بالقرب من شاطئ مدينة الإسكندرية المصرية، ترعرع ذلك الرجل الاستثنائي، لا أحد يعرف على وجه الدقة مكان مولده، لكن الجميع يعرف ما تمتع به من حكمة استثنائية، خولت له النظر إلى الظواهر الكونية بنظرة أخرى، لم يكن "إقليدس" كغيره من الرجال السابقين؛ فالرجل -الذي يُعرف بأبي الهندسة- تميز باستنارةٍ داخلية، أضاءت لمَن جاء بعده طريق العلم والحياة.

قبله، لم يكن يُعرف عن الضوء الكثير، فقط شذرات من أقوال الفلاسفة العظماء الثلاثة في اليونان القديمة، سقراط وأفلاطون وأرسطو، أولئك الذين حاولوا جاهدين وضع حجر الأساس في علم فيزياء الضوء. وفي وقت ما -بين 330 إلى 275 قبل الميلاد- نقح " إقليدس" معارف العظماء الثلاثة، وأضاف عليها، ووضع كتابه الموسوعي "البصريات"، الذي شرح باستضافة تقترب من دقتنا الحالية بعض الخواص الضوئية، كخصائص الانعكاس والانتشار والانكسار.

كان كتابه نبراسًا لمن جاء بعده، ففي القرن الحادي عشر، استخدم العالِم العربي "ابن الهيثم" معارف اليونانيين للوقوف عليها بهدف إدراك خواص أخرى للضوء، ليترك لنا موسوعةً أطلق عليها الاسم ذاته الذي أطلقه إقليدس على كتابه "البصريات". ليكشف لنا -بتجارب غاية في الدقة- ملحوظات حول انعكاس الضوء، وانكساره في العدسات والمرايا، عبر استخدام حسابات رياضية وطُرق تجريبية كانت بمنزلة القوة الدافعة للعلوم الحديثة.

أكمل نيوتن ما بدأه إقليدس ومشى في طريق ابن الهيثم، ليكتشف خواصَّ جديدة للضوء، معلنًا أن الشعاع الضوئي مُكون من عدة ألوان، ليأتي بعده الهولندي "كريستيان هيجز" ويقول إن الضوء له طبيعة موجية، ليُثبت "توماس يونج" ذلك الأمر بشكل تجريبي.

ثم تُوِّجت اكتشافات خواص الضوء حين أثبتت الكشوفات العلمية الحديثة أن الضوء هو مجموعة من الفوتونات، وأن الفوتون جسيم أولي يحمل الخواص الكهرومغناطيسية للضوء. توالت بعد ذلك الاكتشافات، حتى وصلت إلى عام 1992، حين أعلن فريق من العلماء أن للضوء خاصية كان يُعتقد أنها قاصرة على الكُتل المتحركة، ألا وهي الزخم الزاوي المداري، أي أنه يمكن للضوء أن يلتوي، ويُعرّف بكونه المكافئ لزخم الحركة الخطية، التي تُساوي سرعة الجسم المتحرك مضروبة في كتلته.

أمر غير متوقع

ومنذ ذلك الاكتشاف، لم تُكتشف أي خواص جديدة للضوء، إلا أن دراسة جديدة تُثبت أن الضوء لا يزال يُخبئ الأسرار، إذ إن له خاصية جديدة، كشفها العلماء قبل أيام، ألا وهي عزم الدوران الذاتي.

مَن منا لم يلاحظ الحركة الدورانية للمياه حين تنساب من صنبور مفتوح على حوض له مصفاة، يُعرف هذا السلوك باسم "عزم الدوران الذاتي"، يعتمد ذلك العزم على شدة اندفاع المياه، ومدى بُعد فتحة الصنبور عن مصفاة الحوض. فكلما زادت قوة الاندفاع والمسافة بين فتحة الصنبور وفتحات المصفاة زاد عزم الدوران. لكن، مَن منا كان ليتوقع أن ذلك الأمر يحدث أيضًا للضوء؟

فوفق ما تقول الدراسة المنشورة في دورية ساينس، يشير فريق بحثي إسباني- أمريكي مشترك إلى أن الضوء يملك خاصية عزم الدوران الذاتي، وهو أمر إذا ما أُضيفَ لخاصية الزخم الزاوي التى اكتشفها العلماء قبل 27 عامًا كاملة- يُمكن أن يَزِيدَ من فهم طبيعة الضوء، ويُسهم في تحسين مجموعة من التطبيقات الحالية للضوء، كما يُمكن أن يُساعد على تقديم تطبيقات جديدة لم يُعرف لها مثيل من قبل.

عرف العلماء من مدة طويلة خاصية جوهرية للضوء، وهي الطول الموجي. في الآونة الأخيرة وجد الباحثون أن الضوء يُمكن أن "يلتوي" مُحدثًا زخمًا زاويًا منظمًا، يدور حول الجسم الواقع عليه في حزم دوامية، تمامًا كالمياه المنسابة من صنبور على مصفاة. ويقول الباحثون في تلك الدراسة إن تلك الحزم يُمكن أن تُسبب ضغطًا على الأسطح المستوية، وتظهر على شكل "دونات" -وهي حلوى من نوع شهير لها شكل يُشبه دائرة مفرغة من الوسط- وهو أمر لم يكن معروفًا عن الضوء على الإطلاق. في هذا الجهد البحثي الجديد، كان الباحثون يشتغلون على حزم زخم زاوي مداري OAM عندما وجدوا أن الضوء يسلك هذا السلوك الذي لم يسبق أن رأوه من قبل.

في تلك الدراسة، أطلق الباحثون حزمتين من أشعة الليزر يبلغ طولهما الموجي 800 نانومتر، لكن بقيم زخم زاوي مداري مختلفة، على سحابة من غاز الأرجون. حين اصطدمت الحزمتان الضوئيتان بجزيئات الغاز، تداخلتا معًا مكونتَين حزمةً واحدةً خرجت من الجانب الآخر من سحابة الغاز. كان التساؤل الرئيسي في تلك الدراسة هو: ماذا سيحدث إذا تداخلت حزم من أشعة الليزر لها زخم زاوي مختلف.

إلا أن الإجابة حملت أمرًا مدهشًا، فحين اصطدمت تلك الحزم بسطح مستوٍ، بدت أشعة الليزر مختلفة الزخم وكأنها هلالٌ قمريٌّ في اليوم الأول من الشهر العربي، لاحظ الباحثون أن فوتونًا في مقدمة الحزمة الضوئية يدور حول مركزه بسرعة أبطأ من الفوتونات في ذيل الحزمة الضوئية. كانت تلك مفاجأة مدوية، حسبما يؤكد أستاذ الفيزياء في جامعة كولورادو "كيفين مايكل دورني"، وهو باحث مُشارك في تلك الدراسة.

ويقول "دورني" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن تلك الخاصية التي أطلق عليها الباحثون فور مشاهدتها عزم الدوران الذاتي للضوء، ليست جديدة فحسب، بل لم يتم التنبؤ بها من الأساس على الإطلاق، "وهو أمر مذهل وغريب"؛ فعلى الرغم من أن الضوء "قُتل بحثًا طيلة عشرين قرنًا من الزمان" لم يتوقع أحدٌ أنه يمتلك تلك "الخاصية العجيبة".

زخم زاوي مختلف

لكن، ما معنى اكتشاف تلك الخاصية أساسًا؟ تقول "مارجريت مورنين" وهي باحثة مُشاركة في الدراسة: إن ذلك الأمر يعني أن الحزم الضوئية ذات الزخم الزاوي المداري المختلف حين تصطدم بحائلٍ مستوٍ يُمكن أن يتغير ترددها بصورة لم تُتخيل من قبل، وهو أمرٌ لم يكن في الحسبان على الإطلاق.

يُعرف التردد بمدى تكرارية الحدث ذاته على نطاق الزمن. حين يتحرك بندول بتردد 1 هرتز على سبيل المثال، يعني ذلك أن الزمن الذي يستغرقه البندول لإكمال دورة كاملة هو ثانية واحدة. كان العلماء يعتقدون أن نبضات الضوء المتداخلة من موجات مختلفة تُنتج ترددًا واحدًا، إلا أن ذلك الأمر ليس صحيحًا على الإطلاق، فالموجة الليزرية التي انطلقت عبر سحابة غاز الأرجون والمكونة من حزم لها زخم زاوي مختلف، خرجت كحزمة واحدة، لكن بتردد مختلف.

فالفوتون في مقدمة الحزمة يدور حول مركزه بسرعة أقل من سرعة الفوتون في ذيل الحزمة، وهو ما يعني أن فحص الضوء على مستوى مكوناته الأولية سيُظهر وجود عددٍ كبيرٍ من الترددات في الحزمة الواحدة، وفق قول "مارجريت" في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

لتلك النتائج انعكاسات كبيرة على التطبيقات المعتمدة على الضوء، فما توصلت إليه تلك الدراسة أكثر بكثير من مجرد وجود خاصية جديدة للضوء، فقد تمكن الفريق البحثي من التحكم بشكل دقيق في تلك الخاصية، وهو ما يعني التوصل إلى طريقة جديدة كُليًّا تُجبر ضوء الأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية على توليد عزم ذاتي يُمكن أن يؤدي مستقبلًا إلى اكتشاف طرق جديدة للتحكم في البصريات.

يُمكن استخدام الخاصية المكتشفة حديثًا في عدد كبير من التطبيقات، تبدأ بُطرق التصوير الميكروسكوبي المعتمدة على الضوء والأطياف، علاوة على إمكانية استخدامها في دراسة سلوك المواد على المستوى النانوي، إذ إن ذلك الفهم الدقيق للطريقة التي تعمل بها الحزم الضوئية سيفتح مسارات جديدة للتفكير بصورة أكثر تعقيدًا في طبيعة الضوء ذاته.

تطبيقات محتملة

يقول "هنري كابتين"، وهو باحث مُشارك في تلك الدراسة: إن الدراسة تفتح الباب أمام تطوير الميكروسكوبات الضوئية، وعلوم طبوجرافيا المواد، غير أنه يؤكد عدم صحة ما ورد في البيان الصحفي الخاص بالدراسة، الذي نشرته دورية "ساينس"، إذ قال البيان إن الاكتشاف سيحسِّن بشكل مباشر أداء الهواتف الذكية ومحركات الأقراص الصلبة.

ويقول "كابتين": إن ذلك الوصف "غير دقيق"؛ فرغم أن الاكتشاف يفتح إمكانيات جديدة في مجال دراسة الفيزياء النانوية وفيزياء المواد فائقة الموصلية والسرعة، إلا أنه لن يغير الفهم السائد بخصوص المواد الحالية المستخدمة في صناعة الأجهزة التكنولوجية.

ويؤكد الباحث أنه ليس من الواضح للفريق العلمي الذي نشر تلك الدراسة –وهو واحدٌ منهم- أن اكتشاف الخاصية الجديدة يُمكن أن يُحسِّن من أداء الأجهزة المحمولة، مشيرًا إلى أن الطريقة التى كُتبت بها النشرة الصحفية "أدت إلى إساءة الفهم، وهو بالتأكيد شيء نرغب في تجنُّبه".