كعادة الحياة، لم يكن طريق ذلك الرجل ممهدًا. فخلال مسيرته التي امتدت لـ87 عامًا، فشل الرجل، ونجح. عثر على الحب وضيعّه. صعد درجات المجد ثم هبط. التحق بأفضل الجامعات وطُرد منها.

كان نجمه متذبذبًا، غير أنه أصر على الوصول، عاش حياةً عاصفة، هرب مع أسرته من نازية هتلر، ومن بيروقراطية معهد ماساتشوتس للتكنولوجيا، كذب ليحصل على وظيفة تُعينه على الحياة. حتى وقع في حب "الجاذبية".


هو "راينر فايس".. الرجل الذي حصل على نوبل الفيزياء دون سابق تدبير؛ تتويجًا لجهود يقول إنها لا تخصه وحده، بل تعود إلى مجموعة من العقول التي تعاونت فيما بينها لإثبات نظرية وضعها عقلٌ فذ قبل ١٠٠ عام.


خلال الاجتماع السنوي التاسع والستين لعلماء نوبل، الذي أقيم في مدينة لينداو الألمانية، في شهر يوليو 2019، التقت مجلة "للعلم" العالم الكبير راينر فايس، الحاصل على جائزة نوبل الفيزياء لعام 2017، صاحب فكرة مرصد ليجو ومُؤسسه. ذلك المرصد الذي حقق نتيجةً مذهلةً حين رصد بدقة "موجة ثقالية"، تحدث عنها أينشتاين قبل قرن من الزمان.

تحدث "فايس" عن حياته المتقلبة. من صناعة أنظمة الصوت وصولًا إلى إنشاء مرصد قادر على استكشاف ظاهرة كونية بالغة التعقيد.. ألا وهي الموجات الثقالية.
 

رحلة عمل وجهد استمرت نصف قرن، أسفرت عن نجاح تاريخي عبارة عن أول رصد للموجات الثقالية عام 2015، فاستحق العلماء الثلاثة -رينر فايس وباري باريش وكيب ثورن، الذين قادوا تلك الرحلة- الجلوس على عرش نوبل الفيزياء بعد عامين فقط من تحقيق إنجازهم التاريخي.


إليكم نص الحوار:

أنت أوروبي الأصل، وعشت قسطًا من حياتك في القارة العجوز.. كيف انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية؟

كان والدي طبيب أعصاب يهوديًّا، عاش في برلين إبان الحقبة الهتلرية. وكما هو معروف، كانت ظروف اليهود في أوروبا معقدة. اضطررنا إلى أن نترك ألمانيا في عهد النازيين وننتقل إلى براج، لكن الاحتلال الألماني لتشيكوسلوفاكيا عام 1938 دفع والدي للفرار بنا مجددًا، حتى استقر بنا الحال في مدينة نيويورك.

وكيف أثر عليك الانتقال عبر الأطلنطي من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية؟

كنت طفلًا شديد الولع بالإلكترونيات. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تحولت مدينة نيويورك إلى مدينة للخردة التي تأتي من جميع أنحاء العالم، مثل الإلكترونيات وأجهزة الراديو وغيرها.

كان كل ما أحتاجه متاحًا بأبخس الأسعار. كنت في سن الثانية عشرة محبًّا للموسيقى والإلكترونيات وكل ما له علاقة بالسمعيات. ابتسم لي الحظ حين تعرض أحد مسارح بروكلين بكل ما فيه لحريق هائل. فانتهزت الفرصة واشتريت أجهزة الصوت بسعر بخس وأصلحتها.

نجحت في صناعة راديو إف إم بينما كنت في الرابعة عشرة من عمري. وضعته في حجرتي التي كانت تشبه قاعة الحفلات. تستطيع أن تستمع فيها لموسيقى كلاسيكية رائعة تذاع في إذاعة إف إم وتخرج من مكبرات صوت عملاقة خاصة بمسرح حقيقي! هل يوجد أروع من ذلك! كان كل مَن يدخل حجرتي يخرج مبهورًا، بل وراغبًا في أن أصنع له مثل هذا الشيء. وبدأت بالفعل وأنا في سن المراهقة أصنع أنظمة الهاي فاي وأبيعها، وكان هذا حدثًا بالنسبة لي!

وكيف كانت النقلة من صناعة أنظمة الهاي فاي إلى الموجات الثقالية؟

لم تكن نقلةً مباشرة. ففي الوقت الذي كنت فيه شابًّا، كان الفونوجراف منتشرًا. ولأن سطحه كان خشنًا، كان تلامُس الإبرة مع السطح يُحدث صوت تشويش مزعجًا وواضحًا بشدة في أثناء الاستماع للموسيقى الهادئة. ففكرت وأنا لا أزال مراهقًا أن أغير الاستجابة الترددية لأتخلص من الترددات العالية وقت أن تهدأ الموسيقى وأنا لم أكن أعلم هل سينجح ذلك أم لا، إذ لم أكن أعلم شيئًا عن الإلكترونيات الحقيقية، لكنني كنت معتادًا على إلكترونيات الشارع. ونجحت فكرتي.. وقررت من وقتها أن التحق بالجامعة وأدرس في المجال الذي أستمتع به.

أفهم من ذلك أنك درست الهندسة الكهربائية؟

في الحقيقة أنني حين فكرت في التقدم للالتحاق بالجامعة قدمت أوراقي في العديد من الأماكن، وتم قبولي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) مع أنني لم أكن قَط طالبًا جيدًا. كنت أريد متابعة دورات معينة في الهندسة الكهربائية ولكن النظام لم يسمح. كان عليَّ الاختيار من بين دورات محددة واستكمالها حتى أستطيع دراسة الدورات التي أرغب فيها.. هكذا كان النظام في أماكن مثل إم آي تي في الماضي. لم يكن ذلك ليروق لي. فقد كنت مدللًا، أصنع ما أريد بيدي وقتما أريد، لذلك اخترت أن أترك الهندسة الكهربائية جانبًا وأدرس الفيزياء؛ لأن دراستها سوف تتيح لي بعض الحرية.

وكيف كانت دراستك للفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا؟

حين بدأت الدراسة في إم آي تي، كنت أعمل في الإجازات الصيفية في شركة للإلكترونيات في كمبريدج، وكسبت أموالًا أتاحت لي الذهب في رحلة على الباخرة إلى إحدى الجزر في ماساتشوستس. وعلى متن الباخرة التقيت امرأةً ساحرة، كانت تعزف البيانو وتتمتع بصوت عذب، وبدأ يحدث بيننا إعجاب متبادل.

كانت تقيم في شيكاغو بينما كنت مقيمًا في كامبريدج ماساتشوستس، وعندما عاد كلٌّ منا إلى مدينته بدأنا نتبادل الخطابات. العديد والعديد من الخطابات، ولكن الأمر تغير شيئًا فشيئًا، وأصبح عدد الخطابات أقل بكثير، فأدركت أن هناك شيئًا ما، وكنت أريد إصلاح الأمر. ذهبت إلى شيكاغو، وقضيت شهرًا ونصف أو شهرين خلال الدراسة، وأدركت أن إصلاح الأمر لم يكن في يدي. أصابني الاكتئاب ولم أحضر الامتحانات ولم أؤدِّ أية واجبات فجاءت درجاتي سيئة للغاية فسقطت. وحين تسقط في مكان مثل "إم آي تي"، فهم لا يقبلونك مجددًا.

هل كانت لديك خطط بديلة بعد أن تركت إم آي تي؟

 لم يكن لديَّ أدنى فكرة عما سأفعله.. فبدأت أتجول حول "إم آي تي" فوجدت مبنًى تابعًا للمعهد فيه معمل، في جهة منه يعملون على الساعات الذرية، وفي الجهة الأخرى يعملون على الفيزياء النووية، وفكرت أن أحاول الانضمام إليهم، وسألت ببساطة هل تحتاجون إلى أحد يعمل في الإلكترونيات؟ فقال أحدهم: نعم، وسألني: هل يمكنك أن تصنع لنا ثلاجة؟ فرددت: بالطبع يمكنني ذلك، وأنا لم أكن أعرف أي شيء عن هذا الأمر، لكن لا بد أن تكذب لتحصل على وظيفة! والحقيقة أنني لم أصنع ثلاجة قط، ولكنني صنعت بدلًا منها صندوقًا للثلج!

وماذا استفدت من العمل في معمل الساعات الذرية؟

الحقيقة أن هذا العمل هو الذي شكَّل حياتي العملية على النحو الذي سارت عليه. كانت أغلب تعاملاتي مع الخريجين والطلبة والفنيين، فالرجل المسؤول عن المعمل كان مشغولًا بشكل دائم، وحين التقيت به أصبحنا أصدقاء.

بدأت في العمل معه على الساعات الذرية.. كان يطمح في تحقيق إنجاز علمي كبير.. كان يريد أن يُجري تجربةً للتحقق من نظرية أينشتاين التي مفادها أنه في حالة الوقوف في مكان قريب من مركز الأرض حيث الجاذبية قوية، فسنجد أن الساعة الذرية أبطأ قليلًا من مثيلتها الموجودة على ارتفاع وبعيدة عن مركز الأرض.

خلال التجربة، كان دوره هو أن يظل في الوادي وعليَّ أنا الذهاب بالساعة إلى قمة الجبل بعيدًا عن مركز الأرض لنثبت بالتجربة صحة نظرية أينشتاين.. كانت تلك هي تجربة عمري.

فعلى الرغم أن التجربة لم تنجح؛ لأننا كنا نستخدم ساعات ذرية أنيقة للغاية لم نستطع عن طريقها أن نثبت صحة النظرية، إلا أن فكرة التجربة أثارت اهتمامي بأينشتاين بشكل عام وبالجاذبية بشكل خاص. والحقيقة أن تلك التجربة الفاشلة كانت بداية حياتي العملية وليست الجامعة. وبعد ذلك استطعت أن أصمم ساعةً ذريةً أفضل أدَّت المهمة بنجاح.

قلت لنا إن مَن يفشل في مكان مثل "إم آي تي" يتركه بلا عودة، فكيف عدت إلى المعهد؟

كنت سعيد الحظ بوجود "جيرولد زاكارياس" في حياتي؛ فهو الرجل المسؤول عن معمل الساعات الذرية، وكان الرجل الخفي وراء كل شيء جيد يحدث لي، فقد كان مؤمنًا بي بشدة.

بعد زواجي، كنت أنا وزوجتي ننتظر حدثًا سعيدًا، كان من الضروري أن أجد وظيفةً حقيقية بعد أن تخرجت وحصلت على الدكتوراة، وكان كل ذلك بفضل زاكارياس؛ فهو الذي أعادني للدراسة. جاءني عرض من "إم آي تي" لأكون مساعد مدرس، وعرفت لاحقًا أن زاكارياس كان وراء ذلك أيضًا.

كونت فريقًا بحثيًّا بهدف القيام بقياسات تخص ظواهر كونية منها الجاذبية. خلال ذلك الوقت، في عام 1966 طُلب مني من قِبَل رئيس القسم أن أدرس مقررًا عن "النسبية العامة" وكنت لا أعلم عنها شيئًا. ولكن وضعي كقائد لفريق بحثي في علم الكونيات لا يمكِّنني من الاعتراف بأنني أجهل مبادئ "النسبية العامة"، فوافقت.

وكانت تلك هي المرة الثانية التي أكذب فيها للحصول على عمل. والحقيقة أنني كنت محظوظًا بطلابي، فقد كانوا يدركون تمامًا أنني لا أفهم ما هو مطلوب مني تدريسه، وقد تعلمناه معًا. أنا أعلم جيدًا كيف أُجري التجارب.. إذ إن النظريات بالنسبة لي أصعب كثيرًا.

ما هي قصتك إذًا مع الموجات الثقالية؟

في مريلاند عام 1969، كان "جوزيف ويبر" يُجري أولى تجارب الكشف عن الموجات الثقالية... كان يعتقد أن مرور تلك الموجات عبر جسمٍ ما يُحدث فيه تشوهًا لحظيًّا، وعند عودة ذلك الجسم إلى شكله الأصلي قد تصدر عنه موجات صوتية صغيرة.

وعلى الرغم من أن هذه الموجات الصوتية ستكون صغيرة السعة. فقد اعتقد "ويبر" أنها ستكون قابلةً للاكتشاف بواسطة أجهزة استشعار كهرضغطية مثبتة على أسطوانة ألومنيوم كبيرة.

المشكلة هي أن الموجات الصوتية الناتجة عن الجاذبية ستكون صغيرةً إلى الحد الذي ستضيع معه في ضوضاء الاهتزازات الحرارية التي تحدث بشكل طبيعي في أسطوانات الألومنيوم. لذا استخدم "ويبر" أسطوانتين متباعدتين بمقدار حوالي 1000 كيلومتر. من شأن موجة ثقالية حقيقية أن تخلق موجةً صوتيةً في كلا الكاشفين، على عكس الضوضاء الحرارية العشوائية.

كان طُلابي متشوقين لمعرفة كيف يمكن أن ينجح شيءٌ كهذا، وكيف يمكن اكتشاف الموجات الثقالية عن طريق تلك الأسطوانات.

قضيت أوقاتًا عصيبة لكي أفهم أنا شخصيًّا بشكل كامل، حتى أجد القدرة على الشرح لطلابي. في تلك الأثناء جاءتني فكرة مشروع "ليجو".

الفكرة أن تضع كتلةً هنا ثم كتلةً هناك وتضع ساعةً على تلك الكتلة.. ساعة جيدة جدًّا وضوء ليزر، ثم عليك أن ترسل شعاع ليزر وتقوم بواسطة الساعة بقياس الزمن الذي احتاجه شعاع الليزر لينتقل من كتلة إلى أخرى ويعود؛ لأن الكتلة الأولى تحتها مرآة تجعل الشعاع يرتد إليها مرةً أخرى. إذا أعدنا قياس الزمن أكثر من مرة فسيكون واحدًا في الأحوال العادية، أما في حالة الموجة الثقالية فهي تمط الفضاء قليلًا، وحين نعيد قياس الوقت سنجده قد اختلف، هذا هو أساس ليجو.

حدثنا أكثر عن مشروعك.

قضيت صيفًا كاملًا عام 1971 في غرفة صغيرة أقوم بحسابات لأستطيع تحويلها إلى تجربة حقيقية يمكننا عن طريقها الكشف عن الموجات الثقالية، وكانت تلك هي بداية "ليجو" في حياتي.. بدأت أنفذ أفكاري على نموذج صغير في معهد ماساتشوتس للتكنولوجيا. لكنني كنت مضطرًا إلى تقديم مقترح للهيئة الوطنية للعلوم؛ لأنني كنت بحاجة إلى تمويل حتى يرى مشروعي النور. وجرى عرض المقترح على العديد من المتخصصين للمراجعة، وهذه هي الطريقة الوحيدة للحصول على المال. في ذلك الوقت، حدث شيء غريب، اتصل بي أحد أعضاء فريق ألماني ممن عُرض عليهم المقترح، وقال لي: نحن مهتمون أن نعمل على المقترح الخاص بك. والحقيقة أن هذا الفريق الألماني نفذ الكثير من العمل الأولي للمشروع لإثبات أن هذه الفكرة لها معنى، وقد مهد هذا للتعاون والشراكة التي نشأت فيما بعد بين إم آي تي وكالتك وليجو.

إلى أي مدى أنت سعيد بفوزك بنوبل؟

أنا سعيد طبعًا لفوزي بنوبل، لكن هذا ليس مجهودي وحدي، بل مجهود العديد من البشر. ما أقوله هنا لا علاقة له بالتواضع، لكن حين نفكر في كم الأشخاص الذين شاركوا في تنفيذ الفكرة نجد 20 عالِمًا ماهرًا على الأقل في ليجو كان من الممكن أن يفوز أيٌّ منهم بنوبل.

أنا بالفعل لديَّ مشكلة في إجابة السؤال: لماذا أنا الذي فزت وليس واحد من هؤلاء الـ20 الآخرين. قد يكون الحظ هو كلمة السر! دعيني أقول إن الكاشف الموجود في ليجو هو نتاج جهد 1000 شخص استطاعوا معًا ابتكار كاشف لديه القدرة على أن يقيس الموجات الثقالية التي نتجت عن ارتطام ثقبين أسودين.

ما أهمية اكتشاف الموجات الثقالية؟

قصة الموجات الثقالية قصة معقدة. فمنذ تجربة "ويبر" لم ينجح العلماء في كشف أية موجات ثقالية. لذلك حين نجحنا نحن في ذلك، كان لا بد أن نتأكد من أن ما قسناه هو بالفعل موجات ثقالية حقيقية. وقد استغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى نتأكد من نجاح التجربة.

إن الكشف عن الموجات الثقالية هو أمر في غاية الأهمية.. فلنبدأ بالسبب الخاص بالعلوم الأساسية، العالِم جوزيف تيلور وأحد طلابه أثبتا أن حركة نجمين حول بعضهما تُحدث صوتًا. وقد أجريا تجربة رائعة مكَّنتهما من سماع صوت تلك الحركة مستخدمين علم الفلك الراديوي خلال 25 سنة، واكتشفا أنه يحدث فقد للطاقة، عرفنا الآن أنه كان بسبب موجة ثقالية.

ما فعلناه نحن هو كشف مباشر للموجات الثقالية، وهو شيء مختلف، سأشرح لماذا. ما أثبته أو قاسه تيلور هو الطاقة التي يفقدها النظام الكوني، أما نحن فقد وصلنا إلى ما تفعله الموجة الثقالية بالضبط. فهي "تمط" الفضاء، ورأينا الحركة الفعلية للثقبين الأسودين كيف تتم، أي أننا اختبرنا نسبية أينشتاين على مستوى أكثر عمقًا من أي وقت مضى.

الفضاء يرن كالجرس حين يصطدم ثقبان أسودان بعضهما ببعض. لم نسمع الصوت، ولكننا شعرنا بالحركة التي تَسبَّب فيها الصوت. دعونا نتفق على أن ما يهم الجمهور مختلفٌ عما يهم الفيزيائيين.

الجمهور قد يتحمس مثلًا حين نبدأ مجالًا جديدًا لعلم الفلك أو لرؤية الكون من منظور جديد، ولكن الفيزيائيين يتحمسون لقدرتهم على اكتشاف الجاذبية على نحوٍ جديد. ما توصلنا إليه ليس نهاية المطاف، فطموحنا أن نطور الكواشف ونزيد من حساسيتها حتى نصل إلى قياسات أفضل بكثير. هدفنا أن نذهب بالكواشف الحالية التي تبلغ 4 كيلومترات إلى 40 كيلومترًا، وهذا صعب جدًّا، ومكلف جدًّا جدًّا.

بمناسبة التكلفة، من أين يأتي التمويل؟

التمويل مشكلة كبيرة، نحتاج من 200 مليون إلى مليار دولار. لا بد أن يتم البناء في 3 أماكن مختلفة. أنا حاليًّا أحاول أن أجد طريقة لتقليل التكلفة. في حالة بناء كاشف 40 كيلومترًا فإن نظام الفراغ -وهو الحيز الخالي من المادة- سيكون مكلفًا جدًّا.

التكنولوجيا المستخدمة في الكاشف تحتاج إلى تعديل، نحتاج مثلًا إلى مرايا تكون أكبر بكثير لعكس شعاع الليزر، لكن كل ذلك لن يكون مكلفًا. التكلفة الباهظة في الغالب ستذهب في نظام الفراغ.

كان تمويلنا يأتي في الأساس من الهيئة الوطنية للعلوم، لقد دفعوا مليار دولار بالفعل، ولكنها لن تستطيع تمويل المرحلة القادمة بمفردها، لذلك نفكر أن نتقدم لهيئة الطاقة بطلب تمويل، قد يكون لديهم أسبابٌ للاهتمام بهذا المشروع.

أنا لا أعرف بالضبط كيف ستسير الأمور، لكن سؤال التمويل هو سؤال صعب وسؤال سياسي. نحن نحتاج إلى 50 مليون دولار سنويًّا لتشغيل الكواشف، وخلال 17 سنة صرفنا مليار دولار من أموال دافعي الضرائب، لكن النتائج كانت مذهلة، ونحن فخورون بها.

وهل العمل على المشروع الجديد معناه أن الكاشفات القديمة ستحال إلى المعاش؟

لا، لن يحدث ذلك. فالكاشفات الحالية لا تزال تعمل بكفاءة وتمدنا بالمعلومات، ويعتمد رواد الفضاء بشدة على المعلومات الصادرة عن ليجو. لن نستطيع أن نقول إننا سنغلق الكاشفات الحالية لمدة 3 سنوات لنطورها. فهناك الكثيرون.. طلبة وباحثون، وأقسام كاملة في جامعات، أناس أتوا إلينا من كل حدب وصوب طلبًا للعلم، ولدينا مسؤولية تجاههم. والكواشف الحالية لا بد أن تظل قائمةً من أجل هؤلاء.

مَن يتحمل مسؤولية جلب الأموال للمشروعات؟

في تعاون كبير كهذا، تكون المسؤولية في الغالب ملقاةً على عاتق كبار السن من أمثالي. أنا عمري 86 سنة، قد أبدو أصغر سنًّا لأنني عشت حياة مرحة وكنت مستمتعًا بالفيزياء. بدأنا في تأسيس مشروع ليجو في عام 1983، لكن رحلة البحث عن تمويل للمشروع بدأت منذ عام 1974.

العديد من الاكتشافات المهمة تتم كل عام، لماذا في رأيك يهتم الناس أكثر حين يتعلق الأمر بالموجات الثقالية؟

بسبب أينشتاين! هذه هي الحقيقة ببساطة. أنا أقوم بزيارات عديدة للمدارس، أحب كثيرًا أن أتحدث إلى الأطفال والشباب فهم في حماس دائم.. أتحدث إلى أطفال في الصف السادس وأحيانًا إلى أطفال الحضانة من ذوي الـ4 والـ5 سنوات، وآخذ معي ألعابًا يمكنهم اللعب والاستمتاع بها. حين أطلب منهم أن يذكروا اسم أحد العلماء، أجد الكل يتسابق ويقول: "أينشتاين". لماذا؟ لأنه جزء من الثقافة. فالأطفال اعتادوا أن يقول بعضهم لبعض: "أنت لست ذكيًّا مثل أينشتاين". الجميع يعرف أينشتاين، لذلك حين يتعلق الأمر بأينشتاين يهتمون في الحال وينصتون لك. هم يحبون أينشتاين.

الثقوب السوداء كذلك، مثلها مثل أينشتاين، كل طفل في المجتمع الأمريكي يعلم عن الثقوب السوداء من الكتب الهزلية. يعلمون أنك لا بد أن تبقى بعيدًا عن الثقب الأسود وإلا ابتلعك! العديد من الأطفال وليس كلهم يعلمون أن هناك ثقبًا أسود كبيرًا في وسط مجرتنا. بالنسبة لهم، الثقوب السوداء شيء مخيف، لذا يهتمون بها.

هل تريد أن تقول إن الكتب الهزلية هي طريقة جيدة لتسويق العلوم؟

في رأيي يحتاج تسويق العلوم إلى علماء يتحدثون لغة بسيطة يفهمها الأطفال، وهو شيء صعب؛ لأن العلماء ليست لديهم الرغبة في ذلك، لأنهم إذا أردوا سيجدون الأمر سهلًا. يكفي أن يكون العالِم متحمسًا ولديه قصص يحكيها ليقرِّب للأطفال ماذا فعل أينشتاين بالضبط. كل فئة عمرية يمكن أن تجتذبها بما يهمها، فمثلًا طلاب المرحلة الثانوية يمكن أن تحدثهم عن الموجات الثقالية وما هي، ويمكن حتى أن تعرض عليهم صورًا لها، أما الصغار فيمكن أن تحدثهم عن أينشتاين وماذا فعل في حياته. هناك أشياء إنسانية يستطيعون فهمها، لكنهم لن يفهموا ماهية الثقوب السوداء.

وهل كنت متحمسًا بالتقاط الصورة الأولى لثقب أسود؟

بالطبع! الجميع كان متحمسًا، هم لا يعلمون أي شيء عن الأمر، ولكنه "ثقب أسود"!

مَن هو العالِم الذي تعتبره مثلك الأعلى؟

إدوارد بورسيل، هو فيزيائي عظيم أدت أبحاثه إلى اختراع الرنين المغناطيسي. أنا لم أعمل مع بورسيل قط، ولكنني قرأت كتبه وتحدثت معه. كان يعمل في هارفارد، وبفضله استطاع الناس أن يحيوا حياةً أطول، بعد أن ساعد الرنين المغناطيسي على تشخيص حالتهم، فأعطى ذلك فرصةً للأطباء أن يصفوا العلاج الصحيح.

ما النصيحة التي تقدمها لشباب الباحثين؟

قبل أن تبدأ في عمل شيء في حياتك -سواء في الفيزياء أو غيرها من العلوم- لا بد من أن تتأكد أولًا أنك مستمتع بما تفعل. لو لم تكن مستمتعًا، فلن تحقق أي نجاح. تأكد أيضًا أن يكون حولك أشخاص تستمتع بالعمل معهم بعيدًا عن أجواء التنافس. حين يسعى الجميع لتحقيق هدف مشترك يصبحون يدًا واحدة، وهذا ما حدث في ليجو.

هل من الضروري أن يكون لديك سؤال علمي يؤرقك وتريد الإجابة عنه؟

لا، ليس بالضرورة أن يكون لديك أية أسئلة، يكفي أن تكون مستمتعًا بما تفعل. حين بدأنا نعمل على الموجات الثقالية عام 1972 في المختبر الخاص بي، كان هدفنا أن نرصد موجةً ثقالية. كنا نعمل بالليزر، كان كل همنا كيف نجعل الليزر أفضل، كان تركيزنا منصبًّا على العمل اليومي، لو كنا قد شَغَلْنا فكرنا بالهدف الكبير لكان العمل قد توقف بعد مرور عامين دون رصد موجة ثقالية واحدة. نصيحتي لكل باحث أن يحدد الهدف الكبير ثم يضعه جانبًا ويركز فيما عليه فعله؛ لأن العمل اليومي هو الذي سيحدد هل ستنجح في الوصول إلى الهدف أم لا.

هل اتجه أولادك إلى مجال العلوم؟

لا. ابنتي تدرس المجتمعات عن طريق الموسيقى التي ينتجها كل مجتمع، وهي مهتمة جدًّا بإندونيسيا، أما ابني فهو مؤرخ فني يعمل بمتحف الفنون الجميلة في بوسطن. أولادي اتجهوا إلى ما يحبون، وأنا لم أحاول قَط أن أوجههم إلى العلوم، لكن يبدو أن حفيدي يستمتع بالفيزياء.

ما هي هواياتك بعيدًا عن العلوم؟

أنا أحب الموسيقى وأعزف البيانو ولكن لنفسي فقط، وأستطيع أن أصلح البيانو أيضًا. تلك الفتاة التي قابلتها على السفينة وكانت تعزف وتغني كان لها تأثير كبير على حياتي. حين سمعتها تعزف البيانو أدركت أننا يمكننا ألا نكتفي بسماع الموسيقى بل نستطيع أن نصنعها أيضًا. تعلمت عزف البيانو وأنا في العشرينيات، وهي سن كبيرة بالنسبة لتعلُّم العزف، ابنتي تعلمت وهي في السادسة، لذلك الفرق بيننا كبير جدًّا.

من وجهة نظرك ما هي الأزمة الأهم في العالم الآن؟

الأزمات في العالم كثيرة جدًّا، قد يكون أهمها تغيُّر المناخ .. كان لا بد من أن نبدأ في دراسة الحلول منذ مدة طويلة، لكن لا نزال نستطيع أن نتحرك ونضع حلولًا. لا بد من أن نبذل كل الجهود على كل المستويات، فالهجرة بسبب تغيُّر المناخ من شأنها أن تسبب مشكلاتٍ ضخمةً في أماكنَ كثيرةٍ من العالم.

أزمة أخرى مهمة من وجهة نظري هي جنون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتشوُّه الحزب الجمهوري، فلم يعد في الولايات المتحدة حزب معارِض بالمعنى المفهوم. هذا النوع من الأزمات من وجهة نظري ستترتب عليه أزمات أكبر ستكون لها عواقب وخيمة!