يمثل الاكتشاف المبكر إحدى أكثر الطرق نجاحًا في الوقاية من سرطان عنق الرحم، رابع أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين النساء في جميع أنحاء العالم. الأرقام التي سُجلت في عام 2018 تكشف حجم انتشار هذا المرض، الذي أصاب 570 ألف حالة جديدة، وأودى بحياة 311 ألف امرأة حول العالم، مثّلت 7.5% من جميع وفيات السرطان من الإناث، وكان أكثر من 85% من هذه الوفيات في بلدان ذات دخل منخفض ومتوسط، وفقًا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية. هذه الأعداد الكبيرة من الوفيات والإصابات تأتي بسبب الفحوصات غير الدقيقة، والاكتشاف المتأخر للمرض، بالإضافة إلى العدوى المستمرة بفيروس الورم الحُليمي البشري (HPV)، وهو ما دفع فريقًا ألمانيًّا يقوده باحث مصري، لتحقيق إنجازٍ غير مسبوق، بتطوير طريقة ثورية جديدة للكشف المبكر عن مرض سرطان عنق الرحم بدقة 100%.

وأوضح الباحثون، في دراستهم التي نشروا تفاصيلها في دورية "الجمعية الكيميائية الأمريكية" أن الطريقة الجديدة تتميز بأنها أسرع وأدق وأقل تكلفةً من الطرق التقليدية، التي يعيبها عدد من القيود، كالتكلفة المرتفعة والوقت، بالإضافة إلى الاعتماد على كفاءة وخبرات العنصر البشري الذي يُجري الاختبار.

وعادةً، تتضمن علامات الإصابة بسرطان عنق الرحم الأكثر تقدّمًا، والتي تستدعي إجراء اختبار لاكتشاف المرض، نزيفًا مهبليًّا بعد الجماع، أو خلال فترات الحيض أو بعد انقطاع الطمث، بالإضافة إلى إفرازات مهبلية مائية ودموية، يمكن أن تكون ثقيلة ولها رائحة كريهة، والاحساس بألم في الحوض أو في أثناء الجماع.

وفي حديث لـ"للعلم"، قال سمير المشتولي، قائد فريق البحث بقسم الكيمياء البيوفيزيائية بجامعة الرور الألمانية في بوخوم: إن مسحة عنق الرحم، أو اختبار "باب" "Pap" تعتبر طريقة الفحص التقليدية الأكثر شيوعًا لتحديد الخلل الذي يصيب خلايا عنق الرحم، لكن هذه الطريقة تعتمد على التقييم البصري لأخصائي التحاليل، كما أنها تكتشف خلايا السرطان، وما قبل السرطان، مما يؤدي إلى تبايُن في دقة النتائج يتراوح بين 50 و96%. وتستغرق تغيرات عنق الرحم التي تؤدي إلى الإصابة بالسرطان عدة أعوام -10 أعوام أو أكثر في الغالب- حتى تظهر.

وأضاف أن العدوى المستمرة بفيروس الورم الحُليمي البشري (HPV) هي عامل خطر رئيسي لتطور سرطان عنق الرحم، ولاكتشاف هذه العدوى يتم استخدام اختبار (HPV-DNA) للكشف عن شظايا فيروس الورم الحُليمي البشري، وتحديد ما إذا كان المريض مصابًا بأحد أنواع هذا الفيروس عالي المخاطر الذي يتطور إلى سرطان عنق الرحم أم لا. وتابع أنه على الرغم من أن اختبار هذا الفيروس يتحقق من العدوى بدقة تصل إلى 95%، إلا أن دقة النتائج لاكتشاف العدوى في حال استمراريتها بما يجعلها قابلة للتطور إلى الشكل السرطاني تنخفض إلى 84٪، كما أن هذا الاختبار مكلف أيضًا.

وفيروس الورم الحُليمي البشري، هو العدوى الفيروسية الأكثر شيوعًا في المسالك التناسلية، وتصيب معظم النساء والرجال الناشطين جنسيًّا في مرحلة ما من حياتهم، وبعضهم قد تعاوده الإصابة.

منظمة الصحة العالمية، تعتبر أن ثمة أنواعًا كثيرة لفيروس الورم الحُليمي البشري، والعديد منها لا يسبِّب مشكلات، وعادةً تتلاشى حالات العدوى دون أي تدخّل في غضون بضعة أشهر بعد اكتسابها، ويزول نحو 90% منها خلال سنتين، لكن نسبةً ضئيلةً من حالات العدوى بأنواع معينة من الفيروس تستمر وتتطور إلى سرطان عنق الرحم، وهي العدوى التي تنخفض دقة الاختبار التقليدي فيها إلى 84%. ويُعدّ سرطان عنق الرحم أكثر الأمراض المتعلقة بفيروس الورم الحُليمي البشري شيوعًا حتى الآن، ويمكن أن تُعزى جميع حالات الإصابة به تقريبًا إلى العدوى بالفيروس، كما تسبّب تلك العدوى أيضًا أنواعًا من سرطانات الشرج والفرج والمهبل والقضيب والبلعوم الفموي.

طريقة آلية

"المشتولي" أشار إلى أن الفريق البحثي اكتشف أن الطريقة الجديدة التي تم تطبيقها على عدد من مسحات عنق الرحم، تتميز عن تلك الطرق التقليدية -مثل الفحص المجهري لخلايا عنق الرحم الذي يُعرف بـ"Cytology test"، أو اختبار فيروس الورم الحُليمي البشري- بعوامل الدقة، والسرعة، والتكلفة المنخفضة.

credit: Samir F. El-Mashtoly الدكتور سمير المشتولي رئيس المجموعة العلمية لمطياف الرامان بمركز تشخيص البروتين بجامعة الرور بوخوم، والباحث الرئيسي للدراسة، إلى جوار الاستاذ الدكتور كلاوس جيرفيرت، رئيس مركز تشخيص البروتين  بالجامعة.

كما أن أكثر ما يميز الطريقة الجديدة -وفقًا لـ"المشتولي"- أنها تكشف عن سرطان عنق الرحم بصورة آلية؛ لأنها تعتمد على تحليل مسحات عنق الرحم التقليدية، بواسطة تقنية متقدمة للغاية من التحليل الطيفي لمطياف رامان، التي تسمى (CARS) بدقة 100%. ومطياف رامان هو أحد الأجهزة الميكروسكوبية التي تُستخدم في دراسة خصائص المواد وطبيعة حركتها، ويمكنها أيضًا فحص بعض الأنسجة للخلايا الحية ودراستها. وسُميت هذه التقنية على شرف عالِم الفيزياء الهندي، تشاندراسيخارا رامان، الذي اكتشف إحدى ظواهر تَبعثُر الضوء، ونال بفضلها جائزة نوبل في الفيزياء عام 1930.

وعن الخطوات المستقبلية للفريق، نوه بأن هذه الطريقة الجديدة تحتاج إلى التوسع في تجربتها في عدد من المؤسسات وعلى عدد كبير من المرضى، لمزيد من التحقق من صحة النتائج، بالإضافة إلى اختبار مدى دقتها في اكتشاف ما يُعرف بالآفة داخل الظهارة الحرشفية (SIL)، التي يعني وجودها في عنق الرحم أن هناك تلفًا داخل الأنسجة الخلوية أو خلل تنسج فيها، ومدى دقتها أيضًا في اكتشاف المستويات منخفضة الدرجة وعالية الدرجة من هذه الآفات.

نتائج واعدة

من جانبها، اعتبرت مها النجار -استشاري علاج الأورام، والأستاذ المساعد بقسم علاج الأورام، كلية الطب بجامعة أسيوط- أن الدراسة توصلت إلى "نتائج واعدة"، يمكن أن تسهم بشكل كبير في اكتتشاف سرطان عنق الرحم، مبكرًا وبدقة عالية، اعتمادًا على أسلوب متطور من التحليل الطيفي الذي تصل دقته إلى 100%.

وفي تصريحات لـ"للعلم"، أضافت أن الطريقة التقليدية المتبعة حاليًّا في اكتشاف سرطان عنق الرحم تتطلب عادةً أخذ مسحة من عنق الرحم، تُعرض على أخصائي "الباثولوجيا"، وهو فرع من الطب، يُعنى بدراسة طبائع الأمراض والتغييرات التركيبية والوظيفية التي تقترن بها، لتحديد ماهية العينة وإمكانية وجود ورم سرطاني من عدمه، لكن مشكلة هذه الخطوة أنها تخضع عادةً لتقدير هذا المتخصص، ولمدى مهارته في أداء مهماته، وهذا يؤدي إلى عدم دقة النتائج، ناهيك بالوقت الذي يمكن أن تستغرقه هذه العملية.

وأوضحت "النجار" أن ما يميز الطريقة الجديدة عن الطريقة التقليدية المتبعة حاليًّا، أنها أسرع، وأدق، بالإضافة إلى أنها تفحص عددًا كبيرًا من الأنسجة في وقت واحد وبصورة آلية؛ لأنها تعتمد على جهاز متطور للغاية من الرامان، الذي يمتلك القدرة على أداء كل هذه المهمات بسرعة ودقة كبيرتين، وهذا يؤدي بدوره إلى سرعة اكتشاف الورم، وبالتالي تحسين نتائج العلاج.

وتابعت أن الطرق السريعة في اكتشاف الورم مبكرًا، تؤدي إلى تحسين نتائج العلاج، والحد من الوفاة، كما أنها تجنِّب المريضات الوصول إلى مرحلة حرجة تتطلب جراحة لاستئصال جزء من الرحم، أو الرحم بالكامل، والخضوع للعلاج الكيميائي أو العلاج الإشعاعي للسيطرة على الورم السرطاني، وهو ما قد يحرمها من الإنجاب.

وأشارت إلى أن فريق البحث يتحدث عن إمكانية اكتشاف الورم في المرحلة الصفرية، وتعني المرحلة المبكرة جدًّا من الأورام، وهي ظهور خلايا للأورام لكنها تكون غير محسوسة للمريض وتظهر فقط في الأشعة، ولم تصل بعدُ إلى المرحلة الأولى من السرطان التي تتمثل في ظهور أورام محسوسة وانتفاخ في البطن، وعند اكتشافه في هذه المرحلة فإننا نجنِّب المريضات العلاجات الإشعاعية والكيماوية والجراحة، كما نقلل نسب الوفيات بالمرض، على عكس المراحل المتأخرة منه، مثل المرحلة الرابعة، وهي أكثر المراحل خطورةً؛ لأنها لا تصيب العضو والمناطق والغدد المجاورة له فقط، بل يمكن أن تنتشر إلى أعضاء أخرى.

واتفق معها الدكتور محمد جميل -أستاذ جراحة الأورام بالمعهد القومي للأورام، التابع لجامعة القاهرة- مؤكدًا أن أي وسيلة من شأنها تسريع الكشف المبكر عن السرطان، تفيد المرضى بلا شك، وتقيهم ويلات العلاج الكيماوي والإشعاعي، بالإضافة إلى التدخل الجراحي، وتحافظ على حياتهم.

وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن ما يميز الاكتشاف المبكر في المرحلة الأولى وما قبل الأولى أن التدخل الجراحي الذي يتم، يكون عبارة عن عملية استئصال للجزء الذي يبدأ فيه الورم بالتشكل في عنق الرحم، وتتماثل بعدها المريضة للشفاء، فتستطيع أن تنجب بشكل طبيعي، وذلك على عكس المراحل المتأخرة من الاكتشاف، التي تتطلب استئصال الرحم، والخضوع للعلاج الكيميائي والإشعاعي للسيطرة على الورم.

وأوضح "جميل" أن الورم السرطاني في المرحلة الأولى وما قبل الأولى يمكن السيطرة عليه بسهولة؛ لأنه يكون في منطقة محدودة من عنق الرحم، ولم يصل بعد إلى مرحلة الغزو والانتشار في الرحم؛ لأن الورم يبدأ داخل الخلية، ثم ينتشر في مجموعة من الخلايا المجاورة، وإذا انتشر الورم ووصل إلى غشاء عنق الرحم -الذي يُعرف بالغشاء المخاطي المُبطّن لقناة عنق الرحم- فإنه يكون قد وصل إلى مرحلة متقدمة، تستلزم استئصال عنق الرحم.

طرق الوقاية من المرض

وعن أبرز النصائح لتلافي الإصابة بأورام الرحم، أشارت "النجار" إلى أن فرقة العمل المعنية بالخدمات الوقائية الأمريكية تنصح السيدات اللائي تتراوح أعمارهن بين 21 و29 عامًا بإجراء فحص مجهري لخلايا عنق الرحم، يُعرف بـ"Cytology test"، أما النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 30 و65 عامًا فتنصحهن بإجراء فحص مجهري لخلايا الدم، وفحص اختبار فيروس الورم الحليمي البشري، وهو نهج معروف باسم "cotesting" كل 5 سنوات، أو فحص مجهري لخلايا الدم كل 3 سنوات.

وتابعت أنه وفقًا للخدمات الوقائية الأمريكية، يمكن لاختبارات عنق الرحم الكشف عن حالات محتملة التسرطن، لذا يمكن مراقبتها أو علاجها للوقاية من الإصابة بسرطان عنق الرحم، وتقترح أغلب المنظمات الطبية بدء النساء إجراء تلك الاختبارات على أساس روتيني من سن 21 عامًا، وتكرارها كل بضع سنوات.

في حين نصح "جميل" السيدات الأكثر عرضةً للمرض، مثل مَن لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالمرض، أو مَن تعرضن لممارسات جنسية متعددة، بإجراء الفحوصات الدورية، لمحاولة الكشف المبكر عن المرض، والحصول على التطعيم ضد الفيروس، وهو متاح للفتيات والسيدات بعمر 9 إلى 26 عامًا، ويكون التطعيم أكثر فاعليةً في حالة حصول الفتيات عليه قبل النشاط الجنسي.