاحترار. يمكن لبروز المحيط الهادي أن يُؤثر في هذا الاحترار الزائد فيزيده حدةً ويجعله يستمر مدةً طويلة. وهذا البروز المسمى "ريديكوليسلي ريزيلينت ريدج" هو إعصار مضاد مسؤول بدرجة كبيرة عن الجفاف الممتد وموجات الحرارة التي هيأت الساحة لنشوب حرائق الغابات العنيفة بطول الساحل الغربي للولايات المتحدة.

من المعتاد أن يقترن البروز الحاد بمنخفض كبير في اتجاه الجنوب (يُسمى أخدودًا) يقع إلى الشرق منه، وهو في حالتنا هذه يقع فوق شرقي أمريكا الشمالية. ويتيح منخفضٌ عميقٌ لهواء القطب الشمالي أن يندفع بعيدًا في اتجاه الجنوب، مسببًا تفاوتًا صارخًا في درجات الحرارة مع مياه المحيط الأطلنطي الدافئة بمحاذاة الساحل الشرقي. ويمقت الغلاف الجوي التفاوتات في درجات الحرارة، ومن ثم يولِّد العواصف؛ لخلط الكتل الهوائية في محاولة لمعادلة الفروق، و"الأعاصير القنبلة" مثال قوي على ذلك. يميل نمط البروز والأخدود إلى توليد العواصف من نوع "نوريستر"، وهو نمط ازداد انتشارًا في مواسم الشتاء الأخيرة.

بالطبع رسمت هيئة الطقس الوطنية سيناريو من "قنبلة الإعصار" -وهي تتكون عندما ينخفض الضغط الجوي للعاصفة لأكثر من 24 ميلي بار في 24 ساعة، مما يتسبب في "تفجُّرها" قوةً وحجمًا. كانت ضاحيتي في عرض النيران، وبحلول ساعة الغسق يوم 2 مارس، حلَّت كذلك الرياح العاتية لعاصفة "نوريستر"، ما نجم عنه هطول المطر وتساقط الثلوج وحدوث انقطاعات في الكهرباء وتآكُل شديد بفعل الأمواج العالية والمد العاصفي. اخترت أن أنام أنا وقطتي (كان زوجي غير موجود) على الأريكة في غرفة المعيشة، بدلًا من غرفة النوم بالطابق العلوي؛ خوفًا من أن تسقط على منزلنا إحدى أشجار الصنوبر البيضاء الباسقة الموجودة في فناء المنزل. ظل صوت الرياح مرتفعًا للغاية طوال الليل، حتى إنني لم أسمع صوت تحطُّم أيٍّ من الأشجار الكبيرة -وعددها عشرون شجرة- التي تساقطت من حولنا دون أن تصيب سقف منزلنا بطريقةٍ أو بأخرى.

تلكأت العاصفة قبل أن تغادر، إذ أعاق حركتها مرتفعٌ جويٌّ مضاد بالقرب من جرينلاند، مؤديًا إلى اجتياح ست ولايات برياح تبلغ قوتها قوة الأعاصير. قتلت عاصفة "النوريستر" تسعة أشخاص، وتسببت في انقطاع الكهرباء عن أكثر من مليوني شخص (خمسة أيام في بلدتنا)، وأغرقت الضواحي الساحلية.

طقس الشتاء البغيض

لم يكن موكب عواصف "نوريستر" المدمرة الظاهرة الجوية الوحيدة التي استمدت زخمها من تغيُّر المناخ في شتاء 2018. فقد عانى كلٌّ من سكان مدينتي باريس وفينيسيا أسوأ فيضان على مدار نصف قرن؛ نتيجةً لهطول الأمطار لفترات طويل، بينما ضربت العواصف الهوائية المهلكة كلًّا من ألمانيا وشمال فرنسا. وغطت عدة أقدام من الثلوج دافوس بسويسرا، في اللحظة التي فيها كان الأثرياء وأصحاب القامات يحاولون الوصول إلى الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي.

في أمريكا الشمالية، كانت القصة التي حظيت باهتمام كبير هي "ضربة سوط من الطقس" -ويُقصد بذلك التقلبات الفجائية والجذرية بين الحدود القصوى طويلة الأمد. وعلى الرغم من أن الأبحاث لا تزال شحيحة، تتزايد الأدلة التي تُفيد بأن تلك التقلبات المتطرفة تحدث بمعدل تكرار أعلى، وبأن المؤثرات المناخية الثلاثة التي ذكرناها في حالة نشاط.

مثال في صميم الموضوع: خلال ثلاثة أسابيع من يناير، أحكم هذا البرد القارس قبضته على شرقي الولايات المتحدة، لدرجة أن سحالي الإيجوانا أخذت تتساقط من الأشجار وهي في غيبوبة وشبه متجمدة في جنوب فلوريدا، بينما كان سكان الولايات الغربية ينعمون بدرجات حرارة فوق الطبيعية. ثم سادت حالة من الطقس السيء في مستهل شهر فبراير. وأدى تغيُّر نمط التيار النفاث (إلى العكس تمامًا) إلى جلب قدر قياسي من الدفء للمئات من المدن الشرقية. قفزت درجات الحرارة 40 درجة فهرنهايت في 24 ساعة، مما أعاد الحياة إلى سحالي الإيجوانا. وفي الوقت ذاته، استقرت حالةٌ من البرد القارس فوق الولايات الغربية. وفي ساحة التصارع بالغلاف الجوي بين الكتل الهوائية الشرقية والغربية، تسببت العواصف القوية بوادي نهر المسيسيبي في حدوث فيضانات عُدت الأسوأ على مدى عقود. تزايدت وتيرة تكرار هطول الأمطار الغزيرة في هذا الإقليم بنحو 40 في المئة منذ خمسينيات القرن العشرين.

وسدَّدت العوامل العالمية والإقليمية والمتداخلة ضربتها من جديد. فحالتا الاحترار والرطوبة العالميتان في العموم أعطتا تلك الظواهر المتطرفة زخمًا، كما أن التيار النفاث الإقليمي الأهوج ذاته الذي كان في طريقه ليؤدي دوره في عرض "الأعاصير القنبلة" قد هيأ الساحة. وضرب طقس الشتاء الفجائي والقوي الولايات المتحدة وكندا في فبراير 2019 أيضًا، في بعض المناطق، انخفضت درجات الحرارة بمعدل يتراوح بين 50 و60 درجة فهرنهايت، وانخفضت درجة حرارة الرياح بأكثر من 100 درجة فهرنهايت في غضون بضعة أيام فقط.

موسم الصيف الحارق والممطر

حلَّ صيف 2018 كذلك بالنصف الشمالي من الكرة الأرضية بمظاهر متنوعة من الطقس السيئ، تفاقم أكثرها بسبب تغير المناخ. فبينما تلظت اليابان وتكساس وحتى إسكندنافيا مدةَ أسابيع، خاض الساحل الشرقي للولايات المتحدة أكثر المواسم سقوطًا للأمطار في التاريخ. اجتاحت نوبات الجفاف العنيدة غربَ الولايات المتحدة وأجزاءً من أوروبا والشرق الأوسط، مسببةً سلسلةً مروِّعة من حرائق الغابات التي تكبدت بسببها ولاية كاليفورنيا وحدها 20 مليار دولار. وأدت الظروف الجوية المتطرفة خلال موسم الصيف إلى إتلاف المحاصيل، وتعزيز تكاثر الطحالب السامة، وتعطيل أنظمة التبريد في المفاعلات النووية، كما تسببت في حالات انقطاع للتيار الكهربي عبر أربع قارات.

كان واضحًا أن ثمة ارتباطًا بين بعض التأثيرات والعامل العالمي، فارتفاع متوسطات درجات الحرارة يتسبب في موجات حر أكثر سخونة. ويغذي بخار الماء الزائد الأمطار الصيفية الغزيرة، ويساعد في رفع درجات الحرارة في أثناء الليل عن طريق احتجاز حرارة إضافية بالقرب من السطح. يمكن للحرارة الاستثنائية بالإضافة إلى الرطوبة -خاصةً بالليل- أن تُشكل مزيجًا مُميتًا، بحيث تجعل من الصعب على الجسم البشري تبريد ذاته عبر تبخُّر العرق، فمات الآلاف من البشر الذين يعيشون من دون مكيفات هواء في جميع أنحاء العالم.

ما يُعد أقل وضوحًا هو التأثيرات المناخية على تيار الصيف النفاث؛ وهو ما يُمثل أحد الموضوعات البحثية "الساخنة" بحق. لكن الواضح أن كلًّا من العوامل العالمية والإقليمية أدى دورًا في تحفيز تيار نفاث متموج مثل ذلك الذي اجتاح إسكندنافيا بموجات الحر والجفاف والحرائق. حطمت درجات الحرارة هناك من مايو حتى يوليو الأرقام القياسية التي تعود إلى قبل 260 عامًا.

ما الدور الذي أدته التغيرات الإقليمية؟ يحدث الاحترار في أثناء الصيف والربيع في منطقة من اليابسة تقع جنوب السواحل القطبية الشمالية لكلٍّ من كندا وروسيا. والغطاء الثلجي الربيعي هناك آخذ في الانصهار قبل الأوان أكثر من أي وقت مضى، ففقدان هذا السطح العاكس بشدة يُعرِّض التربة التحتية لأشعة شمس الربيع القوية على نحو أسرع، متسببًا في جفافها قبل الأوان. تسخن التربة الجافة أسرع كثيرًا من التربة الرطبة، وبالتالي ترتفع درجات الحرارة. إن الإحماء يمنح الصيف نقطة الانطلاق، دافعًا التيار النفاث للتحرُّك جهة الشمال أسرع من المعتاد، مما يتيح للهواء الدافئ اختراق دوائر العرض القطبية.

يمكن لمنطقة اليابسة الدافئة دفئًا غير عادي أن تساعد في انقسام التيار النفاث إلى فرعين، وهو حدث يشيع وقوعه في أثناء فصل الشتاء ولكن بدرجة أقل في الصيف. وكثيرًا ما تُحاصَر النظم الجوية بين الاثنين لفترات طويلة؛ لأنه يوجد قدر ضئيل من الرياح هناك لتحريكها. كان التيار النفاث منقسمًا معظم الوقت فوق أوراسيا وأمريكا الشمالية في أثناء صيف عام 2018، مما هيَّأ ظروف جفاف ودفء باستمرار في بعض المناطق، وفترات سقوط أمطار مطوّلة في مناطق أخرى حطمت الأرقام القياسية في كلتا القارتين.

اربط حزام الأمان

كان الطقس القاسي لعام 2018 مقدمةً للعرض الرئيسي القادم للجماهير في كل مكان مع استمرار غازات الدفيئة في التراكم. بعض عواقب الآثار العالمية -محيطات وهواء أكثر دفئًا، وارتفاع نسبة الرطوبة في الغلاف الجوي- واضحة ومباشرة. تركز الأبحاث المكثفة على تفكيك الخليط المتشابك من الآثار الإقليمية وتداخلها مع التقلب الطبيعي. دعونا نلقي نظرة على أربعة أمثلة.

تشير الأدلة إلى أن المنطقة المدارية حول خط الاستواء تزداد اتساعًا نحو القطبين. يدفع ذلك مسارات العواصف نحو القطبين، ويجعل الأقاليم المعتدلة أكثر سخونةً وجفافًا. يمكن مشاهدة الظواهر الأوضح في المناطق الجافة التي تحدد الأطراف الشمالية والجنوبية للمدارات، مثل جنوب كاليفورنيا والبحر المتوسط وأستراليا، حيث احتلت موجات الحرارة والجفاف الأشد حدةً عناوين الصحف. يسعى العلماء لفهم المؤثرات التي من المرجح أن يكون لها دور، وهذه المؤثرات هي الاحترار وجسيمات السُّخام والغبار في الغلاف الجوي، التي تُحدِث تغييرًا في درجات حرارة الهواء وتكوُّن الغيوم.

أحد العوامل الإقليمية الأخرى محل التدقيق هو التباطؤ الظاهر في تيار الخليج، وهو تيار رئيس من تيارات المحيط، يتدفق من خليج المكسيك للأعلى نحو الساحل الشرقي، ثم عبر شمال الأطلنطي نحو المملكة المتحدة. إنه الفرع السطحي من المدى الأوسع من التيارات التقلبية الجنوبية في المحيط الأطلنطي. والتباطؤ من شأنه أن يُربك أنماط الطقس ومصائد الأسماك على جانبي المحيط. وقياسات المناطق العميقة تحت سطح المحيط شحيحة، ولكن الشذوذات في درجات حرارة السطح المرصودة جيدًا -مثل الدفء غير الطبيعي بطول الساحل الشرقي، وبقعة المياه الباردة جنوب جرينلاند- تُقدم أدلةً مهمة، تُفيد بأن نظام الدوران واسع المدى هذا يتباطأ بالفعل. إن التغيُّر في أنماط درجة حرارة المحيط من شأنه أن يؤدي إلى تغيير في قوة العواصف ومسارها. قد يكون فرط النشاط في مسار العواصف بشمال المحيط الأطلنطي في الأعوام الأخيرة بمنزلة استجابة لتباطؤ تيار الخليج، بالإضافة إلى ارتفاع درجات حرارة المياه، التي من الأرجح أنها حفَّزت "الأعاصير القنبلة" خلال شتاء 2018.

من الخصائص الإقليمية الأخرى التي يتعين مراقبتها المرتفعات الجوية المضادة. إذ تُشير عمليات الرصد إلى أن حدوثها يتكرر بمعدل أكبر في بعض الأماكن -فوق جرينلاند وغربي روسيا مثلًا- ولكن نماذج الغلاف الجوي تكافح كي تتمكن من التنبؤ بنمو تلك الدوامات الدوَّارة في السماء وزوالها. تتكون الكتل لأسباب عدة، فبعضها يرتبط بالتقلب الطبيعي، أما البعض الآخر فيرتبط بتغير المناخ. على سبيل المثال، يمكن لبقايا العواصف المدارية أن تضخ موجات من الطاقة بصورة طبيعية في التيار النفاث، متسببةً في أن ينحني وتنشق عنه دوامات فرادى. لكن مع ارتفاع حرارة المحيطات، قد تدوم العواصف المدارية مع التوغل أكثر صوب الشمال ولوقت أطول بحيث تدخل فصل الخريف، ما يؤدي إلى زيادة احتمالات التصادمات مع التيار النفاث، الذي من شأنه أن يُكوِّن كتلةً يمكنها دفع الأعاصير والأنظمة الجوية في اتجاهات غير معتادة.

فخلال شهر أكتوبر 2018 مثلًا، تلكأ إعصار ليزلي في المحيط الأطلنطي أكثر من أسبوعين، ليصل في النهاية إلى مكان لم يصل إليه إعصار معروف من قبل: غرب البرتغال مباشرة. وعصفت الرياح القوية والسيول بشبه الجزيرة الأيبيرية. وجثمت كتلة قوية في ذلك الوقت على شمال شرق أوروبا، مكونَةً نمط التيار النفاث المتموج، الذي التقط ليزلي وحملها في رحلة طويلة عبر المحيط الأطلنطي.

العامل الإقليمي الأخير الذي ورد ذكره في الأخبار مرارًا في شتاء 2018 ثم في شتاء 2019 هو الدوامة القطبية في طبقة الستراتوسفير. كانت هذه الدوامة تتصرف بغرابة. هذه الحلقة من الرياح العاتية تدور حول بقعة من الهواء المتجمد فوق القطب الشمالي في الشتاء فقط على ارتفاع يبلغ نحو 30 ميلًا. يمكن للظروف الصحيحة أن تشوِّه الحلقة، أو حتى تقسمها إلى حلقتين أو أكثر من الحلقات الصغيرة، التي تميل إلى التحرك جنوبًا حاملةً معها موجات من البرد القارس. وفي الوقت ذاته، يغزو الهواء الدافئ منطقة القطب الشمالي ليُحدث انقلابًا في درجات الحرارة. ففي أثناء فترة انقسام الدوامة القطبية في أواخر يناير من هذا العام، كان الجو بالقرب من القطب الشمالي أكثر دفئًا منه في شيكاغو. يمكن لما يسمى بأحداث احترار الستراتوسفير المفاجئة أن تحدث بصورة طبيعية، ولكنها تحدث مؤخرًا بوتيرة أكبر. توصل عدد من الأبحاث الحديثة إلى أن التناقص الشديد للجليد البحري في المحيط المتجمد الشمالي شمال منطقة غرب روسيا قد يساعد في إحداث هذه الاختلالات بالدوامة. قد يتعرض غالبيتنا ممن يعيشون في مناطق دوائر العرض المتوسطة لهجوم الدوامة القطبية على نحو أكثر تكرارًا مع اشتداد الاحترار العالمي.

وعلى الرغم من أن جوانب معينة من التجربة -التي لا ضوابط لها، والتي نُخضِع مناخ الأرض لها- تظل صعبة الفهم، فإن العلم يكشف سريعًا أنه يمكن إلقاء اللوم على تغيُّر المناخ فيما يخص مفاقمة الطقس المتطرف وعواقبه. سيساعدنا فهم الصلات في رؤية المستقبل بمزيد من الوضوح، والاستعداد لما ينجم من آثار على مجالات الزراعة والأمن الدولي والأحياء البحرية والغابات وموارد المياه العذبة والبنية الأساسية وصحة الإنسان. باتت هذه الآثار واضحة، ولن تزداد إلا سوءًا.

ومع ذلك، ثمة أسباب تدعو للتفاؤل. فموجة الطقس السيئ سلطت الضوء على الحملة الممولة جيدًا، والتي تسعى لنشر معلومات مضللة وتوليد شكوك حول تغير المناخ بين عامة الناس. وعلى الرغم من كل ما يزعمه المتشككون، فإن التقلبات لا يمكنها ببساطة أن تفسر الظواهر المتطرفة التي نشهدها ونشعر بها. وتُشير الدراسات الاستقصائية الأخيرة إلى أن الناس بدءوا أخيرًا يدركون أن تغيُّر المناخ حقيقة واقعة، وأنه يحدث بسببنا. يستجيب كل من شركات التأمين والقادة العسكريون ومطورو العقارات ومديرو البلديات للمخاطر الملموسة على الأرواح والممتلكات. فربما أصبحنا أخيرًا على استعداد لمواجهة الأوقات العصيبة المقبلة.