خلف منضدة خشبية بسيطة، جلس "يوشيرومي أيشينو" بصحبه زميله "إيه ناكاتا" يتناقشان حول كيفية تسلل النوكليوتيدات –الوحدات الأساسية للحمض النووي- لبكتيريا "إي كولاي"، وضعا أمامهما أوراقًا تحوي المعلومات الأساسية لتلك البكتيريا الأكثر انتشارًا والتي تُسبب أمراضًا معوية للإنسان.

 كان الغرض الرئيسي من التجربة معرفة النشاط الإنزيمي لتلك البكتيريا المُمرضة، نجحت الطريقة التي استخدمها العالمان اليابانيان في الكشف عن الأمر، وقادتهم الصدفة لكشف سر آخر لم يكن في الحُسبان.

فقد وجد "يوشيرومي" وصديقه تسلسلًا غريبًا وغير اعتيادي في تلك البكتيريا؛ إذ لاحظا أن نحو 29 وحدة أساسية من الحمض النووي "نيوكليوتيد" تتكرر وتنسخ نفسها بدقة.

 لم يكن الأمر معتادًا في ذلك النوع من البكتيريا، فكتبا ما توصلا إليه في ورقتهم العلمية، ولكن دون تفسير. كان ذلك في عام 1987، وبعد نحو 13 عامًا، عثر باحثون آخرون على سلسلة من التكرارات القصيرة المنظمة في أنواع متعددة من البكتيريا.

 وفي عام 2002؛ وجد "رود يانسن" و"جاي إيشينو" من جامعة أوتريخت الهولندية التكرارَ نفسه في بكتيريا السالمونيلا، ليُطلقا عليه "التكرار العنقودي المتناوب منتظم التباعد" أو المعروف اختصارًا بـ"كريسبر".

سنوات مضت على استخدام المصطلح، عرف العلماء خلالها أن البكتيريا تستخدم ذلك التكرار في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الفيروسية.

ثورة جديدة

 وبعد مضيِّ عدة سنوات على هذا الاكتشاف، استلهم باحثون من طريقة النسخ والتكرار التي تستخدمها البكتيريا لحماية نفسها أداةَ تحرير جينية، تعتمد على إنزيم يُدعى "كاس 9" له القدرة على البحث عن التكرارات الموجودة في الجينات المعطوبة وتعطيل عملها، عبر إحلال أخرى سليمة محلها.

بدأت الثورة، التي عُرفت باسم "كريسبر –كاس 9"، وبدأ معها صراع جديد في المحاكم بين الباحثين، إذ زعم ثلاثة –أمريكيان وصيني- امتلاك كلٍّ منهم للحقوق الأدبية والمالية لذلك الابتكار، الذي سيشكل ثورة جديدة في عالم التحرير الجيني، وسيؤدي إلى علاج الكثير من الأمراض الوراثية شديدة الصعوبة، وسيجلب لمالكه ملايين الدولارات.

حُسم الصراع القانوني لصالح معهد برود، وذهبت الحقوق إلى الباحث الصيني "زينج فينج"، غير أن أداةً جديدة مُعتمدة على مبدأ "كريسبر كاس 9" قد تجذب البساط من تلك التقنية، وتجعل الحقوق المالية لذلك المعهد -بصفته المالك الوحيد للتقنية- في مهب الريح.

فقد تمكَّن فريق بحثي مشترك من جامعة ستانفورد والمعهد الأوروبي للتكنولوجيا، من تطوير نوع جديد من أدوات التحرير الجيني، يُسمى "ماجيستيك" له قدرة أكثر دقةً بسبع مرات من أداة "كريسبر - كاس 9" على البحث واستبدال الجينات المعطوبة.

ووفق الورقة البحثية المنشورة في مجلة نيتشر بايوتكنولوجي، فإن الأداة الجديدة تسمح بإحداث تغييرات جينية في أحجام أقل من تلك التي يعمل عليها كريسبر.

البحث داخل النص

يشبِّه باحثو الدراسة التقنية الجديدة بالأداة "Ctrl F" [البحث عن نص] في برنامج معالج الكلمات، مع أمر استبدال النص الذي يسمح بالتغيير المطلوب. فوفق الدراسة، تُشَبَّه كريسبر بمقص يُحرر مقالًا صحفيًّا، تقص الأداة كلمات بأكملها، غير أن تلك الأداة يَصعُب عليها قص الأحرف الموجودة في الكلمة الواحدة، ولا تستطيع أيضًا معرفة تأثير إزالة كلمة بكاملها على معنى النص الكامل.

 بطبيعة الحال يُمكن استخدام كريسبر لـ"قص" الطفرات الجينية المُسببة للأمراض، لكن من المستحيل تمامًا معرفة تأثير عملية القص على الجينات. فقدرة تعديل الجين باستخدام كريسبر يتطلب فهمًا واسعًا لكيفية إصلاح الخلايا في مواقع مختلفة عبر الجينوم، حتى يُمكننا التحكم في العملية وفق الحاجة، دون حدوث طفرات عشوائية في مواقع قطع الحمض النووي للخلية، وذلك لأن خيوط الحمض النووي تعود وتلتحم مُجددًا بطرقٍ غير متوقعة، والأكثر من ذلك أن الكثير من الخلايا لا تنجو من عملية التحرير على الإطلاق، وبناءً عليه فإن التوقع الدقيق لتحرير الجينات لا يزال يُشكل تحدِّيًا كبيرًا.

برمجة آلية موثوقة

كان هذا في الماضي القريب، أما الآن، وعبر الأداة السحرية الجديدة "ماجيستيك" فإن الباحثين سيتمكنون من استخدام برمجة آلية موثوقة لقطع المواقع المرغوبة داخل الجين الواحد، تمامًا وكأننا نُحرر حروفًا داخل كلمة موجودة في نص صحفي، فعوضًا عن إزالة الكلمة بأكملها، تُمكِّننا "ماجيسيتك" من إزالة حرف واحد من تلك الكلمة.

بعد إزالة الحرف، يتم توجيه الأداة لإدخال تعديلات مُصممة سلفًا على الحمض النووي، ويُمكن عمل ذلك عبر تزويد الخلية بحمض "متبرع" كقالب لاستبدال التسلسل الأصلي في موقع القطع، وهو الأمر الذي لا يختلف كثيرًا عما يفعله المحررون الصحفيون في كثير من الأحيان في أثناء مراجعة النصوص المكتوبة.

تُشكل العملية التي تبحث فيها الخلية عن الحمض النووي المناسب لإصلاح الأعطاب الجينية تحديًا هائلًا، إذ إن عملية البحث تتطلب مراجعة مليارات من التسلسلات الجينية، تُقدم الأداة الجديدة حلًّا مبتكرًا، إذ تُجند الحمض النووي الجديد "المتبرع به" لصالح الخلية، في عملية يُطلق عليها "التجنيد الفعال للمانحين"، يقوم الحمض الجديد بالبحث بنفسه عن مواقع الخلل، عبر مقارنة تسلسلة بتسلل الخلية المعطوبة، بالضبط هو الحال كما يُقارن جهاز القارئ الضوئي "باركود" البضائع بعضها ببعض، هذا التجنيد يُساعد في إبقاء الخلية على قيد الحياة في أثناء عملية التحرير، بشكل أكثر كفاءةً وفاعلية.

يقول أستاذ علم الوراثة بجامعة ستانفورد "لارس شتاينميتز" والباحث الرئيسي في الدراسة إن تزويد الخلية المعطوية بالحمض النووي المتبرَّع به يسمح للأداة الجديدة بتتبُّع الطفرات في كل خلية على حدة، مشيرًا في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن عمليتي البحث والاستبدلال يتمان "في وقت قصير للغاية" و"بمنتهى الدقة".

لكن، ماذا لو حدث خطأ ما في أثناء عملية التحرير الجيني؟

يرد "لارس" على هذا التساؤل بقوله إن الأخطاء لا تزال واردةً حتى مع استخدام أداة "ماجيستيك"؛ فالإصلاح غير الكامل في الموقع المستهدف سيعمل على "تدمير الجين كله بدلاً من إدخال تغيير دقيق"، ويشير الباحث الرئيسي في تصريحاته لـ"للعلم" إلى أن المخاوف المتعلقة بالسلامة وأمان تلك التكنولوجيا تشمل أيضًا إمكانية حدوث طفرات إضافية غير مقصودة خارج المواقع المستهدفة، إلا أنه يؤكد أن عملية "تجنيد الحمض النووي المتبرع به" تُحسن التحرير وتُعد أكثر أمانًا بكثير من تقنية "كريسبر"، إذ إنها أقل احتماليةً في استهداف المواقع غير المقصودة في الجينوم.

تقريب وجهات النظر

ويرى "سيبليي فونيش" -الباحث في الدراسة- أن استخدام تلك الأداة سيقرب وجهات النظر بين معارضي التحرير الجيني ومؤيديه، فـ"ماجيستيك" ستساعدنا على فهم أعمق لعملية التحرير، وستؤدي في نهاية المطاف إلى تطبيقات أكثر أمانًا، قائلًا في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إن النقاط محل الخلاف "ستُحل من فهم أنظمة التحرير أكثر فأكثر".

ويُشير "فونيش" إلى أن الطريقة "لا تزال بحاجة إلى تدقيق أكثر، ودراسة أعمق، للنظر في فاعليتها، قبل التطبيق على البشر".

وتقول الباحثة المتخصصة في الكيمياء البيولوجية بجامعة ميتشجان "يان زانج" –وهي غير مشاركة في الدراسة- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "إن تلك الأداة ستفتح المجال أمام إمكانية دراسة وظيفة كل حرف جيني داخل الحمض النووي في مختلِف السياقات الوراثية والبيئية، وهو ما سيحسِّن نماذج التنبؤ بخصوص الأمراض الوراثية".

وتضيف: "بالطبع لا نزال على بُعد خطوات من تطبيق ذلك الأسلوب على الثدييات، لكن تلك الأداة قطعت لنا أميالًا في الطريق الممتد على طول النظر، وقرَّبتنا أكثر وأكثر من غاية استخدام التحرير الجيني في التطبيقات العلاجية للإنسان".