"الصورة تساوي ألف كلمة"، عبارة صارت قانونًا من قوانين الصحافة والإعلام والدعاية المعاصرين، والحقيقة أن أصلها عبارة للكاتب المسرحي النرويجي، هنريك إبسن، وردت عنه قبل وفاته عام 1906، تقول: "ألف كلمة لا تترك انطباعًا عميقًا مثل عمل واحد"، وقد جرى اختطاف تعبير "إبسن" وتحريفه وترويجه في الصحافة الأمريكية منذ العام 1911، فأُطيح ليس فقط بمصداقية العمل مقابل الكلمات، بل بآلاف الكلمات مهما كانت صادقة مقابل صورة، يُخفي ظاهرها ما في باطنها، ولا يكشف الوقوف أمامها ما يكمن وراءها.

قرن بين صورة وكتاب الصورة التي أعنيها يعود زمن التقاطها إلى أكثر من مئة عام، وتحديدًا سنة 1894 ميلادية، تُظهر البارون والتر روتشيلد، يقود عربة تجرها أربعة من "الحُمُر الوحشية" أمام قصر باكنجهام، مقر إقامة العائلة الملكية البريطانية، التي كانت آنذاك في أوج عصرها "الفيكتوري" ذروة الإمبراطورية الاستعمارية التي تهيمن على العالم، وقائدة الثورة الصناعية الأولى في أوروبا، وفي التعليق على الصورة التي صارت من أشهر الصور في العالم، تواتر القول إن البارون يثبت من خلالها ريادته لترويض -وأحيانًا تدجين- حُمُر الوحش، الذي لم يسبقه إليه أحد، وكانت هذه الصورة تتويجًا لاقتحامه عالم الحيوان، فمنحته مؤسسات علمية عضويتها ودكتوراتها الفخرية، ونصَّبته وسائل إعلام، ولا تزال، كأحد المساهمين الكبار في تطور علم التاريخ الطبيعي، وقُرِن اسمه بأسماء حيوانات برية عديدة، كما يحدث مع رواد عِلم الحيوان، فهناك، إضافة إلى "زرافة روتشيلد"، 58 طائرًا، و17 حيوانا ثدييًّا، وثلاثة أسماك، وثلاثة عناكب، وزاحفان، ودودة.. كلها تحمل لقبه!

     الصورة سالفة الذِّكر توالدت منها صور أخرى لتأكيد الزعم ذاته، تُظهر البارون يتجول بعربة فردية يجرها "حمار وحشي" عبر شوارع مدينة الضباب، وتُظهِر خليلاته وخلانه يتجولون منتشين في عرباته المجرورة بعافية هذه الكائنات في هذه الشوارع، وظلت هذه الصور، لأكثر من قرن، تشكل ما يشبه الوثيقة الدالة على نجاح "روتشيلد" في ترويض حيوانات الزرد، إلى أن صدر عام 1997 كتاب "أسلحة وجراثيم وفولاذ"، الذي وُصِف -ولايزال- بأنه حدث زلزالي، نجح كاتبه عالِم الجغرافيا البيولوجية "جاريد دياموند" في إعادة سرد التاريخ البشري من زاوية التغيرات البيئية التي بدأت قبل 13 ألف عام، بنجاح البشر في تدجين نباتات وحيوانات حولت أجزاءً كبيرة من الجماعة البشرية التي كانت من الصيادين وجامعي الثمار، إلى أبناء مجتمعات زراعية تحقق وفرةً من الغذاء النباتي بما تزرعه من محاصيل، والغذاء الحيواني بما تربيه من حيوانات.

      ومع ضمان وفرة الغذاء، انتقلت هذه المجتمعات إلى اكتشاف موارد بيئاتها وتطويرها وتصنيعها، فظهرت البنادق والمدافع، وبقوة الفضول البشري بدأت مغامرات استكشاف ما وراء هذه المجتمعات عبر البر والبحر، ثم أغرى فائض القوة لدى البعض بتحويل رحلات الاستكشاف إلى غزوات سلب ونهب واحتلال لمجتمعات أخرى لم تعرف فتك المدافع والبنادق، مضافًا إليها الجراثيم التي حملها الغزاة فضاعفت حصاد أرواح المغلوبين، وتحول العالم إلى غابة مستعمرات تتقاسمها الدول الغازية، ومن الاستعمار القديم إلى الاستعمار الجديد، تغيرت الأدوات وظلت الغايات كما هي، دراما طويلة رأى جارِد دياموند أنها بدأت بتدجين النباتات والحيوانات، فكان طبيعيًّا أن يتعقب مساراتها ومآلاتها، ويُفردِ لها في كتابه الكبير أكثر من فصل، أحدها عن فشل الإنسان في تدجين بعض الثدييات الكبيرة العاشِبة التي كان يمكن أن تصير مجديةً اقتصاديًّا لو أنها دُجِّنت، وأشهرها حيوان الزرد الذي وَسَم به "دياموند" عنوان هذا الفصل، ولم يفُته أن يُعرِّج على ما زعمه البارون روتشيلد بشأنه.

سطور قليلة وخبايا كثيرة

      في سطور قليلة ذكر "دياموند" ادعاء "روتشيلد" على حيوان الزرد، قائلًا: "إن أصناف حمير الوحش الإفريقية الأربعة وصلت جهود تدجينها إلى ربطها بالعربات، وقد جُرِّبت كحيوانات للخدمة العسكرية في جنوب إفريقيا في القرن التاسع عشر، وقاد اللورد والتر روتشيلد، غريب الأطوار، عربةً في شوارع لندن تجرها حمير الوحش، لكن هذه الحيوانات تصبح خطيرةً للغاية عندما تكبر".

     من هذه السطور الثلاثة نستشف أن "حُمر الوحش" التي ربطها "روتشيلد" بعربته الاستعراضية في شوارع لندن، كانت صغيرةً لم يكتمل تكوينها الجسماني المُفجِّر لأوج تمرُّدها العنيف على محاولة إخضاعها، وهو ما لم يرد ذكره في كثير من الكتابات التي روجت للصورة وما تدعيه، كما أن "دياموند" المهتم بالدلائل العلمية اكتفى في وصف "روتشيلد" بما عُرِف عنه كشخص "غريب الأطوار"، ربما لأنه لم يكن يريد الابتعاد عن هدفه العلمي من هذا الفصل، الذي يتجاوز "روتشيلد" إلى الظاهرة التي يجسدها حيوان الزرد وتنسحب على حيوانات عديدة غيره رفضت التدجين، وإن كان الزرد أشهرها وأكثرها استبسالًا في رفضه، لكن توقُّفنا أمام غرائب أطوار "روتشيلد"، هنا والآن، بات شديدة الأهمية في عِلم الحيوان، وعالم الإنسان، فوالتر روتشيلد لم يكن فردًا، بل ظاهرة، لا تزال تتغلغل وتتمدد في عالمنا!

بارون المال والسياسة وعالم الحيوان

     وُلد "ليونيل والتر دي روتشيلد" -المعروف اختصارًا بـ "والتر روتشيلد- في لندن عام 1868، وهو الابن الأول لناثان روتشيلد، مالك أكبر بنوك العالم حينها، ويشار إلى أسرته أحيانًا بأنها أغنى أسرة بين أسر ملوك المال في العالم، ليس في عصرها فقط، بل عبر التاريخ، وقد نشأ ضعيف البنية وبإعاقة في الكلام اضطرت والديه إلى تعليمه في المنزل، وفي طفولته أظهر ولعًا بالسلاحف فأقام له والده متحفًا يضمها في حديقة المنزل، ومن السلاحف انتقل الصغير -وهو يشب رخو البنية بالغ الطول (192 سنتيمترًا)- إلى الولع بالفراشات والخنافس وغيرها، وقاده ولعه إلى دراسة مترددة لعلم الحيوان، لكن في سن الحادية والعشرين دفعه والده للعمل المصرفي في بنك آل روتشيلد، أكبر بنوك العالم آنذاك، فاستمر على مضض، في حين كان عزاؤه أن يجمع عينات حية، وغير حية، من غريب الحيوان من مختلف أرجاء العالم.

    لم يكن والتر ببنيته الجسمانية الهشة يذهب لإحضار هذه "العينات"، بل يرسل لإحضارها بعثات من المغامرين والتجار والصيادين، ينفق عليها ببذخ من هوامش ثروة الأسرة الطائلة، وقد وظف لهذه الغاية حوالي 400 مغامر خلال حياته أحضروا له قرابة مليون عينة من أكثر من 48 دولة مختلفة، معظمها من مستعمرات الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس! كما ألحق بهؤلاء من أهل العلم مَن يضطلع بتوصيف هذه العينات وتصنيفها.

     في سن الأربعين ترك العمل المصرفي، وهو وريث أول لأضخم ثروة خاصة في العالم، وظل أعزب ومتعدد العلاقات التي تركزت في صديقتين أنجب من إحداهما ابنه الوحيد، تفرغ لولعه باقتناء الحيوانات، وأقام لمقتنياته متحفًا خاصًّا أتاحه للجمهور، وفي الوقت نفسه شغل منصب نائب في البرلمان البريطاني لعدة دورات، واهتم بالسياسة مقتربًا من حاييم وايزمان الذي شاركه في مطالبة الحكومة البريطانية -عبر وزير خارجيتها آرثر جيمس بلفور- برعاية إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهو ما تحقق بعد بضعة أشهر من لقاء والتر روتشيلد ووايزمان ببلفور، في الرسالة التي أرسلها الأخير بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى والتر روتشيلد في بيته! وعُرفت باسم "وعد بلفور" أو إعلان بلفور.

     هذه التركيبة البشرية لوالتر روتشيلد، والمدعومة بهول الفلوس والنفوذ، كان عجيبًا شغفها بعالم الحيوان، الذي تمخض عن "أكبر كمية مقتنيات حية ومحنطة امتلكها شخص واحد في التاريخ"، ومنها: حوالي 250.000 من الفَراش والعث، و300.000 من جلود الطيور النادرة، و200.000 بيضة طائر، و144 من السلاحف العملاقة، وأسراب من طيور الكاسواري Cassowary والكيوي، إضافة إلى حيوانات الزرد الإشكالية التي زعم ترويضها.

التدجين والترويض وما بينهما

     قبل أن نرجع إلى جاريد دياموند، وكتابه المُزلزِل لكثير مما كان مُسلَّمات، أو شبه مُسلَّمات كادعاء "روتشيلد"، دعونا نعيد تحرير المفاهيم، فالترويض Taming هو تدريب الحيوان البري بعد أَسره على أداء مهمات معينة لفترات زمنية عابرة قصيرة تحت ثنائية التهديد بالعصا أو الإغراء بالجزرة، ولكنه لا يقضي على الروح البرية للحيوان، التي مهما كمنت تظل قابلةً للاندلاع فجأة، ومثال ذلك أسود ونمور السيرك، أما التدجين أو الاستئناس Domestication، فهو تغيير الروح البرية للحيوان وجعله دائم الطاعة لمربيه الإنسان مقابل ما يمنحه له من غذاء وموئل آمن، والأهم في تغيير هذه الروح هو تقبُّل الحيوان المُدجَّن للتناسل تحت مراقبة مُدجِّنيه وإشرافهم، بل وبتحريض منهم!

    حيوانات الزرد لم يثبت تاريخيًّا أنها رُوِّضت أو دُجنت، صحيح أن هناك محاولات جرت لتحقيق ذلك، لكنها لم تتعدَّ حدود لحظات عابرة، وتحت إكراه رَبْطها بسيور جلدية تحاصرها بين خشبتي سياج "عريش" العربة التي تجرها، ثم سَوْقها بألجمة تلوي أعناقها غصبًا بينما عيونها مغماة، وهو ما تفضحه صور والتر روتشيلد الاستعراضية الزاعمة نجاحه في ترويض هذه الكائنات الجميلة النبيلة، ومن ثم لم يعد هناك شك في أن هذه الكائنات لم تُروَّض، وبداهة لم تُدجَّن (لأن الأسر والترويض عادةً ما يمثل المدخل إلى تدجين الحيوانات القابلة للتدجين)، لهذا اكتفى جاريد دياموند بلمحة خاطفة من السخرية مما ادعاه "روتشيلد"، وانصرف إلى الإجابة الحاسمة عن سؤال: لماذا يُعَدُّ حيوان الزرد غير قابل للترويض أصلًا؟

      في فصل من ثلاثين صفحة قدم "دياموند" إجابته عن هذا السؤال، وحمل الفصل عنوان: "حمير الوحش، زيجات تعيسة، ومبدأ آنا كارنينا"، وهذا نموذج من الاستعانة باللمحات الأدبية في الكتابة العلمية للقارئ العام، وحتى الخاص، لما لها من أبعاد جمالية ومجازية تُقرِّب فهم الغاية التي يسعى إليها الكاتب وتجسدها، هذا المجاز الذي استخدم فيه "دياموند" أول سطور رواية تولستوي "آنا كارينيا"، إنما يشير إلى التدجين -بغمزٍ مرح- كعلاقة اتفاق بين طرفين (الحيوان والإنسان)، شأنها شأن الزواج، تنجح عندما تتوافر فيها شروط عامة يحققها كل زواج سعيد، وتفشل لشروط مختلفة باختلاف كل زواج تعيس.

     يؤرخ "دياموند" لتدجين "الثدييات الكبيرة" بقرائن الأدلة الأثرية والحفريات بأنها تمت ما بين العام 8000 قبل الميلاد وحتى 2500 قبل الميلاد، مرتبطة بالألفيات الأولى لمجتمعات الزراعة والرعي التي ظهرت بعد نهاية آخر عصر جليدي، لنشوء حاجة إلى تدجينها تدعم هذه المجتمعات بما تقدمه بعد تدجينها من قوى جسدية للعمل الشاق في الزراعة، وألبان ولحوم لزوم التغذية، وجلود لشتى الاستخدامات، ونسل يديم تواصل إمداد الإنسان بذلك كله، فلماذا استعصى الزرد على التدجين والترويض برغم نجاح تدجين أقرب أقاربه من الثدييات العاشبة، وهي الأحصنة والحمير، ناهيك بالبقر والخراف والمَعيز؟!

متطلبات الإنسان وموقف الحيوان

    يُرجِع "دياموند" النجاح في تدجين الحيوان البري إلى تحقيقة ستة شروط يتطلبها فيه الإنسان، تشمل: 1- اقتصاديات ما يستهلكه الحيوان مقابل ما يمكن أن يمنحه من قوة عمل ولحم وحليب ونسل. 2- النمو بسرعة معقولة تجعل الاستثمار فيه مربحًا. 3- تقبُّل التناسل الطبيعي في الأَسر. 4- حسن السلوك مع البشر. 5- محدودية نزعة الذعر والعصبية في مواجهة الرُّعاة. 6- اعتياد الحيوان على تراتبية اجتماعية اكتسبها في قطيعه البري تجعله لا يتقاتل مع أقرانه في الأسر ويتقبل الإنسان كقائد مُطاع.

     هذه الشروط الستة لنجاح تدجين حيوان ثديي كبير (كالبقر والحمير والخيول والمعز والكلاب -التي كانت ذئابًا)، غاب عنها شرطان حسما عدم تقبُّل حيوان الزرد للتدجين (وحتى الترويض –كما في حالة الأسود والنمور والأفيال الآسيوية)، وهو مما استقر عليه علماء الحيوان قبل التقاط "روتشيلد" لصوره الخيلائية تلك، فالعالِم الموسوعي فرانسيس جالتون (ابن عم  تشارلز داروين) وصف حيوان الزرد بأنه "نوع لا يمكن السيطرة عليه"، مشيرًا إلى أن البوير الهولنديين -في جنوب إفريقيا- "حاولوا مِرارًا وتكرارًا كسر شوكته لتسخيره، وكانوا يحظون منه بما يَلوُح نجاحًا لبرهة، لكنه سرعان ما يُظهِر طبيعته البرية مندلعة بشكل لا يفتر، فتُحبَط مساعيهم لتدجينه".

عصبي ويرفض قلة الحيا

     هذه "الطبيعة البرية" لدى الزرد التي أجهضت كل محاولات ترويضه وتدجينه سماها دياموند "الروح البرية"، وميزها بخصلتين: أُولاهما "نزعة عصبية للذعر" تُفجِّر فيه رد فعل "الفرار أو القتال" في مواجهة حيوان مفترس يحاول اقتناصه، أو إنسان يسعى لاصطياده أو أَسرِه، وحتى لو وقع في الأسر، فإنه لا يكف عن التمرد على آسريه وتنغيص عيشهم، حتى لو كان الأَسر في نعيم الحدائق الملكية البريطانية، كما حدث لزرد قُدِّم للملكة صوفيا شارلوت، زوجة الملك جورج الثالث، كهدية زفاف عام 1762، فوضعته في حدائق قصر باكنجهام حيث توافد البريطانيون لمشاهدته، وما لبثوا حتى نقموا عليه وعلى صاحبته لأنه لا يكف عن العض والرفس -بالرغم من أن طعامه كان يُخلَط بالتبغ لتهدئته!- فأطلقوا عليه بتهكمٍ مَغيظ وصف "حمارة الملكة" Queen’s Ass، التي تغمز في الإنجليزية بقراءتين، إحداهما مُسيئة!

    يسجل "دياموند" للزرد في هذا السياق أنه يسبب الأذى لرعاة حدائق الحيوان الأمريكية بأكثر مما تسببه النمور! كما أن أي محاولة للسيطرة على انفجارات تمرده برمي الحبل لتطويق عنقه تفشل، حتى من أبرع رماة الكاوبوي الذين يفوزون ببطولات "الروديو"، فهو يلمح حلقة الحبل وهي تطير باتجاه رأسه ويتفاداها بسرعة البرق، وطبيعي أن كائنًا حرونًا إلى هذا الحد، وبرغم أن النوع السائد منه، وهو "زرد السهول" يعيش في البرية داخل قطعان تحكمها تراتبية صارمة، إلا أن هذا لم يجعله قَط يعتبر آسريه قادةً له يطيعهم ويتبعهم.

     أما ثانية خصال "الروح البرية" للزرد، فتتجسد في أنه يعف تمامًا عن ممارسة الجنس تحت رقابة الآخرين، فينقطع نسله في الأسر، مُفارِقًا بذلك ابتذال ذوي قرباه من حمير وأحصنة أفقدهم التدجين الحياء، فصاروا يتناسلون تحت أنظار مُدجِّنيهم، بل بدفع صيحات وأيادي هؤلاء المُدجِّنين، لهذا كله لم يعد السؤال هل نجح "روتشيلد" فيما فشل فيه البشر لآلاف الأعوام مع هذا الكائن، بل: لماذا ادَّعى "روتشيلد" ذلك؟

المِلكية والكينونة

     تستحيل مقاربة الإجابة عن السؤال السالف دون اللجوء إلى علم النفس، وتحديدًا علم النفس الاجتماعي، فوالتر روتشيلد ليس ظاهرة نفسية منفصلة عن بيئته الخاصة جدًّا، وشديدة التأثير في تكوينه بكل تأكيد، فهو سليل إحدى أعتى عائلات "ملوك المال"، حُكام العالم الفعليين مع بزوغ وهيمنة "عصر الصناعة" والتوسع الاستعماري واستفحال الاعتداء على الحياة الفطرية والعدوان على الطبيعة، وأعتقد أنه لا أحد من علماء النفس أولى باللجوء إليه في هذا الشأن مِثل مؤسس علم النفس الاجتماعي "إريك فروم"، وتحديدًا في كتابه الثاقب "أن تملك أو أن تكون" To Have or to Be?، الذي أعاد تشريح الشخصية الإنسانية تحت ضغوط العصر الذي عاش فيه والتر روتشيلد، فكشف عن نمطين أساسيين لشخصيات البشر في إطاره، هما: نمط التملك، ونمط الكينونة.   

    السمة الأساسية لنمط الشخصية التملُّكية هي إحساس صاحبها بأنه كلما زادت ممتلكاته، زادت مكانته وارتفع تقديره من الآخرين، ومن ثم تسيطر عليه الرغبة في التملك والاستحواذ والاكتناز، ويتحول إلى أسير لمتعة الاقتناء وزيادة ما يمتلك من الأموال التي تتيح له امتلاك المزيد من "الأشياء"، التي يدخل في عدادها -عنده- البشر، كأتباع ومتاع، ويستعر كل ذلك كـ"نشاط خارجي" للنفس، يقطع العلاقة الحية بين المَلَّاك وما يملك، فيصير هو وهي مجرد "أشياء"، تملكه بقدر ما يملكها، أما السمة الأساسية لنمط الكينونة فتتجلى في النشاط الداخلي الذي يشع في العطاء والتعبير عن المواهب والاستخدام المثمر للطاقة الروحية في السعي نحو الحق والخير والجمال والرحمة، فهي ببساطة ووضوح نقيض للشخصية التملكية التي حكمت طبع وتطبُّع والتر روتشيلد، بدليل ما بين أيدينا من علاقته بالحيوان.. على الأقل!

مراقب للطيور، ومولع بتحنيطها

    ومن محاسن الصُّدف في هذا الشأن، حيث يقف "دياموند" وكتابه كناقد لفِرية "روتشيلد" الزاعمة نجاحه في تسخير الزرد، أن موقفهما من عالم الحيوان يجسد تمامًا مفهومي التملك والكينونة في نمط شخصية كلٍّ منهما، فجاريد دياموند، ترجم شغفه بعالم الحيوان منذ الصغر بهواية "مراقبة الطيور"، بحب، وصمت، ومن بعيد؛ حتى لا يزعجها، أما "روتشيلد" فقد صاغ ولعه بعالم الحيوان منذ الصغر في امتلاك "عيناتها"، حية أو ميتة (محنطة)، بل وهي أجنة في البيض الذي كان ينتزعه مبعوثوه من أعشاش أمهاتها بالآلاف، وبشراهة مُفجِعة ومُروعة دعوها "عمليات حصاد البيض" من جزر الطيور البحرية في المحيط الهادي، أما ذروة التملك والتشيُّؤ، فتمثلت فيما حاولت ترويجه صور قيادة عرباته الاستعراضية التي تجرها حيوانات الزرد، وصورة ركوبه ظهر إحدى سلاحفه وسوقها بورقة خس معلقة في طرف عصا فوق رأسها، تظل تتبعها المسكينة لتأكلها -بعد تجويع مُرجَّح- فتمشي مثقلةً بوزن بارون، لورد، طويل، سمين، أبجر، حتى تُلتقَط الصورة!