في المدينة الهادئة الواقعة شمالي بافاريا والمعروفة باسم "نورمبرج"، اندلعت على حين غرة مشاجرة بين شُبان لم يتخطوا بعد عقدهم الثاني. لم تَذكر لنا كُتب التاريخ سبب المشاجرة التى وقعت في عام 1504 وسقط خلالها قتيلٌ لا يُعرف عنه سوى اسمه "جورج جلاسير"، أما صديقه "بيتر هنيلن" ففر متوجهًا إلى دير فرنسيسكاني محلي طلبًا للأمان، استقبله كهنة الدير، وأكرموا وفادته، وخلال أربع سنوات لاحقة، تعلم "بيتر" حرفة أسهمت في تشكيل واقعنا الحالي، صناعة ساعات الجيب.

تُعد تلك الساعات التطبيق الأول للتكنولوجيات القابلة للارتداء، ويُعد "بيتر هنيلن" الأب الشرعي لها، فبعد أن ترك الدير بعام واحد، تمكَّن من صناعة ساعة الجيب الأولى، التي تكالب عليها النبلاء والأمراء في أوروبا؛ لكونها مظهرًا من مظاهر الثراء والعزة، وخلال حياته، تمكَّن "بيتر" من تطوير ساعة الجيب، أصبح حجمها أصغر، ووزنها أخف وسعرها أرخص.

والآن، وبعد أكثر من 5 قرون على ابتكار أول تكنولوجيا قابلة للارتداء، وصل حجم مبيعات تلك التقنيات إلى أكثر من 5.8 مليارات دولار (نحو 103 مليارات جنيه مصري)، وتنوعت أغراضها، فبعضها يستخدم كمُنظم لضربات القلب، وبعضها الآخر يُستخدم لإمداد الأطباء بتقارير مستمرة عن حالة المرضى، ويستخدمها آخرون لمتابعة أدائهم الرياضي، بينما يُفضل البعض استخدامها وسيلةً لتوليد الطاقة، أو لمتابعة بيئة العمل ومراقبة سلامتها.

ومؤخرًا، نجح فريق دولي من جامعات كندية وأمريكية، يضم خمسة باحثين مصريين، في تصميم جيل جديد من المستشعرات الذكية القابلة للارتداء، يمكن أن يُستخدم مستقبلًا في صناعة جلد اصطناعي، أو كداعم للأطراف الاصطناعية وعدد آخر من التطبيقات، فعلاوةً على قدرة التقنية الجديدة على إذكاء الشعور باللمس عند مرتديها، يُمكنها أيضًا أداء وظائف متعددة لا يستطيع الجلد البشري أداءها.

ووفق البحث الجديد المنشور في دورية "أدفنسد ماتريالز" ذائعة الصيت، تمكَّن الباحثون من تصميم نوع جديد من المستشعرات يمكن توظيفه لإنتاج جلد اصطناعي يقترب في ملمسه من الجلد البشري، لكن بمُعامل مرونة وتمدُّد يفوق الجلد البشري بثلاثة أضعاف، ويمكنه يومًا ما مساعدة ضحايا الحرائق على استعادة جلودهم لـ"الإحساس" وحماية آخرين ممن تضطرُّهم أعمالهم إلى التعامل مع الحرائق والنيران.

وتعتبر قدرة الجلد البشري على الإحساس بالضغط والحرارة والبرودة والاهتزاز إحدى وظائف الأمان الأساسية التي يتعامل معها معظم الناس كأمر مفروغ منه دون محاولة لمعرفة آلية عملها. لكن الأمر يختلف تمامًا بالنسبة لضحايا الحروق، وذوي الأطراف الصناعية، وغيرهم ممن فقدت جلودهم قدرتها على الإحساس لسبب أو لآخر.

يقول الباحث في جامعة تورنتو الكندية "عبد السلام أحمد" والمؤلف الرئيسي للدراسة وقائد المجموعة البحثية: إن المستشعر الجديد الجديد اعتمد فى فكرته على تقنية تُعرف بالمحركات النانوية، تمتاز بأن لها قدرةً فائقةً على توليد إشارات كهربية في حالة التلامس.

صمم باحثو الدراسة مستشعرًا يمكنه محاكاة خصائص الاستشعار لدى الجلد، كالقدرة على تحديد الضغط ودرجة الحرارة والاهتزاز، بالإضافة إلى خصائص تفوق قدرات الجلد البشري، كالقدرة على اكتشاف الحقول المغناطيسية والموجات الصوتية.

تقنية قابلة للارتداء

في ذلك العمل، قام الباحثون بتطوير مُحرك نانوي له قدرة استشعار عالية مُتعددة الوظائف، يعمل ذلك المُحرك كمنصة استشعار ذكية ومتقدمة يُمكن أن تُثار بواسطة أنواع مختلفة من المحفزات الميكانيكية، بما في ذلك القوى الذاتية، كقوة الضغط والشد والاهتزاز الناجمة عن حركة الجسم، أو بواسطة قوى خارجية أخرى مثل المجالات المغناطيسية والصوتية، وبالتالي، يُمكن استخدام تلك الأداة كجهاز استشعار ذاتي بدمجه في جسم الإنسان عبر ثلاثة ترتيبات مختلفة؛ إذ يُمكن ارتداؤه كخاتم أو سوار أو حتى دمجه مع الملابس العادية، وهو ما يفتح نهجًا جديدًا للتكنولوجيات القابلة للارتداء تتمثل في كونها جهاز استشعار سلامة ذاتي التشغيل.

ويتكون المحرك النانوي من عدة طبقات رقيقة من المطاط عالي التمدد، يحتوى بداخله على ذلك السائل الغني بالجزيئات النانوية متناهية الصغر، لما يمتلك من خصائص مغناطيسية قوية، يُمكنه أن ينبه الإنسان في حالة تعرُّضه لموجات مغناطيسية قد تؤثر على صحته.

الطريقة التي يعمل بها ذلك الجهاز تشرحها ببساطة الباحثة في مجال الكيمياء بجامعة "كونتيكيت" الأمريكية "إسراء الصناديدي"، واحدة من الفريق الذي ابتكر تلك التقنية، بقولها: دعنا نتخيل عاملًا داخل مستشفى، طُلب منه إحضار أسطوانة أكسجين لغرفة عمليات، يقوم العامل بالتوجه إلى المخزن المخصص، ويحمل الأسطوانة، ثم يُقرر اختصار الطريق والمرور بالأسطوانة المعدنية داخل المكان المُعد لتصوير المرضى بتقنية الرنين المغناطيسي، في الوقت ذاته، يقبع مريض داخل جهاز الرنين، ماذا سيحدث في تلك الحالة؟ كارثة.

إذ سيقوم جهاز الرنين بتوليد مجالات كهرومغناطيسية عالية التردد، ستجذب بقوتها أسطوانة الأكسجين، المُخزن داخلها الغاز تحت ضغطٍ عالٍ، ونتيجة ارتطام الاسطوانة بالجهاز، سيحدث انفجار ضخم يُخلف ضحايا وخسائر مالية ضخمة.

تقول "الصناديدي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن تلك الكارثة لم تكن لتحدث إذا ما كان ذلك العامل مرتديًا المستشعر الصناعي الذكي -والذي يُشبه الجلد البشري- المنتَج عبر دراستنا، إذ إن جزيئات "المحلول السحري" التي تقبع داخل الطبقات المطاطية ستستشعر المجال المغناطيسي، فتتحرك وتُعيد ترتيب جزيئاتها في استجابة ميكانيكية تكيُّفية ناجمة عن تأثُّرها بالمجال المغناطيسي، أما الأجهزة الإلكترونية المُدمجة بالجهاز فتقوم بتحذير العامل من الاقتراب من هذه المنطقة، علاوة على إرسال رسائل لاسلكية إلى الفني المتخصص الموجود بالقرب من جهاز الرنين، فيطفئه لمنع حدوث الكارثة.

في الوقت الراهن، تتسابق المعامل التقنية لصناعة أجهزة إلكترونية ذكية قابلة للارتداء، ولكن، يبقى دمج أجهزة استشعار مخاطر الأمان في التكنولوجيات القابلة للارتداء تحديًا كبيرًا. تشمل مخاطر السلامة التي يُعالجها المستشعر الجديد مستوياتِ الضوضاء العالية وقوى المجال المغناطيسي التي تُعتبر من عوامل الخطر على صحة الإنسان، ويتميز ذلك الجهاز بالبساطة والحجم الصغير وانخفاض تكلفة إنتاجه وخفة وزنه، ما يجعله مثاليًّا كتكنولوجيا تحفظ السلامة المهنية.

المحلول السحري

في عام 1963، ابتكر عالِم ناسا الشهير "ستيف بابيل" نوعًا من السوائل المغناطيسية الغروانية، أطلق عليه اسم "فيروفلويد Ferrofluid"، سمَّاه العلماء بعد ذلك بالمحلول السحري، يُصبح ذلك السائل ممغنطًا بقوة في وجود المجالات المغناطيسية، وقد استُخدم في ذلك التوقيت كوسيلة من وسائل تحسين الوقود الصاروخي.

 استغل الفريق البحثي ذلك السائل السحري في تصنيع ذلك المستشعر الفائق، وطوروه ليُكسبوه خصائص مضادة للمياه، وكفاءة عالية في البيئات الرطبة، ووفق "إسلام موسى" الباحث في جامعة "كونتيكيت" الأمريكية وأحد مبتكري التقنية، جرى اختبار الجهاز تحت الماء وثبت عمله بكفاءة كاملة. وقال موسى في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الجهاز يُمكن أن يُستخدم "لمتابعة حركة الأطفال في حمامات السباحة، وترجمة إشارات أجسادهم وإرسال رسائل لاسلكية في حالة احتمالية الغرق".

إلا أن هناك ميزة أخرى حصرية في ذلك الجهاز، على حد قول "إسلام"، ألا وهي قدرته على شحن ذاته من خلال حركة الهواء أو حركة الجسم. تُعرف تلك الطريقة في الشحن باسم "حصاد الطاقات"، وفيها، تقوم الجزيئات النانوية بتحويل طاقة الرياح أو الطاقة الحركية إلى كهرباء فتُمد الأجهزة الإلكترونية المُدمجة في المستشعر بالطاقة اللازمة لتشغيلها.

يرى الباحث في جامعة فرجينيا تك الأمريكية والمتخصص في حصاد الطاقات الصغيرة "محمد زكريا" –لم يُشارك في الدراسة- أن الطريقة التي اعتمدها الباحثون لإمداد المستشعر الجديد بالطاقة اللازمة لتشغيله "ذكية" للغاية، مشيرًا إلى أن إمداد التقنيات القابلة للارتداء بالطاقة اللازمة لتشغيلها "ظَل عقبةً في طريق تطورها"؛ إذ تحتاج تلك المستشعرات إلى طاقة كهربية مستمرة لتعمل دون توقُّف، "لا سيما في أجهزة السلامة المهنية التي يجب أن يرتديها العاملون على مدار الساعة".

ويُحاول العلماء منذ عقود استخدام تقنيات حصاد الطاقات الصغيرة لإمداد المستشعرات والأجهزة الإلكترونية بالطاقة اللازمة لتشغيلها، تعتمد تلك التقنيات على تحويل الطاقات الموجودة حولنا في البيئة –كطاقة الهواء السيّار والموجات الكهرومغناطيسية- إلى كهرباء بكميات صغيرة تكفي بالكاد لإمداد تلك المستشعرات بالطاقة اللازمة للتشغيل.

ويشير "زكريا" إلى أن الجهاز المنتَج "خطوة إلى الأمام" في مجال دمج أجهزة استشعار مخاطر بيئة العمل بجسم الإنسان، مؤكدًا أن المرونة غير العادية التى يتمتع بها ذلك المنتج  "ستسهل عملية الدمج، وستجعل الجهاز ذا اعتمادية عالية".

بالفعل، قام الباحثون بصناعة نموذج أولي من ذلك المستشعر، ويخطط الفريق لإضفاء مجموعة من التحسينات على الجهاز تمهيدًا لتسويقه خلال العامين القادمين. يقول إسلام إن تلك الخطوة من شأنها إكساب البشر قدرةً غير عادية على استشعار الموجات الضارة، كقدرة أبطال هوليوود الخارقين، "لكن بصبغة مصرية لا أمريكية".