اكتشف فريق من الباحثين في جامعة "تورونتو" الكندية أسلوبًا دفاعيًّا جديدًا تنتهجه البكتيريا ضد الفيروسات التي تغزوها والمعروفة بـ"العاثيات"، والتي تمثل تهديدًا كبيرًا لها، ما يفتح المجال أمام تطوير أدوية جديدة.

وتشير الدراسة، التي نشرتها دورية "نيتشر" (Nature)، إلى وجود جزيئات داخل الحمض النووي (دي.إن.إيه) تعمل على الإمساك بـ"العاثيات"، ما يمنع تكاثرها، وبالتالي تتيح حمايةً على نطاق واسع للبكتيريا النافعة، علمًا بأن جميع وسائل الدفاع المضادة للعاثيات باختلاف أنواعها، والتي اكتُشِفت في السابق، كانت تعتمد على مكونات بروتينية للتوسط في الدفاع عن البكتيريا.

ومن بين الأنظمة الدفاعية التي تنتهجها البكتيريا إحداث تعديلات في سطح الخلية لمنع دخول العاثيات إليها، أو اتباع أسلوب يؤدي إلى تقسيم جينوم الفيروس المعتدي.

ويتسبب سباق التسلُّح بين البكتيريا والعاثيات التي تصيبها في تطور مستمر لوسائل دفاعية متنوعة لمواجهة هذه الكائنات.

وتشير الدراسة إلى أن الدفاع الكيميائي المضاد للعاثيات ينتشر في بكتيريا "المتسلسلة" (Streptomyces)، التي تنتج أنواعها أكثر من ثلثي المضادات الحيوية المفيدة سريريًّا من منشأ طبيعي.

وأظهرت الدراسة أن إدخال ثلاثة جزيئات منتَجة طبيعيًّا في الحمض النووي للعاثيات يُمكِّنه من وقف تكاثرها.

وهذه الجزيئات الصغيرة التي تنتجها البكتيريا، والمعروفة بقدرتها على منع نمو الميكروب واستخدامها كمضادات حيوية، يمكنها أيضًا أن تؤدي دورًا مهمًّا كمثبط قوي لتكاثر العاثيات. وقد سجل العلماء منذ أكثر من 50 عامًا أن سلالات "المتسلسلة" تنتج جزيئات تُقحم نفسها في الحمض النووي لتثبيط العاثيات التي تهاجم بكتيريا "إي كولاي"، ولكن لم يتم اكتشاف الأهمية البيولوجية لهذه الجزيئات فى العقود السابقة.

أما الدراسة الحالية فركزت على بحث دور هذه الجزيئات الصغيرة ونواتج عملية التمثيل الغذائي بها للدفاع ضد العاثيات.

تقول "كارين ماكسويل" -الأستاذة المساعدة بمعهد علوم الجينوم في جامعة تورونتو، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إنه تم فحص 4960 مركبًا، (من بينها منتجات طبيعية وعقاقير أقرتها "إدارة الغذاء والدواء الأمريكية"، وجزيئات نشطة بيولوجيًّا) لتحديد المركَّبات التي تحمي بكتيريا "إي كولاي" من التحلُّل بأحد أنواع العاثيات".

تضيف "ماكسويل" قائلة: "لاحظنا نمو البكتيريا في 11 مركبًا، في إشارة إلى أن هذه المركبات استطاعت وقف تكاثر العاثيات والسماح للبكتيريا بالبقاء على قيد الحياة. ومن اللافت للنظر أن أربعةً من هذه المركبات تُستخدم إكلينيكيًّا كعقاقير لعلاج السرطان؛ فعلى الرغم من معرفة العلماء منذ الستينيات بأن "المتسلسلة" تنتج عقاقير فعالةً مضادةً للسرطان، إلا أن السبب في إنتاجها لم يكن واضحًا، وقد أرجعنا هذا السبب إلى قدرة هذه العقاقير على حماية البكتيريا من هجوم العاثيات".

وتؤكد الباحثة الرئيسية أنه لا يمكن في هذه المرحلة الجزم بإمكانية تحفيز الدفاع الكيميائي للبكتيريا، ولكن هذا الافتراض محل دراسة حاليًّا.

وأضافت أن "هناك اهتمامًا دائمًا بفحص المنتجات الطبيعية لإنتاج مركبات كيميائية جديدة ذات فائدة طبية. وفي هذا الإطار تُستخدم مقاومة العاثيات كأداة فحص بسيطة لتعرُّف العوامل المضادة للسرطان والمضادة للفيروسات".