دائمًا هناك مَن يريد سماعات للسيارة أكثر جودة، أو مقعدًا أكبر يتناسب مع حجمه، ومنا مَن يريد نوافذ أكثر اتساعًا، والبعض يفضل تصميمًا كلاسيكيًّا لسيارته، في حين يفضل آخرون التصاميم العصرية الحديثة، وربما هناك من يريد أن يبتكر لنفسه شيئًا غير مسبوق.

العقبة الرئيسية أمام تحقيق هذه الأحلام -والتي قد تبدو خيالية- تكمن فى أن منظومة التصنيع في العالم تعتمد مبدأ التجميع أو ما يُعرف بالقوالب الثابتة في الإنتاج على نطاق واسع Mass production، ورغم تطور الأمر قبل سنوات بدخول مفهوم التصنيع تحت الطلب on demand، لكن تصنيع جهاز أو قطعة ملابس فريدة من نوعها لكل شخص أمرًا يبدو مستحيلًا وفقًا لمنظومة التصنيع الحالية.

لكن مع تطور تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد 3D Printing لم يعد الأمر مستبعَدًا، وأصبحت آفاق المستقبل تحمل فرصًا ومساحات إبداعية أكبر بكثير مما عرفه العالم، بل وربما أكبر مما يمكن تخيله، في الواقع "نحن لا نتحدث عن تقنية جديدة، بل عن ثورة تكنولوجية ستغير شكل العالم"، وفق مجلة «هارفارد بزنس ريفيو».

قبل أسابيع قليلة، كانت هناك فرصة لإلقاء نظرة عن قرب على واحدة من أبرز وأكبر معامل البحث والتطوير وكذلك التصنيع المتعلقة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد التابعة لشركة سيمنس الألمانية، في مدينة فنسبانج بالسويد.

في البداية، يقول ثوربيورن فورس -الرئيس التنفيذي لوحدة مشروعات الطاقة في سينمس- لـ«للعلم»: "المصطلح الذي يُستخدم حاليًّا في الأوساط الاحترافية هو الطباعة بالإضافة Additive Manufacturing، ورغم أنه يُعنى به الإشارة إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد، إلا أنه مصطلح أكثر تخصصًا فيما يتعلق بعمليات التصنيع الثقيلة".

كيف كانت البدايات؟

رغم أن تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد بدأت في الظهور مع بداية الثمانينيات، ولكن حتى عشر سنوات مضت كان تطورها بطيئًا، نظرًا لأنها كانت تخضع لقوانين حماية الملكية الفكرية الخاصة بشركة 3D Systems ومؤسسها تشاك هيل الذي ابتكر هذه التقنية.

ولكن منذ رفع الحظر بدأت الأمور تسير بوتيرة متسارعة، خاصة فيما يتعلق بتطوير ماكينات طباعة بتكلفة أقل، ففي السنوات الخمس الماضية فقط، تغيرت تكلفة الطابعات، فبعد أن كان سعر الطابعة يتجاوز 50 ألف دولار أمريكي أصبح سعرها الآن 1800 دولار فقط، بل إن بعضها يمكن الحصول عليه بأقل من 500 دولار.

والأمر الآخر هو التطور الكبير فيما يتعلق بالتطبيقات المستخدمة في مجالات عديدة، كالطب، والأجهزة التعويضية البديلة، ومحاكاة التماثيل الأثرية، والمنتجات الاستهلاكية والمنزلية، وحتى عمليات تشييد حوائط المنازل والسفن، وكذلك بعض الاستخدامات العسكرية.

إنّ القدرة على طباعة أجهزة إلكترونية ثلاثية الأبعاد ستقود إلى تطبيقات عديدة، بما في ذلك شاشات العرض والإضاءة في الحالة الصلبة والإلكترونيات التي يمكن ارتداؤها، والأجهزة الطبية ذات الدوائر المدمجة، بالإضافة إلى احتياجات الصناعات الثقيلة، وكذلك التكنولوجيات الفضائية.

ويتطلب بناء نماذج ثلاثية الأبعاد ذات أشكال يجري انتقاؤها ووظائف محددة، بحسب الطلب، توفير عدد كبير من المواد ومنصات طباعة لهذه المواد، حيث تحوِّل الطابعات الثلاثية الأبعاد مخرَجات التصميمات الحاسوبية إلى مجسمات ملموسة باستخدام أجهزة لصناعة النماذج تتحرك في عدة اتجاهات في الفراغ، وفق ما أوردته مجلة نيتشر نقًلا عن <Y.L  كونج>.  

إن المدد الزمنية التى تحتاج إليها عملية الطباعة شهدت هي الأخرى تطورًا كبيرًا في السنوات القليلة الماضية؛ إذ كانت العملية الواحدة تستغرق أسبوعين وأكثر، ولكن الآن فإن بعض الأشكال بسيطة التصميم يمكن طباعتها في أقل من ساعتين.

وهناك نوعان رئيسيان فيما يتعلق بالتصنيع بالإضافة، أو بالطباعة ثلاثية الأبعاد. الأول خاص بالماكينات التي تستخدم بودرة البلاستيك، وهي الأكثر انتشارًا في العالم، خاصة في السنوات العشر الماضية، ويوجد منها أكثر من ماكينة في مصر حاليًّا، وتطبيقاتها غالبًا ما تكون في مجالات الدعاية والتصميمات الأولية والهندسية، وفق <مصطفى مراد>، مدير إنتاج بشركة ADMA، أول شركة مصرية تعمل في مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد.

والنوع الثاني وهو ما تعتمد عليه الشركات الصناعية الكبرى مثل سيمنس، يوضح فورس من شركة سيسمنس: "تُستخدم في الصناعات الثقيلة خامات مختلفة، مثل النيكل والسيراميك والحديد، وهو ما جرى توظيفه فعليًّا في بعض أجزاء توربينات الغاز العملاقة".

هذه التوربينات تعمل بالفعل بأجزاء مطبوعة 3D، ومنها ماكينة عملاقة تعمل في مصر حاليًّا في محافظة بني سويف، جنوب العاصمة.

والاجزاء التي يجرى طباعتها تكون في حدود 10-15%، وبطبيعة الحال هي أجزاء صغيرة، ولكنها ذات تصميم معقد وصعب؛ كان من الصعب تصنيعها بهذه الدقة بالطرق العادية.

مثل المقارنة الموجودة في الصورة التالية، والتي تُظهر الفارق الكبير بين دقة ونقاء التنفيذ.

 

صورة توضح الفرق بين القطع المعدنية التي صنعت بالطريقة التقليدية وتلك التي طبعت بتقنية 3D.

 

تحديات تقنية

يجري تزويد ماكينات الطباعة بتصميمات ثلاثية الأبعاد، ووفق دكتور جورج نوبار، خبير الطباعة، وعميد كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان، "تُزوَّد هذه الماكينات بمسحوق أو سائل يمكن تجميده بالليزر في أثناء الطباعة".

ويضيف: "يتم بعد ذلك عملية الإضافة بالنفث Jet printing لهذه الخامات عن طريق بناء طبقات المنتج فوق بعضها، طبقة تلو الأخرى، لتشكل في النهاية المنتج المراد طباعته". مثال الصورة التالية.

 

عملية الطباعة تتم بطريقة النفث لطبقات فوق بعضها وقد تستغرق أيام لطباعة جزء معدني بتصميم دقيق..

 

 

ويقارن الدكتور <رأفت رضوان> -الأمين العام للاتحاد العربي لتكنولوجيا المعلومات- بين هذا التحدي، والميزة النسبية التى تتحقق للصناعات الثقيلة من هذه التقنية، ويقول: "هذه الصناعات تعمل وفقًا لتصميمات معقدة وبكميات محدودة لتلبية احتياحات معينة مثل احتياجات وكالة الفضاء الأمريكية ناسا".

وهو ما ينطبق أيضًا على توربينات الطاقة التي تنتجها شركة سينمس، وغيرها من الشركات التي تعمل في مجال الصناعات الثقيلة.

تَنامٍ متصاعد

وفق مؤسسة استسيا المتخصصة في الأبحاث، فإنه بحلول عام 2018 سيكون حجم السوق العالمي لتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد 16.2 مليار دولار، بينما كان 3.8 مليارات دولار في 2014، عندما كانت معادلة التوفير في غير صالح الطباعة ثلاثية الأبعاد.

ويعتقد <فلاديمير نافروتسكي> -مدير التكنولوجيا وأحد المشرفين على مشروعات «الطباعة بالإضافة» بشركة سيمنس- أن "نقطة التكلفة المباشرة ما زالت في غير صالح هذه التقنية الجديدة، ولكن بالنظر إلى المستقبل، وإلى تكلفة الصيانة والإصلاح والفاعلية سيكون الأمر محسومًا لصالحها، حتى من جانب التكلفة الإجمالية".

ويضيف :"في الصناعات الثقيلة مثل توربينات الطاقة، إصلاح جزء بسيط جوهري في حدود 60 سنتيمترًا قد يحتاج إلى أشهر، وبالتالي تتعطل الأعمال، الآن يمكن طباعة هذا الجزء في أسابيع قليلة، والأمر آخذ في التطور".

"الكرة الآن في ملعب المصممين" حسب ما يرى نافروتسكي، الذي حصل أكثر من مرة على جائزة مخترع العام بشركة سيمنس التي تنفق سنويًّا ما يقرب من 4.5 مليارات يورو على البحث والتطوير.

ويقول: "الآن لا حدود لتصنيع أي شكل هندسي، وعلى المصممين أن يطلقوا العنان"، ويضيف: مساحات التجربة والفشل الآن كبيرة، وحاليًّا نردد: "إذا كنت تستطيع أن تحلم به، يمكنك طباعته".

بحلول عام 2020، سيكون ما يتراوح بين 15-20% من عمليات التصنيع في الصناعات الثقيلة باستخدام تقنية الطباعة بالإضافة، وفق ما يتوقعه فلاديمير نافروتسكي.

ويعدد الدكتور رضوان -والذي كان يشغل في السابق رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء في مصر- التحديات الرئيسية أمام انتشار تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في مصر، إذ يقول: "التحديات متعددة، وأولها وجود الإطار المؤسسي والقانوني". ويضيف رضوان: إن وجود تنظيم رسمي يشجع ويضبط تطبيقات الاستخدام من الأولويات أيضًا، كما يقترح وجود جهة بحثية رسمية يوكل إليها تنظيم واستكشاف الاستخدامات المختلفة.

ويرى رضوان أن تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد هي رأس حربة الثورة الصناعية الرابعة، والتي ستعيد تشكيل خريطة العالم الاقتصادية، وتطويع هذه التقنية محليًّا ونقل المعرفة والبدء في تجارب ومشروعات حولها يحافظ على فرصنا في المستقبل.