إذا كتبت على أيٍّ من محركات البحث كلمتي outdoor learning وحددت الشهور الأخيرة من هذا العام فترةً زمنيةً للبحث، فربما يهولك كما هالني ما ينسدل أمامك تحت هذا العنوان، ويشير إلى مدى انشغال المملكة المتحدة –خصوصًا- بما وراء وأمام وعبر هذا التعبير، الذي يعني "التعلُّم في الهواء الطلق"، والذي صارت له معاهد بحثية، ومؤسسات رعاية، ومساحات مُعتبرة في وسائل الإعلام، تعكس كلها جدية اهتمام الإنجليز بهذا الشكل من أشكال التعليم، خاصةً في عمر الطفولة، والذي لم يعد مقتصرًا على الرحلات الخلوية المدرسية التي تخرج بالتلاميذ الصغار من النطاق المدرسي بين الجدران إلى رحاب الحدائق والغابات وضفاف الأنهار والبحيرات، ليحبوا الحيوانات والنباتات ويتشربوا جمالات الطبيعة، بل ليدرسوا بعضًا من المناهج المدرسية كاللغة والرياضيات والعلوم وغيرها، في رحاب هذه الطبيعة.

هل سبقناهم بستين عامًا؟!

     هالني كل ذلك الاهتمام بفكرة التعلُّم في الهواء الطلق، هولًا مشغولًا بالضحك، لا سخرية من إيلاء كل هذا الاهتمام لهذه الفكرة في تطوير التعليم في بلد متقدم وغني وعريض الخبرات المعرفية والثقافية كالمملكة المتحدة، ولكن لأن هذا الاهتمام فجَّر عندي نبع ذكرى لمدرستي الأولى، التي استبقت هذا الاهتمام الإنجليزي الحالي بستين عامًا! فقد كانت في الهواء الطلق، وإن بالصدفة، بسبب ضيق اليد أو ضيق الوقت، أو كليهما! وقد كانت الصدفة الأكثر سعادةً في علاقتي بمراحل التعليم كلها، ولطرافتها ودلالتها وعلاقتها بصيحة التعليم الإنجليزي الحديثة، أحب أن أحكيها لعلها تكون مفتاح رؤيةٍ ما في الموضوع.

     في خريف العام 1956، ذهبت إلى مدرستي الأولى، مدرسة عمر بن الخطاب الابتدائية بآخر حدود مدينة المنصورة الجنوبية، وإذا بها مدرسة جديدة لم يبنوا حولها سورًا بعد، وكانت تتوسط حقول قرية "سندوب" القريبة التي صارت الآن ضاحيةً من ضواحي المدينة. لم تكن تلك مجرد مدرسة، بل بهجةً للقلب الصغير ومتعةً للروح الغضة، فبعد كل نصف ساعة لكل حصة من حصص اليوم المدرسي، نندفع متصايحين لنقضي راحة خمس الدقائق بين الحقول، نقتطف قرن فول من هنا، ونحفر لنستخرج جزرةً منسيةً من حقل جزر تم حصاده هناك، نصطاد اليعاسيب الملونة والجنادب النطاطة الخضراء. ولم تكن هذه النعمة قاصرةً على خمسات الدقائق بين الحصص، بل تتعداها لتكون ربع ساعة في "الفسحة الصغيرة"، ونصف ساعة في "الفسحة الكبيرة"، وأكثر من ذلك كان يروق لبعض المدرسين أن نخرج إلى ظل الأشجار الكبيرة التي تحُفُّ بفناء المدرسة غير المسيَّج، ليعلِّمونا ما لم يكن يحتاج إلى سبورة وكتابة، بل يُستعاض عنها ببعض ألواح الأردواز (ألواح للكتابة عليها) الصغيرة وأصابع الطباشير.

لعبة القراءة والكتابة

     كانت هذه المدرسة، على هذا النحو، فردوسًا تعليميًّا في أول سِنِيِّ الدراسة، التي استطعت خلالها أن أقرأ وأكتب بشكل يمكن تطويره ذاتيًّا، وكان الفضل في ذلك للانتعاش والتفريج المستمرَّين طوال اليوم المدرسي في هذه المدرسة التي بلا أسوار، والتي تنفتح أبوابها ونوافذها على الهواء الطلق، وتنفتح بالتالي لهِبات الطبيعة التي تثير فرحنا والدهشة، ضفدع يضل طريقه إلى داخل فصلنا فنهيج فرحًا ولعبًا حتى نمسكه ونعيده من حيث أتى، أو طائر "خضيري" عجيب الألوان يفاجئنا بالطيران والتخبط بين حيطان الفصل حتى يفلت من إحدى النوافذ عائدًا إلى رحابة السماء وترامي الحقول.

     في تلك السنة السعيدة تعلمت كيف أفكك الكلمات إلى حروف، وكيف أركب الحروف في كلمات، عبر كتاب القراءة الملون جميل الطباعة والرسوم ولطيف المنهج "فلفل نط عند البط"، ومن ثم عرفت، وعرف عديدون غيري من أتراب تلك المدرسة، سر تحويل صوت الكلام إلى حروف تُرسَم، وتحويل الحروف إلى أصوات تُنطق، ولم تكن تلك إلا آلية القراءة والكتابة، التي تعمل عمل برنامج يطور نفسه بنفسه، لطفل تستهويه هذه "اللعبة"، لعبة القراءة والكتابة، التي جادت بمفتاح أسرارها في تلك المدرسة مُشرعة الأبواب والنوافذ، على الهواء الطلق. لكنهم بنوا في السنة الدراسية الثانية سورًا حول المدرسة، فضاقت روحي بحبوس أربعات حيطان فصول المدرسة التي لم تكن كذلك، وظلت تضيق بجدران كل المدارس بعدها، والتي لم أحبها قَط، برغم أنني كنت ولدًا من "الشطار"، وهي شطارة لا تدين إلا بقليل من الفضل لندرة من المدرسين والأساتذة، حتى المرحلة الجامعية، وما بعد الجامعية، فقد كان الفضل الأول لامتلاك مفتاح استنطاق الكتب بآلية القراءة التي تعلمت أسرارها الأولى في السنة الدراسية الأولى بتلك المدرسة الأولى "في الهواء الطلق". والتي استبقت صيحة التعليم البريطاني الأخيرة بستين عامًا!

سبع فوائد جمة

     من بين حشد المقالات والأبحاث البريطانية الحديثة عن صيحة ذلك "التعلُّم في الهواء الطلق"، التي يمطرك بها محرك بحث جوجل متى ما طلبت مادةً تحت هذا العنوان، قرأت مقالًا مُصنَّفًا أنه من"قضايا التعليم" نشره موقع Learning Liftoff في الأول من أغسطس هذا العام (2019)، تحت عنوان "فوائد جمَّة للتعليم في الهواء الطلق" يقول، وكأنه يستحث حنيني لمدرستي الأولى: "هل لديك ذكريات من أيام مدرستك عن جميع الطلاب الخارجين للنظر في الأشجار، أو ربما فحص أنواع مختلفة من النباتات والحيوانات؟"، وبعد التساؤل الذي أجيب عنه ثلاثًا بحرارة: "نعم. نعم. نعم"، يضيف المقال: "على الرغم من أن معظم أطفال المدارس العامة يتجهون في رحلة ميدانية بعيدًا عن المدرسة مرةً واحدة أو مرتين في السنة، إلا أنه غالبًا ما لا يستمتع الطلاب بالطبيعة كجزء من يومهم المدرسي. ولسوء الحظ، قد يفقد الطلاب الذين ليس لديهم فرصة للتعلُّم في الهواء الطلق فرصَ التفوق الأكاديمي والاجتماعي التي يزكِّيها هذا النظام، الذي يؤكد الخبراء أنه مفيد جدًّا للطلاب؛ لكونه يجعلهم أكثر صحةً وسعادة، ويفعلون ما هو أفضل من الناحية الأكاديمية، وقد عدَّد هؤلاء الخبراء "سبع فوائد للتعلُّم في الهواء الطلق"، هي:

1ــ الطلاب الذين يتعلمون في الهواء الطلق يكونون أكثر انتباهًا، وبالتالي، لديهم ذكريات أفضل عن المعلومات التي تَشاركوا في الحصول عليها.

2 ــ يقلل الوجود المستمر في الطبيعة من التوتر والقلق، ويساعد على رفع المزاج، ويساعد على التفاعل الإيجابي.

3 ــ البيئات الطبيعية خارج الفصول تُلهم الأطفال بشكل طبيعي ليكونوا أكثر نشاطًا بدنيًّا.

4 ــ يوفر التعرُّض لضوء الشمس فرصةً للرؤية الصحية، ولتطوُّر العينين بشكل صحيح، مما يقلل من خطر قصر النظر.

5 ــ يكون الأطفال في الأماكن الخارجية أكثر تحمُّسًا للعمل معًا في مجموعات، مما يُحسِّن مهاراتهم الاجتماعية، ويدربهم على إدارة النزاعات والتواصل والتعاون مع أقرانهم بطريقة أكثر فاعلية.

6 ــ يوفر التعلُّم في الهواء الطلق للأطفال خبرةً حيةً في البيئات الطبيعية عن أنواع مختلفة من النباتات والحيوانات ومختلِف مكونات الحياة البرية، بدلًا من تلك التي يحصلون عليها عبر شاشات حواسيبهم وشاشات التلفزيون، فهم يشغلون حواسَّ أكثر في ذلك، مثل الشم والسماع المباشر. كما يمكن أن يدفعهم ذلك إلى البدء في حب زراعة فواكه وخضراوات في حدائق بيوتهم، فتنشأ رابطة بينهم وبين الأغذية الطبيعية.

7 ــ يحمي التعلُّم في الهواء الطلق من إصابة الأطفال باضطراب نقص الطبيعة، أو الافتقار إلى الطبيعة، أو قصور الطبيعة   nature deficit disorder نتيجة فرط تعرُّضهم للشاشات الرقمية من تلفزيون وكمبيوتر وهواتف خلوية، وهو اضطراب عُصابي يمكن أن يتسبب في السمنة والتوتر النفسي وإعاقات التعلُّم.

فائدة ثامنة، للمدرسين

     كل هذه الفوائد السبع لـ"التعلم في الهواء الطلق" تؤكدها تجربتي في السنة الأولى بمدرستي الابتدائية، التي كانت بلا أسوار ومُحاطةً بالحقول، وأزيد عليها فائدةً ثامنةً تتعلق بالمدرسين، الذين أتذكر أريحيتهم وتسامُحهم، بل رغبتهم في تعليمنا خارج الفصول، حيث يذهبون بنا إلى أطراف الفناء الذي كان مظللًا بأشجار عتيقة وارفة، زُرعت من سنين، قبل أن تنبت حتى فكرة مدرسة في هذا المكان، وأؤكد أنهم كانوا مستمتعين بهذا التدريس في الهواء الطلق، وهو ما يؤكده –نفسيًّا- استطلاع لمدرسين إنجليز جربوا الخروج بتلاميذهم إلى رحاب الطبيعة، لا لمجرد الاستمتاع بها، بل لتدريس مواد المنهج في هذا الرحاب. ففي مقال آخر منشور يوم 4 يونيو 2019 في موقع CONVERSATION لثلاثة باحثين من جامعة "سواني" البريطانية بعنوان "التعليم في الهواء الطلق له فوائد كُبرى للأطفال والمعلمين -لماذا لا يتم استخدامه في المزيد من الدروس؟"، تحدث المعلمون عن زيادة شعورهم بالرضا الوظيفي، وأنهم يحققون الغاية التي امتهنوا التدريس من أجلها، وأن ساعةً أو ساعتين من التعليم خارج الفصول تُشعرهم بالرضا المهني، فهم لا يحسون فقط بأنهم يعلِّمون، بل يستشعرون أنهم في مغامرة، وأكدوا أنهم في حاجة إلى تغيير طريقة التفكير في التدريس؛ لأن التدريس لا يحتاج إلى اتباع أنساق صارمة في الفصل الدراسي، وأن أي تغيير بسيط مثل الخروج إلى الطبيعة يمكن أن تكون له فوائد هائلة".

للمخيلة الأولى والأذهان الغضة

     بعد ذلك، لا يبقى لديَّ غير الحنين والأسف، الحنين إلى تعليم طليق، في أجواء تطلق المخيلة الأولى، وتصفو بالذهن الرائق للطفولة، وحتى ما بعد الطفولة. والأسف لأن الصدفة التي قدَّمت لي مدرسةً تناسب تكويني وتكوين معظم الأطفال، ليتعلموا في أجواء بِكْر وبلا أسوار بين الفصل والطبيعة، تُحفِّز المخيلة وتُوهِّج الذهن، صارت مستحيلة، ليس في بلادنا التي تعاني انفجارًا سكانيًّا في معمور ضيق، تراكم عبر عقود وعقود لأسباب شتى، والتهم الكثير من القليل في وادينا الأخضر الضنين المُحاصر بالصحراء، بل حتى في بلاد الإنجليز الذين لا يزال لديهم ريف خلاب وحدائق في المدن، وشواطئ بحار وأنهار محل عناية.

    هذا الحنين وذلك الأسف، وتلك الصرخة التعليمية والتربوية في بعث فكرة "التعليم في الهواء الطلق" وصعودها، تدعونا وقد ضاقت الأرض المثقلة بساكنيها ومخربيها، وتآكلت مساحاتها الخضراء وبيئاتها الفطرية، إلى إنقاذ تعليم أطفالنا وأجيال المستقبل -بل حتى تعليم الكبار- في هواء طلق يطلق المخيلات وينشط الأذهان، وهو ما يدعوني إلى استدعاء تجربة عشتها ومشهد عايشته، ويمكن أن يوحيا بمخارج إلى بدائل في عالم تآكلت بيئاته الطبيعية لدينا، وصارت خانقةً أسوارُ فصوله وقاعات محاضراته بفعل التكدس السكاني الذي لم يعد محضَ زحام!

مدرسة في ظل شجرة

    على الطريق الترابي المرتفع بين مدينة "تاج محل" والمدينة الوردية "جايبور"، استوقفني مشهد في إحدى القرى المتناثرة في الأرض المنخفضة بإقليم راجستان الهندي، ففي الظل المنداح لشجرة "بانيان" وارفة، رأيت دائرةً من عشرات الصغار يقتعدون الأرض، ووسط الدائرة وقف شاب يافع نحيل، يدور حول نفسه وهو يحادثهم. استأذنت في اقتحام لحظتهم الظليلة تلك مستفسرًا عما يكونون. واكتشفت أن هذه هي مدرسة القرية، هؤلاء هم تلاميذها، وهذا الشاب هو كل أساتذتها وناظرها، هو حامل ماجستير لم يحظَ بالوظيفة التي يشتهيها في المدينة، فآثر أن يتلقى برنامجًا دراسيًّا وتدريبيًّا للقيام بمهمات تدريس كل المواد في هذه المدرسة في ظل شجرة. أخبرني أنه يُقيَّم تبعًا لنتائج امتحانات تلاميذه التي يجتازونها في أقرب المدن إليهم، ثم يرتقون صعودًا في مراحل التعليم المختلفة، وبعض تلاميذه الذين أثبتوا تفوُّقهم حتى على تلاميذ المدارس الكبيرة في المدن، حصلوا على منح دراسية في المرحلة قبل الجامعية، وصاروا واعدين بقوة للحصول على منح دراسية في أفضل جامعات الهند.

    أمضيت بعض الوقت أراقب هذه المدرسة الهندية بالغة التواضع والخلابة، واكتشفت أن الصغار يدرسون مقرراتٍ متقدمةً في الرياضيات والعلوم الحديثة، إضافةً إلى الأدب الهندي والتراث واللغة الإنجليزية، وهذه كلها يسيرة على حامل الماجستير الذي فضَّل أن يكون عمود خيمة هذه المدرسة في الهواء الطلق؛ حتى يتاح له العمل الذي يروق له. كان فخورًا بعمله ومُحبًّا له، وكان الأولاد في حال من النشاط العقلي والنفسي المبهجَين. وقد شعرت يومها بأنني أدركت سر الهند التي كانت تشغل وقت زيارتي لها موقع إحدى الدول العشر الأكثر تقدمًا علميًّا في العالم. والتي لعلها الآن في موقع أكثر تقدمًا. منطلقةً -وربما لا تزال- مما كان متواضعًا متاحًا، وتمثله هذه المدرسة في ظل شجرة، وطامحةً إلى تبوُّؤ موقع بارز بين المنافسين الأكبر علميًّا وتقنيًّا، ومن ثم اقتصاديًّا، في عالم اليوم.

دراسات عليا خارج القاعات

     في قسم الطب النفسي العصبي التابع لمعهد الدراسات العليا للأطباء المتخصصين بمدينة "كييف"، والذي صار الأكاديمية الطبية الأوكرانية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، كانت قاعدة هذا القسم الإكلينكية في مستشفى بافلوف، وهناك كنت أدرس وأعمل أخصائيًّا إكلينيكيًّا. كنا تسعة أطباء وطبيبات من الملتحقين بالدراسات العليا، وكان أحد أساتذتنا بروفيسورًا روسيًّا من أعتى مَن عرفتهم أو قرأت لهم علمًا، وخبرةً مهنية، وثقافةً عامةً رائعة الشمول، لم يكف عن مفاجأتنا بأخذنا إلى خارج المستشفى لينقل إلينا علمه ويدير نقاشاتٍ رائعةً حول كل موضوع يحاضرنا فيه، يخرج بنا من عنابر القسم إلى حدائق المستشفى المترامية، وورش العلاج بالعمل، وأطراف غابة "جاجارينا" التي تغطي التلة التي يتسنمها مستشفانا الكبير، وضفاف نهر "دنيبر" غامرة الخضرة. مرةً يذهب بنا إلى قاعة معرض تشكيلي بالمدينة كل لوحاته عن البحر، ومرةً إلى سجن أبيض يتوسط غابة، خُصِّص لاحتجاز وفحص مرتكبي الجرائم المشكوك في اختلالهم السيكوباتي، ومرةً في كاتدرائية رَسَم سقفَها وجدرانها الرسام الروسي العظيم "فروبل"، الذي يُعَد أهم التجديديين الروس، وكان مريضًا نفسيًّا، يخبئ في لوحاته هواجسه وإسقاطاته الذُّهانية.

     كانت مغامرات محاضرات هذا البروفيسور المجيد، في تلك الأجواء، بمنزلة هدية عظمى، قدَّمت لي -ولزميلاتي وزملائي الذين كنت الأجنبيَّ الوحيد بينهم- المعرفةَ العلمية في أكثر آفاقها إبداعًا، فانحفرت في ذاكرتي ووعيي، بل صنعت جسرًا سحريًّا ربط بين مدرستي الأولى التي بلا أسوار وفي وسط الحقول، وبين فهمي لأحوال النفس الإنسانية في رحابة الجمال وأعماق التأمُّل الإنساني والفلسفي، وهو ما انعكس ليس فقط على ممارستي للتخصص، بل انتقل معي إلى حقل الأدب والثقافة عمومًا عندما تفرغت للكتابة.

البحث عن بدائل

     هذا المشهد الهندي للتعلُّم في ظل شجرة، والمَشاهد الأوكرانية لدرس العقل والنفس البشريين في رحاب الطبيعة وفي أجواء الفنون والشجن والغرابة البشرية، إضافةً إلى مدرسة السعادة والرحابة التي لم تدم إلا عامًا واحدًا من طفولتي المدرسية، ثم هذا الانشغال البريطاني الجاد بأهمية التعليم في الهواء الطلق، كل هذا، في مقابل الطبيعة التي لم يعد لها رِحاب ولا ترحيب، والتكدس الاضطراري الذي يجعل من فصول المدارس أقفاصًا خانقة لحشْر الكتاكيت، ماذا نفعل؟ ما البديل في هذا الشأن بالغ الأهمية لجهة سيكلوجية التعلُّم، وتحفيز الإبداع فيه؟

     ما قرأته من الانشغال البريطاني بالأمر، انتهى إلى أن الحد الأدنى يمكن أن تُوَفِّره ساعة أسبوعيًّا لتعلُّم المناهج الدراسية في رحاب الطبيعة، ولديهم هذا الرحاب، أما لدينا، وبلا محاكمة لما وصلنا إليه عبر عقود وعقود من تراكمات تجعل من نوال هذا الرحاب مسألةً بعيدة المنال، أو على الأقل صعب الحصول عليها للكافة، أمامنا أن نُفعّل الاقتراح البريطاني لهذه الساعة في أية أجواء آمنة لذلك الهواء الطلق. والأكثر إتاحةً أن نوجِد بدائل لهذا الهواء الطلق بين الأسوار وبين الجدران التي لا فِكاك منها إلا بأفكار توفِّر ولو رموزًا للطبيعة الغائبة.. تشجير أفنية المدارس، إدخال نباتات الظل إلى الفصول، إعادة حصص التربية الزراعية إلى مناهج المرحلة الأولى، هذا في مدننا المزدحمة، أما في قُرانا، فأعتقد أن أطراف الحقول يمكن أن تُمصِّر المشهد الهندي البديع لتلك المدرسة في ظل شجرة البانيان. ويبقى مشهد محاضرات بروفيسور الطب النفسي العصبي المتنقل بين مساحات الفن والجمال والتأمل والشجن، خارج أربعة جدران القاعات الجامعية، اقتراحًا يفكر في فوائده الجمة أساتذة جامعاتنا، قبل طلابهم، خاصةً في الدراسات العليا!

     هل هذه رومانسية؟ ولماذا لا؟ فأرواحنا وعقولنا في مسيس الحاجة إلى شيء من الرومانسية؛ فالرومانسية لا تحلِّق بقلوب المحبين فقط، بل بعقول الدراسين والمدرسين معًا.