تمثل أدوية الخصوبة أحد العلاجات الرئيسية للنساء المصابات بالعقم بسبب اضطرابات الإباضة، وتُستخدم لتحفيز بويضات النساء بشكل أفضل أو إنتاج بويضات إضافية. وتعمل غالبية أدوية الخصوبة مثل الهرمونات الطبيعية، لضمان عمل الغدد التناسلية الرئيسية بصورةٍ طبيعية في المبيض.

وفي محاولة للوصول إلى أدويةٍ أكثر فاعليةً لعقم السيدات، طوّر باحثون بجامعة "إمبريال كوليدج لندن" البريطانية، دواءً جديدًا يمكن أن يحسِّن الخصوبة لدى النساء اللواتي يعانين من مشكلات في الصحة الإنجابية.

وأضاف الباحثون في دراستهم، المنشورة في العدد الأخير من دورية (Journal of Clinical Investigation) أن الدواء الذي يُطلَق عليه اسم (MVT-602) يركز بالأساس على علاج مشكلة متلازمة تكيس المبايض (PCOS) وهي اضطراب هرموني شائع يؤثر على كيفية عمل المبايض عند المرأة، ويقود إلى مشكلات عدم انتظام دورة الحيض.

ويستهدف العلاج انقطاع الطمث تحت المهاد (HA)، وهي حالة يتوقف فيها الحيض عدة أشهر بسبب مشكلة بمنطقة ما تحت المهاد في مركز الدماغ الذي يتحكم في التكاثر، حيث يتم إنتاج هرمون إفراز الغدد التناسلية (GnRH)، الذي يؤدي دورًا رئيسيًّا في تحفيز الغدة النخامية على إنتاج الهرمونات الطبيعية الأخرى اللازمة لتنضج البويضة وللإباضة، مثل الهرمون المنبِّه للجُرَيب (FSH) والهرمون المُلَوْتِن (LH) اللذَين يرسلان إشارات إلى المبايض لإنتاج هرمون الإستروجين الذي ينظم تدفق إفرازات الرحم المخاطية وسماكتها، وهذا يعزِّز حركة الحيوانات المنوية إلى البويضة ويساعد على الإخصاب، بالإضافة إلى هرمون البروجسترون الذي يُعِد الرحم لبويضة مخصبة.

ويؤثر العقم على حوالي 15% من الأزواج حول العالم، وتقف مشكلات الصحة الإنجابية لدى النساء حائلًا أمام ما يقرب من نصف حالات فشل الإنجاب بين الزوجين. وفي الولايات المتحدة وحدها، يواجه حوالي 12٪ من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و44 عامًا، صعوبةً في الحمل أو في اكتمال الحمل حتى نهايته.

هرمون "كيسبيبتين"

ووفق نتائج الدراسة، فإن الدواء الجديد، وهو عبارة عن حقن، يعمل عن طريق نظام هرمون "كيسبيبتين" (Kisspeptin) الطبيعي في الجسم، لعلاج متلازمة تكيس المبايض وانقطاع الطمث تحت المهاد؛ فالكيسبيبتين هو المنظم الرئيسي للخلايا العصبية التي تسهم في إنتاج هرمون إفراز الغدد التناسلية (GnRH) الضروري للصحة الإنجابية لدى السيدات.

ويُعد "كيسبيبتين" الذي يُصنع في منطقة تحت المهاد بالمخ، هرمونًا مهمًّا لإفراز العديد من الهرمونات الأخرى. وهو يرتبط بمرحلة البلوغ، ويدخل إلى مواقع المستقبلات في الغدة النخامية، ويبدأ تفاعلًا يتسبب في إفراز الغدة للناقلات العصبية التي تسهم في إطلاق هرمونَي (FSH) و(LH). ويمكن أن يؤدي عدم كفاية وظيفة هذا الهرمون إلى العقم، عن طريق منع الدورة الشهرية عند النساء.

وخلال السنوات الماضية، توصل العلماء إلى الشكل الطبيعي للكيسبيبتين، الذي يطلق عليه "كيسبيبتين -54" (KP54) وتم إنتاجه في صورة حقن لعلاج النساء المصابات باضطرابات الإنجاب، لكنه يتطلب جرعات عالية ليعطي نتائج جيدة، لكن فريق البحث طور دواءه الجديد لتحقيق نتائج أفضل من حَقن "الكيسبيبتين" الطبيعي وبجرعة أقل.

يشير إيهاب فاروق القاضي، أستاذ الكيمياء الطبية بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة، إلى أن هرمون "كيسبيبتين" يفرز بصورة طبيعية في الجسم لدى النساء الأصحاء، عبر محور منطقة تحت المهاد في المخ (hypothalamic)، وبالتالي تنتظم لديهن الدورة الشهرية وعملية التبويض، لكن في المقابل، فإن السيدات المصابات بمتلازمة المبيض المتعدد الكيسات أو انقطاع الطمث تحت المهاد (HA)، يعانين خللًا في الـ(hypothalamic)، وينتج عن ذلك سرعة تكسُّر هرمون "كيسبيبتين"، لذلك يتم اللجوء إلى إعطائهن هذا الهرمون في صورة حقن (KP54) لانتظام عمل هذا المحور.

تأثير أطول مدى

ولقياس فاعلية الدواء الجديد، أجرى الفريق دراسته على 24 سيدة، تتراوح أعمارهن بين 18 و35 عامًا، وكان نصفهن من الأصحاء غير المصابات باضطرابات الإنجاب، أما النصف الآخر فهن مصابات بمتلازمة تكيس المبايض أو انقطاع الطمث تحت المهاد (HA).

علي عبّارة، الباحث بقسم أمراض الغدد الصماء والطب الاستقصائي، في إمبريال كوليدج لندن، وقائد فريق البحث، قال: إن الفريق أظهر لأول مرة أن عقار (MVT-602) حقق نتائج أفضل وتأثيرًا أطول مدى في تنشيط وإفراز هرمون (GnRH)، مقارنةً بحقن "الكيسبيبتين" الطبيعي.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن الفريق بحث أيضًا في كيفية اختلاف شكل الغدد الصماء لدى النساء المصابات باضطرابات إنجابية شائعة مثل انقطاع الطمث تحت المهاد (HA) ومتلازمة المبيض المتعدد الكيسات (PCOS)، ووجدنا أن استجابة العقار الجديد كانت سريعةً وكبيرةً لدى اللاتي يُعانين من (HA)، في المرحلة الجُرَيبية (Follicular phase)، وتحديدًا خلال الأيام 1-4 من الدورة الشهرية.

وخلال المرحلة الجُرَيبية تشير منطقة ما تحت المهاد إلى الغدة النخامية لإطلاق الهرمون المنبِّه للجُرَيب (FSH)، الذي يحفز بدوره المبيضين لتكوين أكياس صغيرة تسمى الجُرَيبيات، تحتوي كلٌّ منها على بويضة غير ناضجة، ما يؤدي إلى نضج البويضة الأكثر صحة، وإرجاع باقي البويضات مرةً أخرى في الجسم.

وأشار إلى أن جميع النساء اللواتي تناولن العقار الجديد (MVT-602)، كان لديهن فترة أطول من الهرمونات التناسلية المرتفعة، وتحديدًا (LH) و(FSH)، مقارنةً بفترة تلقِّيهن لحقن "كيسبيبتين" الطبيعي (KP54). وبلغت مستويات (LH) ذروتها في 21-22 ساعة بعد تلقِّيه، وظلت مرتفعةً لمدة 48 ساعة.

وتتفوق تلك النتائج على حقن "كيسبيبتين" الطبيعي، إذ بلغت مستويات (LH) ذروتها عند 4.7 ساعات بعد إعطائه للسيدات، وظلت مرتفعة لمدة 12-14 ساعة، لذلك تم تمديد مدة ارتفاع (LH) بنحو 4 مرات تقريبًا باستخدام العقار الجديد.

وأشار "عبّارة" إلى أنه بسبب مدة تأثير العقار الجديد التي هي أطول بكثير مما هي لدى (KP54)، يمكن إعطاؤه بشكل أقل تكرارًا من (KP54)، مع الحفاظ على درجة تحفيز مستويات الهرمون التناسلي المطلوبة لاستعادة الصحة الإنجابية.

وعن أهمية تلك النتائج، والتطبيقات المفيدة المبنية عليها، نوه بأن طول فترة الهرمونات التناسلية المرتفعة التي يُحدثها العقار الجديد، يفتح الباب أمام تطبيق عدد من السبل لعلاج الاضطرابات التناسلية لدى النساء، ومن ضمنها استخدام علاج الإخصاب في المختبر أو التلقيح الصناعي (IVF)، وفي علاج اضطرابات قصور الغدد التناسلية الوظيفية، مثل استعادة الإباضة لدى مَن يعانين من انقطاع الطمث تحت المهاد (HA).

إضافة مميزة

من جانبه، قال "القاضي": إن الدواء الجديد إذا وصل إلى المراحل النهائية من التجارب السريرية، وتم إقراره، فإنه يُعد إضافةً مميزة للعقاقير التي تستهدف علاج مشكلات الصحة الإنجابية لدى السيدات.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم"، أن العقار يمر الآن بالمرحلة الأولى من التجارب السريرية على البشر، التي تُجرى عادةً على 20 شخصًا إلى 100 شخص، ولا يزال أمام الفريق الكثير من العمل، للوصول بالدواء إلى المراحل النهائية وإقراره من قِبَل هيئة الدواء والغذاء الأمريكية (FDA)؛ لأن النتائج الجيدة في هذه المرحلة لا تعني أن الدواء ناجح، فكم من أدوية وصلت إلى هذه المرحلة، لكنها لم تثبت نتائج جيدة في المراحل المتقدمة للتجارب السريرية.

وعن آلية عمل الدواء الجديد، أوضح أن الدواء الجديد (MVT-602) يعمل من خلال إثارة محور (hypothalamic)، لإفراز هرمون (GnRH) البروتيني المسؤول عن زيادة مستويات هرموني (LH) و(FSH)، وانتظام الدورة الشهرية.

وحول ما يميز العقار مقارنةً بحقن (KP54)، أوضح أن فاعلية العقار الجديد في زيادة هرموني (LH) و(FSH) تستمر بصورة أطول بنحو 4 أضعاف، مقارنةً بحقن (KP54)، وهذا يعني جرعة قليلة بفاعلية أكبر، وهذه الميزة تعتبر كبيرة جدًّا بالنسبة للسيدات؛ لأن ذلك معناه عدد حقن أقل وفاعلية أكبر، وبالتالي فإن ذلك يسهم في تقليل تكلفة العلاج وعدد الحُقن.

واتفقت معه آمال محفوظ، رئيس قسم التوليد وأمراض النساء بكلية طب جامعة طنطا، مؤكدةً أن تقليل عدد مرات الحَقن يجعل المريض يتقبل العلاج بشكل أكبر، لأن هذا معناه ألم أقل وراحة أكثر، بفاعلية أكبر، وهذا ما يحتاجه المريض من أي علاج.

وأضافت لـ"للعلم"، أن هذا العلاج رغم فاعليته التي رصدتها الدراسة، إلا أن العينة التي تمت تجربة الدواء الجديد عليها لا تشير إلى نجاح الدواء بشكل نهائي، بل هي مجرد بداية في طريق طويل من التجارب، لبيان فاعليته وأمانه، قبل إقراره ونزوله إلى الأسواق.

وأوضحت "محفوظ" أن هذا الدواء يحتاج إلى تجارب على رقم ذي دلالة إحصائية ليتضمن 100 شخص على الأقل، يعيشون في بلدان متعددة وبيئات متنوعة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وجغرافيًّا؛ حتى نجزم بصحة هذه الفرضية.

وعقّب "عبّارة" بأن الفريق سيواصل بالفعل إجراء مزيد من الدراسات التي تبحث في النتائج السريرية، مثل استعادة الإباضة، أو معدلات الحمل في عمليات التلقيح الصناعي، بالإضافة إلى دراسات الاستخدام المتكرر للدواء، لرصد إمكانياته وتأثيراته في علاج النساء المصابات باضطرابات الإنجاب.