منذ نشأة الخلق، لم يتوقف الصراع بين الإنسان والأمراض المختلفة ولو لحظة واحدة، لكن الصراع مع السرطان كان أكثر حدة؛ إذ تسبب المرض في وفاة 9.6 ملايين شخص في عام 2018، وهو ما يمثل سُدس أسباب الوفيات في العالم، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.

يصيب "المرض الخبيث" أي جزء من أجزاء الجسم بأنواع مختلفة من السرطانات، مثل سرطانات الرئة، والثدي، والقولون والمستقيم، والمعدة، والكبد، وكأي قاتل محترف، يستخدم السرطان عدة طرق للقتل، لكن طريقته المفضلة هي النمو السريع، وغزو الأجزاء المجاورة، والانتشار إلى الأعضاء الأخرى.

حرب لا تنقطع

وفي ظل "احترافية" الغزو التي يتحلى بها السرطان، خرجت محاربته من المعامل إلى مكاتب السياسيين؛ فالرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون وقَّع في عام 1971 على ما يُعرف بـ"القانون الوطني للسرطان"؛ من أجل دعم الأبحاث في مجال علاج السرطان وتطويرها، وهو ما تم اعتباره إعلانًا لبداية الحرب على السرطان (على الرغم من أن كلمة حرب لم ترد في القانون). وبعدها بقرابة 45 عامًا عاد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ليعلن في خطاب حالة الاتحاد عما وصفه بـ"مبادرة جديدة للقضاء على السرطان"، قائلًا: لنجعل من أمريكا البلد الذي نجح في علاج السرطان مرةً واحدةً وإلى الأبد.

ورغم أن تلك الجهود السياسية والعملية لم تحقق تلك الطموحات المرجوة حتى اليوم مع الأسف، إلا أن الصورة باتت أقل قتامة؛ إذ انخفض عدد الوفيات من السرطان في الولايات المتحدة بنسبة 27% تقريبًا بين عامي 1991 و2016 نتيجة التوعية وانخفاض نسبة التدخين، وكذلك بسبب التقدم الملحوظ في طرق الاكتشاف المبكر والعلاج، كما أن نسبة البقاء على قيد الحياة ارتفعت بنسبة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.

علاج واحد

قد يكون حلم البشرية الأسمى في معركة السرطان هو التوصل إلى علاج واحد ناجح في التعامل مع جميع أنواع السرطان، وهو الحلم الذي يبدو أننا على موعد مع خطوة كبيرة على طريق تحقيقه، وفق دراسة نشرتها مجلة "نيتشر إمينولوجي" Nature Immunology؛ إذ تمكن فريق من الباحثين بجامعة "كارديف" من اكتشاف نوع من الخلايا المناعية التائية القاتلة التي تملك نوعًا جديدًا من المستقبلات، يمكنه التعرف على أغلب أنواع الخلايا السرطانية وقتلها، دون إحداث ضرر بالخلايا السليمة، ما يفتح آفاقًا جديدة لعلاج العديد من أنواع السرطان.

وتُعد علاجات الخلايا التائية المضادة للسرطان -والتي تشمل إزالة الخلايا المناعية وتعديلها وإعادتها إلى دم المريض للبحث عن الخلايا السرطانية وتدميرها- أحدث نموذج في علاجات السرطان المطورة.

ويُعرف النوع الأكثر استخدامًا على نطاق واسع باسم CAR-T، وهو مخصص لكل مريض، ولكنه يستهدف عددًا محدودًا من أنواع السرطان، ولم ينجح في علاج الأورام الصلبة التي تشكل غالبية أنواع السرطان؛ إذ تقوم الخلايا التائية التقليدية بمسح سطح الخلايا الأخرى، للعثور على ما يبدو شاذًّا للقضاء على الخلايا السرطانية، مع تجاهُل الخلايا التي تحتوي فقط على البروتينات "الطبيعية"، ويتعرف المسح على أجزاء صغيرة من البروتينات الخلوية المرتبطة بجزيئات سطح الخلية، تسمى مستضد الكريات البيضاء البشرية (HLA)، ما يسمح للخلايا التائية القاتلة برؤية ما يحدث داخل الخلايا عن طريق مسح سطحها.

ويتعرف النوع الجديد على جزيء يسمى MR1 موجود على سطح مجموعة واسعة من الخلايا السرطانية والخلايا الطبيعية، وهو قادر على التمييز بين الخلايا السليمة والسرطانية، إذ يقتل الأخيرة فقط، ما يؤهله ليكون هدفًا لمزيد من العلاجات المناعية.

اكتشف الباحثون أن هذا النوع من الخلايا التائية الموجودة في الدم يمكنه التعرُّف على أنواع كثيرة من الخلايا السرطانية وتدميرها ومهاجمة أنواع كثيرة من السرطان، وتقوم فكرة الدراسة الجديدة على أخذ عينة من دم المريض بالسرطان، ثم يتم استخراج الخلايا التائية من العينة وتعديلها وراثيًّا وإعادة برمجتها من أجل أن تكتسب المُستقبِل القادر على اكتشاف السرطان، ثم تزرع الخلايا المعدلة بأعداد وافرة في المختبر قبل إعادة حقنها في المريض. وهو الأسلوب ذاته المستخدم في برنامج "علاج المستقبلات الخيمرية للخلايا التائية" (CAR-T)، وهو علاج مناعي للسرطان يشمل التعديل الجيني لخلايا تي، لتنشيط الجهاز المناعي من أجل التعرُّف على سرطانات معينة وتدميرها.

تمييز الخلايا السرطانية

تعتمد آلية عمل الخلايا التائية التقليدية على تمييز خلايا الجسم الطبيعية من خلال شفرة متفق عليها، بحيث تتجنب إصابة تلك الخلايا بأي نيران صديقة، وتتمثل هذه الشفرة في مسح سطح الخلايا المحيطة. وفي حالة ما إذا كان هذا السطح طبيعيًّا (يحتوي على البروتينات الطبيعية)، فإن الخلية القاتلة لا تهاجمها بل تتركها في أمان. أما إذا احتوى هذا السطح على جزيئات غير طبيعية (وهو ما يحدث في حالة خلايا السرطان)، فتستعد الخلايا التائية القاتلة بأسلحتها من أجل مواجهة هذه الخلايا وقتلها وإعلان النصر عليها. هذا التعرُّف على الخلايا غير الطبيعية لا يتم بشكل مباشر، بل من خلال ارتباط أجزاء من البروتينات التي تنتج من هذه الخلايا مع جزيئات تسمى مستضدات الخلايا البيضاء البشرية، توجَد على سطح الخلايا المعروفة باسم الخلايا المقدمة للمستضد. وبعبارة أخرى تقوم الخلايا المقدمة للمستضدات بإخبار الخلايا القاتلة عن وجود الخلايا السرطانية عن طريق وضع أجزاء من الخلية السرطانية على سطح الخلية المقدمة للمستضد.

ووفق الدراسة الجديدة، فقد تعرف الباحثون على مستقبِل مختلف للخلايا التائية، يمكنه اكتشاف العديد من الخلايا السرطانية من خلال ارتباط البروتينات أو المستضدات الناتجة منها مع جزيء يشبه مستضدات الخلايا البيضاء البشرية يسمى اختصارًا (MR1)، وهو جزيء لا يختلف من شخص إلى آخر، وبالتالي يمكن أن يكون هدفًا للعديد من العلاجات المناعية.

وكخطوة أولى، جرَّب الباحثون هذه الخلايا في المعمل. وأثبتت الخلايا التي تحتوي على هذا النوع من المستقبِلات فاعليتها في القضاء على العديد من أنواع السرطان دون المساس بالخلايا الطبيعية، وتمثلت الخطوة التالية في تجربة هذه الخلايا على الفئران، لتثبت فاعليتها مرةً أخرى في حيوانات التجارب.

وفي المرحلة الثالثة، قام الباحثون بتعديل خلايا تائية من أحد المرضى كي يوجد على سطحها هذا المستقبِل الجديد، وكانت النتائج مثيرةً للاهتمام؛ إذ وجدوا أن هذه الخلايا لم تقتل فقط الخلايا السرطانية لهذا المريض، بل تمكنت أيضًا من التخلص من خلايا مريض آخر في المعمل.

العلاج المناعي

يقول محمد أسامة العرابي -مدرس طب الأورام بجامعة عين شمس، وغير المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العلاج المناعي يمثل أحد خيارات العلاج الموجه الحديثة في علاج السرطان، ولدينا اليوم قائمة طويلة بأنواع السرطان التي يمكن استخدام العلاج المناعي فيها، خاصةً لدى هؤلاء الذين كان لديهم خيارات علاجية محدودة أو أصبحت خلايا السرطان لديهم مقاوِمة للخيارات المتاحة حاليًّا. وقد أثبتت الدراسات الإكلينيكية نجاح هذا النوع من العلاج في زيادة مدة بقاء المرضى على قيد الحياة".

وتابع: لكن مستضدات الخلايا البيضاء البشرية التي تتعامل معها الخلايا التائية تختلف بشكل كبير من شخص إلى آخر، ولا تتطابق إلا في التوائم المتماثلة، وهذا الاختلاف منع العلماء من تصميم علاج واحد يستخدم الخلايا التائية لعلاج الأورام في كل البشر، وأشهر أنواع هذه العلاجات هو CAR-T، إذ يجري تعديل خلايا كل مريض من أجل مهاجمة أنواع محددة من الخلايا السرطانية، لكن المشكلة أن هذا النوع من العلاج لم يكن ناجحًا بشكل عام في الأورام الصلبة التي تمثل الغالبية العظمى من الأورام بشكل عام.

يضيف "العرابي" أن "العلاج المعروف باسم CAR-T أثبت فاعليته في علاج بعض أنواع اللوكيميا والليمفوما بوجه خاص، لكن هذا العلاج قد يرتبط بالعديد من الأعراض الجانبية العنيفة. وأوضح أن هذا العلاج يحتاج إلى عدة أسابيع من أجل التعديل الجيني للخلايا التائية وزيادة عددها قبل إعادة حقنها في المرضى، وهذه المدة اللازمة لتجهيز العلاج من الممكن أن ترتبط بوجود مشكلات، منها أن ينتكس المريض خلال هذه الفترة، وبالتالي نحن بحاجة إلى خيارات أخرى أكثر سرعةً وفاعليةً في الوقت ذاته".

نتائج واعدة

يقول أندرو سيويل -الأستاذ في قسم العدوى والمناعة في كلية الطب بجماعة كارديف، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": من غير المعتاد أن نجد مستقبِلًا للخلايا التائية لديه القدرة على التعرف على العديد من أنواع خلايا السرطان، فيما مضى لم يكن أحد يعتقد أن هذا ممكن، ولم يكن هناك مَن يعرف بوجود هذا النوع من الخلايا.

وتُعَد تلك الدراسة استمرارًا للدراسات التي تتعامل مع جزيء MR1 الذي حاز قدرًا كبيرًا من الاهتمام خلال الأعوام الأخيرة. فخلال شهر ديسمبر الماضي نشرت دورية "ساينس" بحثًا عن كيفية ارتباط الخلايا التائية من نوع جاما دلتا مع هذا الجزيء، مشيرةً إلى أن "ارتباط هذه الخلايا بهذا الجزيء يتم من أسفل، وهو على عكس المعتاد من الخلايا من النوع ألفا بيتا، وهو ما يمثل تغييرًا لما كنا نعتقده ونعرفه عن الخلايا التائية خلال العشرين عامًا الماضية".

يعلق "العرابي" بأن "هذه النتائج تبدو واعدةً بشكل مبدئي للمرضي الذين لم يعد لديهم العديد من الخيارات. لكن علينا أن ننتظر نتائج التجارب السريرية والأبحاث التي ستنتج عنها؛ حتى نتأكد بالفعل من فاعليتها وأمان تطبيقها في المرضى"، على حد وصفه. ويمثل هذا النوع الجديد من الخلايا خيارًا واعدًا في العلاجات المناعية؛ إذ يمكن أن يتلافى العديد من العيوب والمشكلات الموجودة في العلاج باستخدام CAR-T، وهو العلاج الذي ثبتت فائدته وفاعليته في عدد محدود من الأورام مع الأسف.

نقلة جديدة

يضيف "سيويل": استخدام الخلايا التائية التي تتعرف على جزيء MR1 يمثل نقلة جديدة مثيرة في عالم العلاج المناعي، وهذا النوع من الخلايا يصلح لعلاج العديد من أنواع الأورام، كما يمكن استخدامه مع كل المرضى، وهو ما لم يكن ممكنًا في الماضي. 

وحول الفترة التي يمكن خلالها ظهور هذا العلاج للنور، يقول "سيويل": منذ البدء في نشر الأخبار عن بحثنا تلقيت آلاف الرسائل، بعضها من مرضى يتساءلون عن توقيت إتاحة هذا العلاج، لكنه شدد على أنه ما زال أمامنا سنوات عديدة من العمل حتى نصل إلى العلاج الواحد الناجع للسرطان. وأود أن أؤكد أننا حتى الآن لم نعالج مريضًا واحدًا، كما أوكد أيضًا أن التخلص من السرطان في المعمل شيء، وعلاجه في المرضى شيء مختلف تمامًا. يضيف سيويل: خطوتنا التالية هي البدء في دراسة مدى أمان استخدام هذه الخلايا في المعمل عن طريق دراسة تأثيرها على خطوط الخلايا البشرية الطبيعية، وحتى الآن قمنا بتجربتها على 20 نوعًا من الخلايا الطبيعية ولم يكن هناك أي تأثيرات سلبية، وبعد الانتهاء من هذه الخطوة يمكننا البدء في مرحلة التجارب السريرية على البشر.