أطلقت مؤسسة هولندية غير ربحية نموذجًا تجريبيًّا لواحد من أكثر مشروعات تنظيف البحار طموحًا حتى يومنا هذا. تتمثل الفكرة المبتكرة في تثبيت سياج عائم يجمع القطع البلاستيكية من زجاجات وحقائب وشبكات صيد وغيرها من النفايات الأخرى التي تجول المحيطات، والتي تتزايد أعدادها سنويًّا. وبمجرد وضع هذا السياج شديد الطول فإنه سيغني عن جيش من القوارب يجوب المحيطات لجمع النفايات وإعادتها إلى الشاطئ مرة أخرى.

وقد جرى سحب النموذج التجريبي الذي يبلغ طوله 100 متر  إلى بحر الشمال، حيث تعتزم مؤسسة تنظيف المحيطات إجراء سلسلة من الاختبارات على مدار عام كامل. وإذا ما نجح هذا السياج الطويل، تخطط المؤسسة لوضع نموذج كامل بطول 100 كيلومتر في عام 2020 يمتد بين هاواي والساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية، وهى منطقة من المحيط الهادئ تُعَد الأكثر ازدحامًا بنفايات البلاستيك على مستوى العالم. ويقول مدير العمليات بمؤسسة تنظيف المحيطات آلارد فان هوكن عن هذه التجربة: "إنها خطوة كبيرة نحو محيطات أكثر نظافة. لقد أمضينا سنوات في عمل نماذج حاسوبية ومحاكِيات ناجحة، والآن نحن مستعدون لاختبار هذه التكنولوجيا في الظروف الواقعية للمحيطات".

وتهدف التجربة إلى رصد كيفية مقاومة السياج التجريبي لتيارات المحيط العنيفة وقوى الرياح العاتية، حتى يتم بناء النموذج النهائي الكامل من السياج بحيث يكون قادرًا على تحمل الظروف القاسية وجمع النفايات بكفاءة في مساحة أكبر. يتكون النموذج التجريبي من سلسلة من العوامات المطاطية المستطيلة التي تشبه الوسادات، وذلك حتى يظل طافيًا، مثل السياجات التقليدية التي تُستخدَم لتنظيف بقع الزيت، بالإضافة إلى شبكة تمتد مسافة مترين أسفل السطح، وتعمل عملَ مرشِّح يجمع النفايات عندما تمر المياه من خلالها. 

تصور للسياج النهائي الذي يبلغ طوله 100 كيلومتر، والذي سيتم وضعه في منتصف دوامة المحيط الهادئ

وسيتم تثبيت النموذج التجريبي في خط مستقيم على بعد 23 كيلومترًا من شاطئ لاهاي حتى يتمكن الباحثون من محاكاة كمية الحطام في المحيط الهادئ، من خلال إلقاء أغراض بلاستيكية قابلة للتحلل إلى مياه المحيط واختبار مدى سرعة احتجاز السياج لها. ومن المقرر ربط السياج بمنظومة من الأسلاك بحيث يشكل حرف V طويلًا ومستويًا، وبهذه الطريقة سوف تتركز النفايات التي تحملها تيارات المحيط في وسط السياج. وهذا من شأنه -على حد قول فان هوكن- أن يسهل عملية إزالة نفايات البلاستيك المتراكمة وإعادة تدويرها.

ووفقًا لدراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا عام 2015، فإن المحيطات تستقبل نحو 8 ملايين طن متري من البلاستيك كل عام. وتعمل التيارات المحيطية الدوارة -التي يُطلَق عليها الدوامات المحيطية- على التقاط النفايات من الساحل الغربي لأمريكا الشمالية، وتحملها بعيدًا حتى تصبح محاصرة في دوامة حلزونية بحجم ولاية تكساس تقريبًا تُعرف باسم "رقعة قمامة المحيط الهادئ العظمى". وتستمر كمية النفايات البلاستيكية في التزايد لأن معظمها غير قابل للتحلل. ويردف فان هوكن قائلًا: "ويمكن أن تتفتت قطع صغيرة من البلاستيك بمرور الوقت وتصبح جسيمات بلاستيك دقيقة الحجم، يمكنها أن تتسلل بسهولة إلى السلسلة الغذائية، وقد تسبب ضررًا إذا لم نفعل شيئًا حيالها". لن تقع السلاحف والأسماك والدلافين وغيرها من الكائنات البحرية في شرك النفايات البلاستيكية الجديدة فحسب، بل إنها قد تبتلع جسيمات البلاستيك هذه ظنًّا منها أنها طعام.

إن التخلص من تلوث المحيطات بالنفايات البلاستيكية ليس سهلًا؛ فاستخدام السفن لجرف النفايات مكلف للغاية ويستغرق وقتًا طويلًا، أما الشبكات المصممة لالتقاط القمامة فإنها غالبًا ما تصطاد الحيوانات البحرية معها أيضًا. وتقول مؤسسة تنظيف المحيطات إن ذلك السياج يقدم بديلًا أقل تكلفة، ويحافظ على الحياة البحرية بصورة أكبر. وإذا نجح السياج التجريبي، فإن فان هوكن يتوقع أن يقلل حجم "رقعة قمامة المحيط الهادئ العظمى" بمقدار النصف خلال عشرة أعوام.

ومع ذلك، يشكك آخرون في فكرة السياج العائم؛ لأن تأثيره على النظام البيئي للمحيطات لم يخضع للدراسة بعد. فيقول جيفري دريزن -خبير البيئة البحرية بجامعة هاواي بمدينة مانوا-: "هذا السياج يمتد حتى عمق مترين، ومن ثَم يمكن للكثير من الكائنات البحرية السباحة تحته، لكننا نضع جسمًا عملاقًا عائمًا يمكن أن يجذب الكائنات المفترسة التي تحتل قمة السلسلة الغذائية وغيرها من الحيوانات ويؤثر في توزيعها".

ويضيف دريزن: "إنه لشيء رائع أن يحاول الباحثون التوصل إلى آليات لتنظيف المحيطات"، لكنه يوضح أن كمية المواد البلاستيكية الطافية على سطح المحيط لا تمثل سوى جزء بسيط مما في أجزاء العمود المائي الأكثر عمقًا. ومن ثم، فإنه بالإضافة إلى مشروعات تنظيف المحيطات، فإننا -على حد قول دريزن- "نحتاج إلى بذل جهود كبيرة للحد من إنتاج البلاستيك واستخدامه. يجب أن يكون هذ جزءًا من الحوار القائم لحل هذه الأزمة".