قبل نحو 28 عامًا، أصدر رئيس مجلس الوزراء المصري الراحل، الدكتور عاطف صدقي، قراره رقم 944 لسنة 1989، بإعلان منطقة «الغابة المتحجرة»، شرق القاهرة، «محمية طبيعية». المنطقة الممتدة على مساحة 7 كيلومترات مربعة تُعد أثرًا جيولوجيًّا نادرًا، يخفي الكثير من أسرار الحياة القديمة على الأرض. وتزخر المنطقة بسيقان وجذوع أشجار ضخمة متحجرة، ضمن تكوين ما يُعرف بـ«جبل الخشب»، الذي ينتمي إلى عصر «الأوليجوسين»، قبل حوالي 35 مليون سنة.

وتأخذ جذوع الأشجار المتحجرة أشكال قطع صخرية ذات مقاطع أسطوانية، تتراوح أبعادها من سنتيمترات إلى عدة أمتار، وتتجمع على شكل غابة متحجرة، وغالبًا ما توجد مرتبة أفقيًّا في اتجاهين رئيسيين. الأول باتجاه 30 درجة مع الشمال الشرقي، وتصل أطوال هذه المجموعة إلى حوالى 15 مترًا، بمتوسط قُطر 40 سنتيمترًا، أما الاتجاه الثاني 20 درجة مع الشمال الغربي، وهو الأكثر شيوعًا، فتصل أطوال جذوعه إلى أكثر من 25 مترًا، بأقطار تتراوح بين متر ومتر ونصف.

والأوليجوسين هو ثالث العصور الجيولوجية الخمسة (باليوسين، أيوسين، أوليجوسين، ميوسين، بليوسين) من حقب الحياة الحديثة (Cenozoic)، ويمتد من نهاية عصر الإيوسين (Eocene) إلى بداية عصر المايوسين (Miocene).

 

 
EEAA بوابة محمية الغابة المتحجرة بالتجمع الخامس

رحلة السفر والتحجُر

ولعل الأسباب المحتملة لتوزيع الخشب المتحجر في هذين الاتجاهين -وفق ما أوضح الدكتور مصطفى فودة، خبير حماية الطبيعة- ترجع إلى النشاط البركاني أواخر عصر الأوليجوسين؛ إذ تتخذ جذوع الأشجار اتجاهًا يتفق مع اتجاهات الفوالق الرئيسية، نتيجة كثرة الحركات الالتوائية، التي تأخذ اتجاهًا جغرافيًّا عامًّا يمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، مع بعض التغيرات في زوايا الميل.

وبينما اختلفت النظريات التي تفسر أصل الجذوع والسيقان المتحجرة، فإن أغلبها يشير إلى أنها انتقلت مع مياه أحد الأنهار القديمة إلى أماكن تجمُّعها الحالية في المحمية والمناطق المحيطة بها.

 وقال فودة لـ"للعلم" إن هناك نظريتين يمكن من خلالهما تفسير كيفية تحجُّر هذه الجذوع، الأولى: عبر الذوبان بالأحماض المنبعثة من الأرض الحارة من جَرَّاء وقوع البراكين، والتي تعمل على إذابة الرمل وتشبُّع المياه الجارية أو الجوفية به، وعند ري الأشجار بالمياه المتشبعة بالرمال الذائبة، فإن الأوعية الخشبية يحدث لها ما يشبه "التصلب"؛ إذ تتكون الأخشاب المتحجرة. أما النظرية الثانية: فتُعرف بالاستبدال الجزئي، ويتم عن طريق إحلال مادة "السيليكا" وبعض المعادن الأخرى، مثل الحديد والمنجنيز والكبريت، محل المادة الخشبية، بحيث يتحول الخشب إلى حجر، مع احتفاظه بكل تفاصيله التركيبية من أنسجة وخلايا نباتية.

جرائم ضد التاريخ

وكغيرها من خزائن التراث، امتدت يد الإجرام إلى محمية الغابة المتحجرة، إذ شهدت العديد من التعديات خلال ما يُعرف بـ"فترة الانفلات الأمني"، في أعقاب "ثورة 25 يناير 2011".

نجم عن هذه التعديات هدم السور الذي يحمي حرم المحمية، وتحوُّل مساحة كبيرة منها إلى مقلب للقمامة ومخلفات المباني، مما تسبب في تدمير التكوينات الجيولوجية بالكامل في الجزئين الشمالي الشرقي والجنوبي الغربي. وتعرضت رمال المحمية وأشجارها المتحجرة للسرقة‏، وفق شكاوى ومحاضر رسمية لوزارة البيئة، بعد أن ظلت آمنةً ملايين السنين.

حراسة مسلحة

ولم تتوقف جرائم سرقة تراث جبل الخشب عند تلك الفترة، بل استمرت حتى وقت قريب، وربما ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. وقاد وزير البيئة، الدكتور خالد فهمي، بنفسه مساء يوم 28 مارس 2016، حملة بالتعاون مع أجهزة وزارة الداخلية لقطاع القاهرة الجديدة، مدعومة بـ12 مجموعة قتالية، للتصدي للتعديات المستمرة على المحمية خاصةً خلال ساعات الليل، إذ أسفرت الحملة في ساعتها الأولى، عن ضبط 15 شاحنة محملة بكميات هائلة من الأحجار والرمال.

وبينما بلغت التعديات على المحمية ذروتها خلال فترة "الانفلات الأمني"، أكد الدكتور أحمد سلامة -رئيس الإدارة المركزية للمحميات الطبيعية بوزارة البيئة- أن معظم جرائم سرقة الرمال وقعت في مناطق بعيدة عن الخشب المتحجر، لافتًا إلى أنه يتم تسيير دوريات بالتنسيق مع الشرطة في بعض الأحيان، إلا أنها لم تتمكن من إنهاء التعديات بصورة كاملة، وفق قوله. وأضاف: الأمر الذي دعا الوزارة إلى التعاقد مع شركة أمن لتوفير حراسة مسلحة للمحمية على مدار الساعة، خاصةً وأن معظم التعديات يقوم بها مسلحون من بدو المنطقة، ومن المفترض أن تبدأ الشركة الجديدة عملها في أبريل الحالي.

تنمية أم تفريط؟

ووسط التعديات المتكررة على المحمية، نظرًا لقربها من التكتلات السكانية، أعلنت وزارة البيئة قبل عامين، إدراج المحمية على قائمة المشروعات المعدة للاستثمار، تمهيدًا لطرحها على شركات القطاع الخاص، ضمن 6 مشروعات تهدف إلى الحد من التعديات على المحميات، وإيجاد مصادر تمويل مستدامة.

وأعلن وزير البيئة المصري عن بروتوكول تعاون مع وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة، أثار كثيرًا من الجدل، ووضع وزارته في مرمى الاتهام بإهدار موارد البلاد والتفريط في كنوزها الطبيعية، بعدما نشرت تقارير إعلامية أن وزارة الإسكان تعتزم طرح 5 آلاف قطعة أرض بمنطقة القاهرة الجديدة -تتضمن أجزاءً من المحمية- للبيع للمصريين بالخارج.

وفي إطار عرضه للبروتوكول، أوضح الوزير أن الغابة تنقسم إلى 3 مناطق، المنطقة (أ) شديدة الحساسية وفيها حفريات تاريخية متركزة، والمنطقة (ب) متوسطة وفيها حفريات أقل، والمنطقة (ج) عازلة لحماية كامل المحمية. ولفت الوزير -وفق بيان لوزارة البيئة أواخر 2014- إلى أن البروتوكول يتضمن إنشاء مشروعات خدمية وترفيهية لخدمة أهالي القاهرة الجديدة في المنطقة (ج)، على أن يتم تصميمها بنظام العمارة الخضراء الصديقة للبيئة، وستكون المنطقة (ب) متحفًا جيولوجيًّا، أما المنطقة (أ) فسيجري تصميمها كمزار مفتوح لعرض الحفريات الموجودة بالمنطقة، بما يحافظ على الشكل التاريخي والتراثي للمحمية.

مَن لا يملك لا يبيع

وردًّا على تلك الاتهامات، أكد رئيس إدارة المحميات، في حديثه لـ"للعلم"، أن وزارة البيئة لا تملك حق بيع ما لا تملكه، مشيرًا إلى أن القانون 102 لسنة 1983 الخاص بالمحميات الطبيعية، والعديد من القرارات الوزارية، ومنها قرارات رئيس مجلس الوزراء أرقام 264 لسنة 1994، و350 لسنة 2007، و48 لسنة 2017، تؤكد أن المحميات الطبيعية ملكية عامة، وتحظر القيام بأي أنشطة من شأنها الإضرار بها، ويختص القرار 264 بوضع مجموعة من الشروط والقواعد والإجراءات الخاصة بممارسة الأنشطة في مناطق المحميات الطبيعية.

وأضاف سلامة أن ما يمكن أن تقوم به الوزارة هو منح تصريح ممارسة نشاط، مثل كافيتريا أو معسكر، بموجب ذلك القرار، والذي يحظر إقامة أي مبانٍ أو منشآت، أو شق طرق، أو تسيير مركبات، أو ممارسة أي أنشطة زراعية أو صناعية، مقابل رسوم انتفاع يحددها جهاز شؤون البيئة، ولمدة محددة بما يتناسب مع طبيعة النشاط المصرَّح به.

ويحظر القانون على المصرَّح له بممارسة النشاط إحداث أي توسعات أو تجديدات للنشاط المصرح به، إلا بموافقة جهاز شؤون البيئة.

قبلة الجيولوجيين

ومع بداية عام 2017، أعلن قطاع حماية الطبيعة، من خلال الإدارة العامة لمحميات المنطقة المركزية، عن خطة لتطوير المحمية، تشمل العديد من المحاور، ومنها دعم الدور العلمي للمحمية في مجال الحفريات النباتية، بالإضافة إلى العمل على دعم الدور البيئي والثقافي للمحمية، وكذلك تحقيق واجبات الدولة نحو الاتفاقيات المُلزِمة، بما يضمن تطوير المحمية، ويتوافق مع طبيعتها وثرواتها الطبيعية.

وقال الدكتور محمد سامح -مدير عام محميات المنطقة المركزية-: إنه من المقترح أن تقوم المحمية، من خلال خطة التطوير المقترحة، بدور متميز في البحث العلمي في الحياة النباتية، وذلك من خلال الإعداد لتعريف الأشجار المتحجرة الموجودة فيها، بالإضافة إلى تركيب لوحات مثبتة بجانب كل شجرة، مدوَّن عليها الاسم العلمي وأقرب شبيه لها موجود الآن.

وشدد سامح على أن المحمية تمثل مزارًا علميًّا مهمًّا لطلبة هذا التخصص، وأضاف أنه سيتم إصدار كتيبات ومطويات وخرائط عن الأشجار المتحجرة وأنواعها وتوزيعها. وتتضمن خطة التطوير دعم الدور البيئي والثقافي للمحمية، من خلال رفع كفاءة قاعة العرض الموجودة بالمبنى الإداري، لاستخدامها كمركز للتوعية البيئية، وأشار سامح إلى أنه سيجري تحديث خطة إدارة محمية الغابة المتحجرة، وفقًا لمواصفات برنامج عمل المحميات الخاص باتفاقية الحفاظ على التنوع البيولوجي.