كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بطيئةً في استجابتها لجائحة فيروس كورونا المستجد. وإذ إن الطبيعة السلطويّة لبعض حكومات المنطقة حوّلت الاستجابة المتراخية التي انتهجتها في بداية الجائحة إلى حجر صحي فُرض قسرًا في عُجالة، كان من شأن النزوع إلى نشر المعلومات المضللة في بلدان أخرى أن يؤدي إلى خسائر في الأرواح كان يمكن تفاديها.

 ثمة العديد من الأمثلة على استجابات جيّدة أبدتها منظومات الصحة العامّة في بلدان مثل المملكة العربية السعودية وغيرها من بلدان الخليج العربي والأردن في مكافحة كوفيد-19؛ إذ نجحت في تطبيق تدابير الحجر الصحي المنظّمة بمستويات عالية من الامتثال. وفي بعض بلدان مجلس التعاون الخليجي، فُرض حظر التجول، وأفادت تقارير بحالات توقيف وتوقيع عقوبات بحقّ مَن يخترقونه. وتُعزى الزيادة الهائلة في الحالات المُسجَّلة لدى بلدان مجلس التعاون الخليجي في أثناء بدء الأزمة إلى استجابة منظومة الصحة العامّة الصارمة، التي انطوت على إجراء فحوص الكشف عن الإصابات وتتبُّع الأشخاص المخالطين.

وقد أبلغ المغرب والجزائر عن العديد من حالات التفشي مؤخرًا. ويبدو أن كليهما يتخذ قرارات بشأن إعادة فتح البلاد استنادًا إلى البيانات الواردة من برامج مراقبة الصحة العامّة وإجراء الفحوص لديهما.

مع ذلك، تُواصل بعض البلدان في المنطقة إصدار بيانات تتعارض غالبًا مع تقارير داخلية أُخرى، كما أنه من المستبعد صحّتها من منظور علم الوبائيات. ففي مصر وإيران على سبيل المثال، أدّى ذلك إلى عرقلة الاستجابة، وتصاعُد عدم الثقة بالأرقام الرسمية، وظهور حالات الوفيات والإصابات التي كان بمقدور البلدين منعها.

وفي مختلِف أنحاء شمال إفريقيا –متضمنةً مصر- ما زالت القيود المفروضة على الحركة وتدابير حظر التجول تواجه تحدّيات وضعف الامتثال، ولا سيّما خلال شهر رمضان الذي عادةً ما يشهد تجمّع العائلات والأصدقاء على موائد الطعام.

يتجلّى الوضع الأكثر مدعاةً للقلق في مناطق الصراع؛ فبالكاد ثمّة معلومات متاحة من اليمن وليبيا وسوريا والسودان، حيث أدى نشوب الحروب وتأجُّج الاضطرابات لسنوات طويلة إلى القضاء على أنظمتها للرعاية الصحية، بما في ذلك نُظم الرصد ذات الدور الحاسم في مهمات مراقبة الحالات ومتابعتها، والتحقيق في تفشّي العدوى والسيطرة عليها. ومن ثمّ، ليس لدى تلك البلدان بيانات تبلغ بها سوى القليل جدًّا؛ إذ تفتقر إلى القدرة على إجراء الاختبارات أو تتبُّع الإصابات. إن تلك البلدان ومخيّمات اللاجئين والمستوطنات غير الرسمية التي تؤوي ملايين اللاجئين والفئات السكانية المُستضعفة عبر المنطقة تواجه أكبر احتمالات المعاناة من العواقب الوخيمة إذا ما تملّك منها فيروس كوفيد-19.

كيف هيّأ فيروس «ميرس-كوف» المنطقة لفيروس «كوفيد-19»؟

 من زاوية أخرى، يمكن القول إن العديد من الدروس المستفادة من فيروس مختلف ضمن سلالة كورونا – وهو فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، المعروف اختصارًا بـ«ميرس-كوف» MERS-CoV- قد ساعد بعض البلدان في المنطقة على تعديل نُظمها للرعاية الصحية والاستجابة لفيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» بالتبعية.

ظهر فيروس «ميرس-كوف» في عام 2012 بالإبلاغ عن أوّل حالة إصابة في المملكة العربية السعودية، واستمرت البلاغات عن حالات تفشّي الفيروس تتردد خلال عام 2019. وبحلول نهاية نوفمبر 2019، أسفر «ميرس-كوف» عن 2,494 إصابة مؤكدة و858 حالة وفاة، تمركزت في دول الخليج العربي، وبلغ معدّل الوفيات المُبلغ عنها 34%.2 وقد تأثّرت الصناعات المتعلقة بتربية الإبل والاتجار بها تأثرًا هائلًا بهذا الفيروس، إلى جانب ما لحق بالسياحة الدينية من جرَّائه. بدا إطلاع المجتمع الدولي على أمر الفيروس متفاوتًا، ولكنه تحسّن مع مرور الوقت، وكذا كان حال التعاون الدولي.

بعث فيروس «ميرس-كوف» برسالة تذكير من وقت قريب، مفادها أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، شأنها شأن غالبية دول العالم، ليست مستعدّةً لمواجهة جائحة. فقد كان معظم حالات الإصابة بالفيروس في الخليج العربي. وعلى الرغم من ارتفاع مستوى الدخل في بلدان الخليج المتضررة، لم تكن المستشفيات على استعداد للتعامل مع الفيروس. بل في حقيقة الأمر، وقعت الغالبية العظمى من حالات تفشّي المرض في المستشفيات أو ارتبطت بمرافق الرعاية الصحية.3

وفي محاولة للتعامل مع فيروس «ميرس-كوف»، عملت الدول المتضررة على تعزيز نُظمها للرعاية الصحية. فمثلًا، استثمرت وزارة الصحة السعودية في تحسين سُبل مكافحة العدوى على مستويات عِدَّة في نظام الرعاية الصحية لديها، بدءًا من مراكز غسيل الكلى وصولًا إلى مستشفيات الرعاية الثالثية. وركّزت المملكة العربية السعودية على تدريب العاملين بمنظومة الرعاية الصحية على سُبل مكافحة العدوى، فضلًا عن تحديد الحالات المُشتبه في إصابتها بالفيروس. وهذه الجائحة الراهنة تختبر ما إذا كانت تلك البروتوكولات المُحسَّنة ستصنع فارقًا في البلدان التي سبق أن عصف بها فيروس «ميرس-كوف».

 استجابة الصحة العامّة لا بد أن تشمل الجميع

إن العمال المهاجرين ببعض البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا معرضون للخطر بصفةٍ خاصة، ولا سيما مع محدودية فرص وصولهم إلى الرعاية الصحية التي عادةً ما تكون متدنّية الجودة.4-6 ويعيشون غالبًا في أماكن ضيقة تعجّ بساكنيها، وهو ما يُشكّل خطرًا هائلًا للإصابة بعدوى فيروس كورونا المستجد، ويُضاف إلى ما سلف الضغوط الكامنة التي عادةً ما يتعرّض لها المهاجرون بسبب ظروف عملهم وأحوال معيشتهم، وابتعادهم عن ديارهم، وعدم اليقين بشأن آفاق مستقبلهم، وهو ما يزيد من خطر الاعتلال الشديد إثر التعرّض لمسببات الأمراض. في العالم العربي، أُعيد الآلاف من العمال المهاجرين إلى جنوب آسيا وبلدان أخرى بعد تقارير تفيد بأن ثمّة نسبة كبيرة من حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19 بين مجتمعات العمال المهاجرين.6-7 والعديد من البلدان التي استقبلتهم -بينما تعاني غالبًا من انخفاض الدخل، وتواجه بالفعل أزمات اجتماعية واقتصادية على خلفية فيروس كورونا المستجد8- لم تتمكّن من تيسير تدابير ملائمة للحجر الصحي الذاتي أو المتابعة اللاحقة، مما زاد من خطر حالات تفشي فيروس كورونا المستجد أكثر فأكثر.

أمّا النازحون داخل بلادهم واللاجئون، فيشكّلون مجموعةً كبيرة أخرى مُعرضة للخطر مُشتتة في معظم أرجاء الشرق الأوسط، وعادةً ما تتجاهلهم الحكومات ولا تتسنَّى لهم فرص الوصول إلى الرعاية الصحية. وتفتقر العديد من هذه القطاعات السكّانية إلى ما يكفي من الغذاء أو الماء أو مرافق الصرف الصحي، مما يجعلهم معرّضين بشدة لظروف صحية سيئة، وهو ما يَزيدُ بدوره من خطر الوفاة إثر فيروس كورونا المستجد. وعلاوةً على ذلك، وكما هو حال العمال المهاجرين، فإن الضغوط المزمنة تجعل تلك المجموعات أكثر عرضةً من غيرها لمواجهة عواقب كوفيد-19 الوخيمة. كما أن القيود المفروضة على الحركة تضع عوائق إضافية أمام وصولهم إلى مصادر الدخل والموارد، مما يشكِّل تهديدًا كبيرًا على الصحة النفسية والبدنية للاجئين.

يستضيف الأردن على أراضيه عددًا كبيرًا من اللاجئين، ويعكف على وقاية قطاعات السكّان من الإصابة بالفيروس، وهي غاية يعمل البلد على قدمٍ وساقٍ لتحقيقها.

لا يزال اللاجئون والنازحون داخل بلادهم في أجزاء أخرى من المنطقة أكثر عرضةً للخطر، ولا سيما في اليمن وسوريا؛ فإذا أصاب الفيروس تلك البلدان، ستفتك الأزمات الإنسانية القائمة بالفعل بالسكان المتضررين.

 تمكنت جميع دول المنطقة تقريبًا من إغلاق دور العبادة والمدارس، وتقليص ساعات عمل متاجر التجزئة والأسواق. وتلك الاستجابة، رغم عدم سلاسة تطبيقها، قد سلّطت الضوء على مدى الجدّية التي تعاملت بها الكثير من البلدان في المنطقة مع الجائحة. يتبقّى أن نرى هل بوسع المنطقة الاستجابة من خلال تحسين البنية التحتية وتحقيق الإنصاف في المجال الصحي، إلى جانب التعاون الإقليمي، أم ستدفع تلك الجائحة باضطرابات سياسية واقتصادية واسعة النطاق وتقوّض نُظم الرعاية الصحية بشكل أكبر في العديد من دول المنطقة.

  1. Amira Roess is a professor of global health and epidemiology at George Mason University, US. She is an epidemiologist with expertise in infectious disease epidemiology, multi-disciplinary and multi-species field research, and evaluating interventions to reduce the transmission and impact of infectious diseases. Roess currently oversees several longitudinal studies to understand the emergence and transmission of zoonotic infectious diseases globally. She also studies mHealth (especially apps) technology integration and evaluations to reduce the impact of infectious disease outbreaks, promote healthcare and reduce health disparities. Her current studies are in the US, Bangladesh, Egypt and Ethiopia. 
  2. World Health Organization. Middle East respiratory syndrome coronavirus (MERS-CoV). MERS Monthly Summary. November 2019.
  3. World Health Organization. Middle East Respiratory syndrome coronavirus (MERS-CoV). March 2019.
  4. Batniji, R. et al. Governance and health in the Arab world. The Lancet 383(9914), 343–55 (2014).
  5. Kumar, R. & Jamil, R. Labor, health, and marginalization: A culture-centered analysis of the challenges of male Bangladeshi migrant workers in the Middle East. Qualitative Health Research https://doi.org/10.1177/1049732320922180 (2020).
  6. Liu, L. et al. Determinants of healthcare utilisation by migrant workers in the State of Qatar. Health Policy https://doi.org/10.1016/j.healthpol.2020.04.011 (2020).
  7. Migrant workers in cramped Gulf dorms fear infection. The Economist. April 23, 2020.
  8. Kiley S, Salem M. Coronavirus leaves the Gulf's migrant workers in limbo, with no income and no easy way out. CNN. May 9, 2020.