هل الذهاب إلى صالات "الجيم" أفضل وسيلة لممارسة التمرينات الرياضية؟ هل تتطلب ممارسة التمرينات الرياضية رفاهية لا يملكها محدود الدخل؟ هل تحتاج ممارسة الرياضة إلى روتين يومي قاسٍ؟

ربما تفاجئك الإجابة العلمية الصحيحة عن تلك الأسئلة، وفقًا لما أكدته دراسة أجراها فريق بحثي بكلية العلوم الصحية في جامعة سايمون فريزر الكندية.

انتهى فريق الدراسة إلى أنه بغض النظر عن مستوى الدخل للأفراد، فإن "ممارسة النشاط البدني لمدة 150 دقيقة أسبوعيًّا -موزعة على 30 دقيقة لمدة خمسة أيام- يمنع 8.0% (1 لكل 12) من حالات الوفاة التي يشهدها العالم سنويًّا، ويخفض من معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 4.6% تقريبًا (1 لكل 20)".

وتوصلوا أيضًا إلى أنه "في حالة النشاط الزائد -الذي يصل إلى أكثر من 750 دقيقة من النشاط البدني في الأسبوع- فإن ذلك يعطي مزيدًا من المؤشرات الإيجابية؛ إذ تنخفض معدلات الوفاة بنسبة 13٪، وتنخفض معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 9.5٪".

تضمنت الدراسة متابعة أكثر من 130 ألف شخص، تراوحت أعمارهم بين 35 و70 عامًا، من 17 دولة من الدول ذات المستويات الاقتصادية المرتفعة والمنخفضة، ولمدة تباينت بين 6 سنوات إلى 9، بغرض تحديد تأثير النشاط البدني على معدلات الحياة والوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية.

وضمت قائمة الدول التي شملتها الدراسة: كندا، والسويد، والإمارات العربية المتحدة، والأرجنتين، والبرازيل، وشيلي، وبولندا، وتركيا، وماليزيا، وجنوب أفريقيا، والصين، وكولومبيا، وإيران، وبنجلاديش، والهند، وباكستان، وزيمبابوي.

وقدم المشاركون مع انطلاق الدراسة التي نشرتها دورية "لانسيت" معلومات تتعلق بمستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية وأنماط معيشتهم، وتاريخ عائلاتهم مع أمراض القلب والأوعية الدموية، كما قدموا معلومات عن النشاط البدني المعتاد بالنسبة لهم، وهي المعلومات التي كان يتم تجديدها كل ثلاث سنوات على الأقل.

وذهب الباحثون إلى أنه "لا يهم نوع النشاط البدني الذي يمارسه الشخص، فليس شرطًا أن يذهب إلى صالات الألعاب البدنية، إذ يمكن -وفق الدراسة- أن يكون الوقت الذي يقضيه في تنظيف المنزل، أو حتى المشي السريع في أثناء توجهه إلى العمل، مفيدًا في هذا الإطار".

نتائج محفزة

يقول سكوت لير -المتخصص في مجالات الوقاية من الأمراض القلبية الوعائية بكلية الصحة بجامعة سيمون فريزر بكندا، والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": "إن النتائج التي توصلنا إليها ستكون مفيدة بصورة أكبر لذوي الدخول المنخفضة، ونأمل أن تكون محفزةً للكثيرين لوضع روتين يومي لممارسة التمارين الرياضية".

ويضيف أن "البقاء نشطًا عبر أداء الواجبات المنزلية يمكنه توفير المال والموارد التي تُنفَق على الأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب والأوعية الدموية، ويمكن أن يكون مفيدًا بشكل خاص في البلدان منخفضة الدخل"، موضحًا أن "القدرة على تحمُّل تكاليف العلاج والنظام الغذائي المرتبط بأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل استهلاك الفواكه والخضار، غالبًا ما تكون بعيدةً عن متناول كثير من الناس في البلدان منخفضة الدخل والبلدان متوسطة الدخل، لكن النشاط البدني في المقابل يمثل نهجًا منخفض التكلفة لمنع أمراض القلب والأوعية الدموية".

ويمكن للدراسة أن تكون مفيدة جدًّا في مواجهة ما تشير إليه منظمة الصحة العالمية على موقعها الرسمي من أن "مشكلة نقص النشاط البدني تبدو أكثر وضوحًا في البلدان ذات الدخل المرتفع؛ إذ تظهر في 26% من الرجال و35% من النساء في البلدان مرتفعة الدخل، في مقابل 12% من الرجال و24% من النساء في البلدان منخفضة الدخل".

الموت المفاجئ

وفيما يتعلق بتعارُض الدراسة مع الأبحاث التي تربط بين الموت المفاجئ وممارسة التمرينات الرياضية بصالات الجيم، يقول لير: "من دون معرفة التاريخ المرضي للأشخاص، لا أستطيع الجزم بأن ممارسة النشاط الرياضي أدت إلى الوفاة؛ ففي معظم هذه الحالات قد يعاني الناس من بعض الأمراض القلبية الكامنة التي لا تظهر أعراضها على الأفراد فورًا إلا بعد حدوث ظرف طارئ".

ويضيف مشددًا: "ما يحدث في بعض الحالات الفردية لا يعني أن ممارسة النشاط البدني أو الرياضة سيئ أو ضار بالصحة، فمثلًا قد يتعرض الشخص للوفاة في أثناء قيادته للسيارة، لكن هذا لا يعني أننا لن نقود السيارة، ولا أن القيادة بصورة عامة خطرة على الصحة، وأعتقد أنه إذا كان الشخص يمارس الرياضة بأنواعها المختلفة من مشي أو أداء تمرينات رياضية بالجيم، فإنه قد لا يحدث هبوط مفاجئ في الدورة الدموية، وبالتالي تقل نسبة الموت المفاجئ".

مشكلات القلب الكامنة

 يتفق محمد نصر -أستاذ طب وجراحة أمراض القلب بالمعهد القومي للقلب- مع ما يقوله "لير" من أن "مشكلات القلب الكامنة تكون سببًا رئيسيًّا وراء كثير من حالات الوفاة التي تحدث في أثناء ممارسة التمرينات الرياضية"، موضحًا أن المشكلة عادةً ما ترجع لوجود عيب خلقي في عضلة القلب، وهو ما يدفع الأندية الرياضية إلى إجراء أشعة موجات فوق صوتية على اللاعبين المنضمين لها حديثًا؛ للتأكد من عدم وجود هذه المشكلة لديهم.

ويضيف: كما أن التدخين يُعَدُّ من أسباب حالات الموت المفاجئ في أثناء ممارسة الرياضة؛ إذ يؤدي إلى تصلُّب الشريان التاجي، ما يجعله عاجزًا عن ضخ الدماء إلى القلب، لا سيما مع المجهود البدني.

ويوضح أن "الجديد في الدراسة الأخيرة هو المعلومات التفصيلية التي قدمتها عن المعدل المفضل للنشاط البدني، بما يحسِّن اللياقة العضلية والقلب والجهاز التنفسي، ويحُدُّ من مخاطر الإصابة بضغط الدم وأمراض القلب التاجية".

يُذكر أن منظمة الصحة العالمية كانت قد أوصت بضرورة ممارسة الأشخاص -في الفئة العمرية بين 18 وحتى 64 عامًا- لأنشطة بدنية هوائية (تمرينات التنفس) مدةً لا تقل عن 150 دقيقة، لكن للأسف فإنها أشارت في الوقت ذاته إلى أن 23% من سكان العالم لا ينفذون المبادئ التوجيهية الخاصة بالنشاط البدني التي أقرتها المنظمة.