قبل عشرات الملايين من السنين، كان قطاعٌ كبيرٌ من الأراضي المصرية مغطى بمسطح مائي شاسع وقديم هو البحر المتوسط الكبير أو "بحر تيثيس"، حيث عاشت كائنات ومفترسات بحرية قديمة لملايين السنين، قبل أن تقود التغيرات والحوادث البيئية إلى انقراض الكثير من هذه الأنواع ومن بينها أسلاف الحيتان، ومنها حوت "باسيلوسورس إيزيس" Basilosaurus Isis، أحد المفترِسات البحرية القديمة التي احتلت قمة الهرم الغذائي آنذاك.

لكن "باسيلوسورس إيزيس"، الذي عاش في وادي الحيتان قبل 37 مليون سنة، سبقه في سلم التطور حوت بدائي آخر، يتراوح عمره بين 47 و41 مليون سنة في عصر الإيوسين، هو "إجيكتوس جيهيني" Aegicetus gehennae، الذي يمثل -وفق دراسة نُشرت اليوم الأربعاء في مجلة "بلوس وان" PLOS ONE- حلقة وصل بين الحيتان الأولية "البروتوسيتيدات" التي كانت كائنات برمائية تسبح اعتمادًا على أطرافها أو أقدامها بشكل أساسي، والحيتان الحديثة التي تسبح اعتمادًا على زعانفها. كما يُعد الحوت موضوع الدراسة "حالة انتقالية بين مرحلة استخدام الحيتان للعمود الفقري في السباحة، والمرحلة التالية التي استخدمت فيها قوة الذيل لتتمكن من السباحة بالطريقة نفسها التي تسبح بها التماسيح".

لقاء في جارة جهنم 

يعود اكتشاف حفريات "إجيكتوس جيهيني" إلى مطلع عام 2007، حين توجه فريق بحثي صغير إلى وادي الحيتان في مهمة تبدو روتينية ومتكررة. في تلك الرحلة توقفت السيارة بـ"محمد سامح"، مدير إدارة الجيولوجيا والحفريات بقطاع حماية الطبيعة في وزارة البيئة المصرية، والباحث المشارك في الدراسة، قبل أن ينطلق هو ومساعداه سيرًا على الأقدام ليكتشفوا أن مفاجأةً سارةً كانت بانتظارهم في "جارة جهنم".

 الصدفة وحدها قادتهم إلى هذا الكشف credit:Gingerich et al in PLOS ONE.

لم يكن "سامح" يبحث عن "إجيكتوس جيهيني"، بل عن صغار الباسيلوسورس، لكن الصدفة وحدها قادته إلى هذا الكشف. "كنت أعلم أن بعض الحيتان تسافر وتهاجر لتصطاد وتترك الصغار في مكان آمن، فذهبت أبحث عن هذا المكان الآمن الذي كانت صغار الباسيلوسورس تأوي إليه"، يتذكر "سامح" في تصريحاته لـ"للعلم". 

ويضيف: "وجدت الكثير من بقايا الحيتان ذات الفقرات الصغيرة، ومن ثم أخذت أسجل الحفريات التي عثرت عليها في ٢٥ موقعًا جديدًا، إلى جانب عشرات من عرائس البحر"، وهو ما دفعه إلى إطلاق اسم "وادي الحيتان الجديد موطن الصغار" على المنطقة التي تقع فيها الاكتشافات الجديدة. 

أطلق الفريق البحثي اسم "إجيكتوس جيهيني" على الحوت المكتشَفة بقاياه "إجيكتوس" نسبةً إلى عظمة الصدر القوية الغليظة، والجزء الثاني من الاسم "جيهيني" نسبة إلى "جارة جهنم".

و"جارة جهنم" هو أحد مواقع منطقة وادي الحيتان، وسمي بهذا الاسم نظرًا لارتفاع درجة الحرارة به في فصل الصيف، ما دفع العمال النوبيين الذين كانوا برفقة الجيولوجي "بندل" Hugh J. L. Beadnell في رحلته الكشفية بالمنطقة في عام 1902 إلى وصف الموقع بأنه "جار جهنم"، أي قريب من نار "جهنم". 

هيكل شبه مكتمل 

في أثناء أعمال البحث والتنقيب، عثر الباحثون على حفرية استثنائية لهيكل عظمي شبه كامل للكائن الذي كان طوله يبلغ 3.5 أمتار ويزن على الأرجح حوالي 890 كيلوجرامًا عندما كان على قيد الحياة، وفق فيليب جنجريتش، أستاذ الجيولوجيا والأحياء القديمة في جامعة "ميتشيجن" الأمريكية، والباحث الأول في الدراسة. من جانبه، يرجح "سامح" أن طول الحوت المكتشف في أثناء وجوده على قيد الحياة كان يتراوح بين 4 إلى 5 أمتار.

Caption جرى العثور على الحفريات المكتشفة في ٢٥ موقعًا جديدًا credit:Gingerich et al in PLOS ONE.

وتُعد أبرز الأجزاء المكتشفة من الهيكل العظمي للحوت هي: 39 فقرة عظمية متعاقبة، وعظمة الفخذ، وعظمة الحوض، وجزء من عظام الفك، وبعض الأسنان، وعظمة القص (الصدر) وعدد من الضلوع، ومن ثم قارن الباحثون هذه الأجزاء التي عثروا عليها بمثيلاتها في الحيتان الأخرى، بالإضافة إلى مقارنة الأطراف الخلفية التي توضح شكل حركة الكائن، وكذلك طول جسم الفقرات والجمجمة بالحيتان الأخرى التي جرى الكشف عنها مسبقًا. 

ووفق نتائج الدراسة فإن شكل جسم "إجيكتوس" يشبه الحيتان القديمة الأخرى في عصره، مثل باسيلوسورس، لكن لديه عظمة قص مختلفة عن غيره من الحيتان. إذ تتسم عظمة القص لديه بقوتها وسماكتها. كما تشير الدراسة إلى أن تموُّج الجزء الأوسط من الجسم والذيل عند "إجيكتوس" منحه المرونة الكافية التي جعلته قادرًا على السباحة. ويتسم "إجيكتوس" بوجود فقرتين صدريتين تحملان ضلوعًا أكثر من غيرها من البروتوسيتيدات المعروفة، واثنتين من الفقرات القطنية أقل. 

وبالمقارنة مع الحيتان السابقة عليه، اتصف "إجيكتوس" بالذيل الطويل، وقوة عظمة القص التي كانت عريضةً ومفلطحةً وتشبه الدرع، كما اتصف بعدم التحام عظام الحوض بالعمود الفقري، وقِصَر أطرافه الخلفية والأمامية مقارنةً بجسمه، بالإضافة إلى اختلاف التركيب التشريحي لعظام الجمجمة الخلفية عن أقرانه. 

أفضل الحيتان القديمة المحفوظة

تشير دراسة سابقة شارك فيها "سامح" و"جنجريتش" أيضًا، إلى أن حوت "الباسيلوسورس إيزيس" الذي أُعلن عن اكتشافه في دراسة نُشرت في يناير هذا العام، كان طوله يبلغ 15 مترًا، ويُعَد ضمن الحيتان الضخمة، إذ يتراوح طول حيتان الباسيلوسورس بين 15 و18 مترًا. وهو ما يعني أن الحوت المكتشَف حديثًا "إجيكتوس جيهيني" يُعد صغيرًا جدًّا، مقارنةً بالحيتان اللاحقة عليه.

يوضح "جنجريتش" في تصريح لـ"للعلم" أن "إجيكتوس جيهيني" يُعد أحد أفضل الحيتان القديمة المحفوظة، كما اتسم باستطالة في العمود الفقري والذيل منحاه مرونةً في الحركة جعلته يسبح بطريقة أشبه بطريقة حركة ثعبان البحر. ويُعد هذا النوع من السباحة انتقاليًّا بين طريقة السباحة التي تعتمد على القدمين في الحيتان القديمة والسباحة بالذيل في الحيتان الحديثة.

Caption أطلق الفريق البحثي اسم "إجيكتوس جيهيني" على الحوت المكتشَفة بقاياه "إجيكتوس" نسبةً إلى عظمة الصدر القوية الغليظة، والجزء الثاني من الاسم "جيهيني" نسبة إلى "جارة جهنم". credit:Gingerich et al in PLOS ONE.

وكان فريق من الباحثين في جامعات فرنسية وبلجيكية، قد أعلن في أبريل الماضي عن تمكُّنه من العثور على حفريات كائن ذي أربعة أطراف وذيل وأقدامه مماثلة لتلك الموجودة في ثعالب الماء، في الصحراء الساحلية لبيرو في أمريكا الجنوبية، قالوا إنه أحد أسلاف الحيتان. ووفق الدراسة التي نُشرت في مجلة "كارنت بيولوجي" فإن أسلاف الحيتان كانت قادرةً على المشي على الأرض بالإضافة إلى السباحة. ويعتقد الباحثون أن هذه الحيتان المبكرة وصلت إلى العالم الجديد عبر جنوب المحيط الأطلسي، حيث سبحت من الساحل الغربي لأفريقيا إلى أمريكا الجنوبية. وساعدتها في ذلك التيارات البحرية الغربية القوية، إضافةً إلى أن القارات كان بعضها أقرب إلى بعض مما هي عليه اليوم.

باب جديد من التساؤلات 

 يرى الباحث الأول في الدراسة أن أهم ما تضيفه الدراسة الحالية إلى معرفتنا بالتاريخ الأحفوري للكائنات الحية هو أن حفريات الحوت المكتشَفة حديثًا تكشف عن نوع جديد من الحيتان القديمة، وتسجل خطوةً مهمةً في تطور حركة الحيتان وتتبُّع السجل الأحفوري لتطوُّر حركتها. كما توضح الدراسة أن الانتقال من السباحة بالقدم إلى السباحة بالذيل كان من خلال تطوُّر جسم الحوت نفسه نحو مزيد من الاستطالة والتموج.

ويوضح أوليفر لامبرت -الباحث في المعهد البلجيكي الملكي للعلوم الطبيعية، والباحث غير المشارك في الدراسة- في تصريح لـ"للعلم" أن ما يجعل الدراسة الحالية مهمةً هو أنها تحتوي على وصفٍ لواحد من أفضل الهياكل العظمية للحوت رباعي الأرجل (إن لم يكن الأفضل) خارج الهند وباكستان. وهو ما يرى "لامبرت" أنه يوفر بيانات عالية القيمة عن تشريح أجسام الحيتان المبكرة التي وصل انتشارها إلى المناطق شبه الاستوائية.

في أثناء أعمال البحث والتنقيب، عثر الباحثون على حفرية استثنائية لهيكل عظمي شبه كامل للكائن الذي كان طوله يبلغ 3.5 أمتار ويزن على الأرجح حوالي 890 كيلوجرامًا عندما كان على قيد الحياة. credit:Gingerich et al in PLOS ONE 

أما "هشام سلام"، مدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية -غير مشارك في الدراسة- فيشير إلى أن هذا الاكتشاف الذي وصفه بـ"الإلهام" لا يُعد فقط تسجيلًا لفصيلة جديدة من أسلاف الحيتان البدائية لأول مرة في وادي الحيتان، بل يُعد أيضًا بمنزلة "كتابة فصل جديد في فهم تطوُّر سلوك السباحة وطريقة العوم عند تلك الكائنات". يضيف "سلام" في تصريح لـ"للعلم" أن الحوت المكتشَفة بقاياه يسمى بالحوت "المحمي"؛ وذلك لامتلاكه عظام قص عريضة ومفلطحة تشبه الدروع إلى حدٍّ كبير.

ويوضح أنه جرى استخراج معظم الهيكل، ممثلًا في عظام الجمجمة و39 فقرة والأطراف الأمامية والخلفية، ويتميز هذا الحوت بعظام حوض غير ملتحمة بالعمود الفقري، وأرجل قصيرة نسبيًّا، وفقرات ظهرية مستطيلة، مما يدل على تكيُّفه التام للعيش في الماء، وعدم استخدام أرجله في السباحة كبقية أفراد عائلته. 

ويرى مدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية أن "هذا الاكتشاف المهم يفتح لنا بابًا لكثير من التساؤلات العلمية عن تطور الحيتان، التي ما زالت إجاباتها مدفونةً تحت رمال وادي الحيتان، وتنتظر مَن يفك شفرتها".