اختلف الباحثون والكُتاب عقودًا طويلة حول الحقائق التاريخية المنقحة المتعلقة بتاريخ الفلسطينيين القدامى، للافتقار إلى دلائل واضحة حول أصولهم.

 دراسة جديدة أجراها فريق من الباحثين في معهد "ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري" بألمانيا حول أصول الفلسطينيين القدامى، أثارت أزمة جديدة تضاف إلى سلسلة الأزمات المستمرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كحلقة رئيسية في الصراع العربي- الإسرائيلي.

تشير نتائج الدراسة التي نشرتها دورية "ساينس أدفانسيز" (Science Advances)، إلى أن أصول الفلسطينيين القدامى ترجع إلى جنوب أوروبا، عبر هجرات جرت إلى مدينة "عسقلان"، التي تُعَد إحدى أكبر مدن فلسطين التاريخية وأقدمها، وتقع اليوم في اللواء الجنوبي على بعد 65 كم غرب القدس المحتلة؛ ويعود تاريخ إنشائها إلى العصر البرونزي، وتَعاقَبَ على حكمها الكنعانيون و"الفلسطينيون القدماء" والبابليون والفينيقيون والرومان والصليبيون.

صراع عرقي

من جهته، سارع "بنيامين نتنياهو" -رئيس الوزراء الإسرائيلي- بنشر تغريدات على حسابه الرسمي على "تويتر"، مشيرًا إلى أن تلك الدراسة "تؤكد عدم التوافق بين فلسطينيي اليوم والأمس"، في حين دانت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية "تغريدة نتنياهو"، معتبرةً أنها "تحاول إنكار الوجود الوطني والإنساني للشعب الفلسطيني في أرض وطنه، فلسطين، عبر تحويل الصراع من ديني أو سياسي، إلى صراع عرقي أيضًا".

ووفق الدراسة "المثيرة للجدل"، فقد اكتشف فريق من علماء الآثار لغز أصل سكان منطقة فلسطين القدماء الذين عُرفوا تاريخيًّا بـ"الفلستينيين"، وقدموا للمرة الأولى دليلًا على أن هؤلاء "السكان القدماء" يرجعون إلى أصول أوروبية، بعدما حللوا عظامًا قديمة اكتُشفت في مدينة "عسقلان" قبل عدة سنوات، وجرى تحليلها في معهد ماكس بلانك بألمانيا، إذ لم يكن في حوزة الباحثين حتى هذا التاريخ أي معلومات تتيح تتبُّع أصل سكان فلسطين القدماء.

وعُرف "الفلسطينيون القدماء" في المراجع القديمة، باسم "فلستينيين"، وقضى عليهم البابليون، قرابة العام 600 قبل الميلاد. وقد ورد اسم "الفلستينيين" في التوراة في كثير من الفقرات، في سفر التكوين، لتتحول كلمة "فلستين" في النصوص اليونانية والرومانية والعبرية القديمة إلى "فلسطين"؛ إذ يوضح علم الصوتيات ""Phonetics، الذي يدرس الأصوات اللغوية، أن حرف "ف" أو "פ" في اللغة العبرية، ينطق مثل حرف "P" في اللغة الإنجليزية.

وتشير الدراسات إلى أن الفلسطينيين، وهم جزء من أرض كنعان الكبرى، وصلوا إلى هذه المنطقة الحالية قرابة القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وأدرجتهم نصوص توراتية ومصرية قديمة ضمن "شعوب البحر"، أي شعوب البحر المتوسط، في الوقت الذي توضح أساليبهم في العمارة وصناعة الفخار أنهم تأثروا بحضارة سكان بحر إيجه، جنوب القارة الأوروبية.

هياكل عظمية

واعتمدت الدراسة على تحليل الحمض النووي لرفات هياكل عظمية تعود إلى العصور البرونزية والحديدية، منها رفات أطفال كانوا مدفونين تحت منازل للفلسطينيين القدماء، في مدينة عسقلان، وهي إحدى المدن الفلسطينية القديمة الخمس.

وذهب الباحثون إلى أن الفلسطينيين القدماء جاءوا من جنوب أوروبا، وتحديدًا من قبرص وكريت واليونان وجزيرة سردينيا الإيطالية، إلى منطقة الشرق الأوسط، قبل أكثر من 3 آلاف عام (1379 ق.م-1126 ق.م).

وأشاروا إلى أن "نهاية العصر البرونزي وبداية العصر الحديدي، شهدت فوضى ثقافية استثنائية في تاريخ شرق البحر المتوسط، وذلك عقب انهيار الاقتصادات والثقافات المزدهرة في اليونان ومصر وبلاد الشام والأناضول، وبالتزامن مع هذه الأحداث ظهرت تغييرات ثقافية جوهرية في السجل الأثري لـ"عسقلان وأشدود وعقرون"، وهي ثلاث من المدن الأساسية الخمس المذكورة باسم "فلسطين" في الكتاب المقدس العبري"، على حد وصف الدراسة.

جينات متنوعة

تقول الدراسة بأن "نشأة أسلاف الفلسطينيين القدماء أو (الفلستينيين) تعود إلى جينات مستمدة من أصول أوروبية، وفدوا عبر البحر المتوسط، وأنهم وصلوا إلى مدينة عسقلان، في وقتٍ ما بين نهاية العصر البرونزي وبداية العصر الحديدي الأول، وبأن تلك المدينة احتضنت عددًا من الجينات من كلٍّ من الأناضول (تركيا الحالية) وإيران، إضافة إلى أهل عسقلان، وهي جينات استمدوا معظمها من موروثات بلاد الشام، وبأن هذه الجينات ذات الأصول الأوروبية لم تستمر طويلًا حتى "العصر الحديدي الثاني"، الذي يمتد في الفترة ما بين القرن العاشر قبل الميلاد وحتى منتصف القرن السادس قبل الميلاد، بل كان له تأثير وراثي محدود على التركيبة السكانية للناس في مدينة عسقلان".

نجح باحثو الدراسة في استعادة البيانات الجينية من بقايا 10 أفراد عاشوا في عسقلان خلال العصر البرونزي والحديدي. أتاحت هذه البيانات للفريق مقارنة الحمض النووي لأهل عسقلان في العصر البرونزي والعصر الحديدي لتحديد مدى ارتباطهم.

وجد الباحثون أن الأفراد عبر جميع الحِقَب الزمنية يستمدون معظم أسلافهم من مجموعة جينات بلاد الشام، ولكن الأفراد الذين عاشوا في أوائل العصر الحديدي في عسقلان كان لديهم مكوِّن سلفي مشتق من أوروبا، لم يكن موجودًا في أسلافهم من العصر البرونزي.

وذهب الباحثون إلى أن "الجينوم البشري" (Human Genome) الخاص بالفلسطينيين القدماء الذين عاشوا في العصر الحديدي يتضمن تسلسلًا أو محتوًى وراثيًّا ليس موجودًا لدى أهل العصر البرونزي الذين سبقوهم مباشرة، وأن هذا التسلسل الوراثي يبدو أنه يرجع إلى أصول أوروبية.

تقول "ميشال فيلدمان" -المتخصصة في علم الآثار بمعهد ماكس بلانك الألماني لعلوم التاريخ البشري، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "كان لدى سكان عسقلان جينات أوروبية سابقة نتيجةً لوجود هجرات أوروبية سابقة، واحتفظ الفلسطينيون في العصر الحديدي التالي بجينات وراثية تتشابه إلى حدٍّ كبير مع مَن عاشوا في العصر البرونزي، وفق الأدلة الأثرية".

وشددت الدراسة على أن "ما جرى التوصُّل إليه في فحوصات الحمض النووي يتناسب مع دراسات أكاديمية سابقة بشأن الانتماء المتعدد لسكان المنطقة وعلاقته بعدد من الأصول الأخرى، وهو مدى احتضان مدينة عسقلان لعدد من الجينات من كلٍّ من الأناضول وإيران وجنوب أوروبا".

وأكدت الدراسة أن مدينة عسقلان شهدت تغيُّرًا ثقافيًّا ملحوظًا بين العصر البرونزي الثاني والعصر الحديدي الأول، ربما لأسباب متعددة من بينها التطور الديموغرافي لتلك المدينة بوجه خاص، ولكونها منطقةً مطلةً على البحر المتوسط بوجه عام، ولعل الهجرة الكبيرة لما يسمى بـ"شعوب البحر" إلى المدينة كانت سببًا في هذا التطور الثقافي الذي جلب بدوره تطورات وتغيرات اقتصادية واجتماعية، ما أحدث تغيُّرًا جينيًّا لسكان المدينة، آنذاك.

وفي السياق نفسه، تقول "فيلدمان": نؤكد من خلال تلك الدراسة أنه كانت هناك تفاعلات تجارية وإنسانية عبر البحر المتوسط، ونؤكد هذه النتيجة بشكل علمي؛ إذ تثبت فحوصات الحمض النووي أن الفلسطينيين كانوا مهاجرين بيقين كبير".

وتضيف أنه "تم أخذ عينات من رفات هياكل عظمية تم العثور عليها في موقع أثري في مدينة عسقلان بواسطة "بعثة ليون ليفي الأثرية"، خلال المدة من 1997 إلى 2016، بهدف فحص الحمض النووي الخاص بها، وكانت عبارة عن 108 من الرفات العظمي توزعت بين 28 رفاتًا من العصر البرونزي، و8 من العصر الحديدي الأول، و72 من العصر الحديدي الثاني".

وتم إجراء الفحص الأثري والجيني في "معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري" بألمانيا، حيث بينت الدراسة أنه تم أخذ عينات جينية عن طريق حفر جزء الأذن الداخلي لتلك الرفات، وكذلك عينات أخرى من الأسنان عن طريق حفر في الأسنان نفسها.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول ما ذكرته الدراسة بشان اختفاء الحمض النووي الأوروبي لسكان عسقلان، أوضحت "فيلدمان"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن سكان عسقلان كانوا يحملون البصمة الوراثية الأوروبية، لكنها اختفت بينهم، مع تزايُد الزواج من أشخاص محليين، وهذا سيناريو مقبول لاختفاء المكوِّن الأوروبي الإضافي، لكن مع وجود احتمال ضعيف يتعلق بالاستبدال بهؤلاء السكان مجموعةً شرقيةً أخرى، أي مجموعة ليست من جنوب أوروبا".

ثلاث مراحل

وأبرزت نتائج الدراسة ثلاث مراحل للتسلسل الجيني الخاص بالسكان القدامى لـ"عسقلان": الأولى قبل الهجرة من جزر البحر المتوسط إلى عسقلان، والثانية هي مرحلة الهجرة نفسها، ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي اختفاء هذا التسلسل الوراثي بشكل تدريجي، وذلك على مدى 200 عام تقريبًا، مشيرةً إلى أنه كان من الممكن ظهور نتائج جديدة إذا توافرت بيانات أكثر حول سبب الهجرة، والمكان المحدد الذي خرجت منه موجات هجرة "شعوب البحر".

وتتناقض هذه الرؤية، تمامًا، مع ما نشرته دراسة أعدتها "شيرلي بن-دور إيفيان" –أمين الآثار المصرية في متحف إسرائيل- في عام 2017، وتضمنت وثائق عمرها أكثر من 3200 عام، وتعود إلى عهد الملك رمسيس الثالث، مبينةً أن الفلسطينيين ليسوا من المحاربين الأجانب القدامى الذين هاجروا إلى الشرق الأوسط من تكريت وقبرص وغيرها من المناطق الأوروبية، بل هم من أبناء الشرق الأوسط الأصليين.

بحثت "إيفيان" السجلات المصرية القديمة من القرن الثاني عشر قبل الميلاد، لتسليط الضوء على أصل الفلسطينيين وغيرهم من "شعوب البحر" التي ظهرت في بلاد الشام، بوجه عام، وفلسطين بوجه خاص، خلال العصر البرونزي، من خلال مناقشة الفترة التاريخية للملك رمسيس الثالث في مصر. وكشفت أن الفلسطينيين هم من السكان المحليين، أي أرض كنعان، وجاءوا من سوريا أو الأناضول، ليملأوا الفراغ الناشئ عن سقوط الإمبراطورية الحيثية، في تلك الفترة التاريخية من منطقة الشرق الأوسط.

وردًّا على تلك الدراسة، المنشورة في مجلة أوكسفورد، قالت "فيلدمان"، في تصريحات لـ"للعلم": اقترح بعض العلماء عدم وجود هجرة، لكن الأدلة الوراثية التي نُورِدها في هذه الدراسة تتناقض مع هذه الفرضية. نحن لا نقترح أبدًا أن المهاجرين كانوا محاربين أجانب، ويرجى ملاحظة أن كلًّا من العصر الحديدي الأول والأعضاء الحقيقيين في العصر الحديدي يستمدون معظم أسلافهم من مجموعة جينات المشرق المحلية، لذلك كانوا أصليين، ولكن لديهم أيضًا أسلافًا أوروبيين. ويرجى ملاحظة أن مصطلح "Philistine" يشير إلى ثقافتهم المحددة بواسطة الأدلة الأثرية وليس التركيب الجيني.

من جهتها، تقول "منال ميشيل توماس" -أستاذ الوراثة الإكلينيكية بالمركز القومي للبحوث بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": "إنه يمكن بالفعل تحديد أصول شعبٍ ما عبر التحليل الجيني لهذا الشعب، ولكن تحديد دقة هذه العملية الوراثية يستلزم دراسة الجينات الوراثية عبر أجيال مختلفة، وليس لجيل واحد أو لفترة زمنية واحدة، كما يجري لتاريخ الفراعنة على سبيل المثال، وبالتالي يمكن من خلالها تحديد تاريخ هذا الشعب وأصوله، فضلًا عن ضرورة الحصول على جينات وراثية من أكثر من منطقة وعبر تواريخ مختلفة، حتى يمكن إثبات تاريخ شعبٍ ما أو أصله".

معلومات مغلوطة

ويقول أحمد الدبش -الباحث الفلسطيني المتخصص في التاريخ القديم- في تصريحات لـ"للعلم": "إنه من الناحية الجينية، نجد أن الفلسطينيين من أصل كنعاني عربي، وتداوُل معلومات ملفقة -وفق قوله- حول أصل الفلسطينيين القدامى، يأتي لتأكيد رواية أن أصل الفلسطينيين من كريت.

وأضاف: يمكننا تفنيد هذه الرواية؛ ففي منتصف تسعينيات القرن الماضي، تم تصنيف السلالات البشرية حول العالم وفق جينات الـDNA، وتَموضُع الأنماط الجينية في صورة حروف؛ إذ جرى ترميز العرب بـJ1، وهذه السلالة نشأت في جنوب الهلال الخصيب وهو جنوب العراق، وقد حدثت هجرتان قويتان: الأولى قبل عشرة آلاف سنة، واتجهت شمال الهلال الخصيب، والثانية جنوبًا إلى جنوب الجزيرة العربية، ثم أصبحت الجزيرة العربية بعد ذلك بآلاف السنين من المراكز المصدرة للعرقية J1، أي أن الفلسطينيين في هذه الأرض العربية منذ 10000 عام ق.م".

وشدد "الدبش" على أنه "من الضروري أن نعتمد على مصادر أخرى لكتابة تاريخ الشعب الفلسطيني القديم، كعلم الآثار واللغويات، حتى يمكننا سرد هذا التاريخ بمنهجية وموضوعية"، مؤكدًا أن "دعوى قدوم الفلسطينيين من كريت أو من أوروبا، في عام 1200 ق.م -كما يقرر ذلك أصحاب الخطاب التوراتي- ليس عليها دليل علمي".

وسبق أن أشارت دراسة إسرائيلية إلى أن "تحليل الحمض النووي لليهود الأشكناز -مجموعة عرقية يهودية ترجع أصولهم إلى أوروبا الشرقية والوسطى والغربية ما عدا يهود البلقان- يحتوي على 3% فقط من الأجداد القدامى الذين تربطهم علاقة بالشرق الأوسط، وهي نسبة ضئيلة جدًّا تربطهم بمناطق مثل لبنان وأجزاء من سوريا وغرب الأردن، وهو ذلك الجزء من العالم الذي من المفترض أن اليهود جاؤوا منه أصلًا".

واعتمدت الدراسة على بيانات الحمض النووي الخاصة بـ367 يهوديًّا تعود أصولهم إلى شمال أوروبا وشرقها، وأكثر من 600 شخص غير يهودي معظمهم من أوروبا وغرب آسيا.

يقول "الدبش": إن الدراسة الحديثة تؤكد أن الفلسطينيين القدماء من أبناء عسقلان هم من الكنعانيين، وليسوا من شعوب البحر، وهم والعرب الحاليون من سلف مشترك، أي من رجل واحد عاش قبل 10000 عام، اسمه العلمي j1- Z2331، وإذا كانت هناك هجرات جاءت بالفعل، فهذا لا يعني أنه لم يكن هناك وجود لأصحاب الأرض الحقيقيين (العرب والكنعانيين) قبل مجيء هذه الهجرات؛ وهو ما يتناقض مع ما تسعى الدراسة للترويج له، من أن أصحاب الأرض أنفسهم ليسوا منها وإنما كانوا مهاجرين من أوروبا.