عصف يجتاح الخلايا العصبية بالمخ، وموت لأنسجته، ما يتسبب في تغيرات في الشخصية، وتدهور شديد للذاكرة والقدرات العقلية، تزداد بالتدريج إلى أن يعجز المرء تمامًا عن أداء أبسط المهمات اليومية، إنه مرض «ألزهايمر».

يتم تشخيص مصاب جديد بتلك الحالة المرضية كل 3 ثوانٍ فقط، ويقدر عدد المصابين بها بحوالي 47 مليون شخص حول العالم، الرقم المرشح للقفز إلى ثلاثة أضعاف بحلول العام 2050– وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية.

وتكتمل المأساة مع عدم وجود علاج ناجع لألزهايمر حتى هذه اللحظة، إذ لا دواء يمتلك القدرة على الوقاية من المرض أو إيقاف تدهوره أو الشفاء منه.

لكن يبدو أن هناك أملًا جديدًا يلوح في الأفق، إذ كشفت دراسة بحثية نُشرت مؤخرًا في دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسز" (Proceedings of the National Academy of Sciences) عن قيام فريق من العلماء بتطوير إستراتيجية جديدة لمحاربة ألزهايمر، عبر استهداف ما يُعتقد أنه المسبب الحقيقي للمرض، الأمر الذي سيؤدي إلى تطوير أدوية جديدة يمكنها علاج المرض بالفعل.

تمكن الفريق البحثي -الذي يضم علماء من جامعة كامبردج البريطانية ولند السويدية- من وضع أيديهم على المشتبه الرئيسي في الإصابة بألزهايمر، ومن ثم العمل على استهدافه.

قال "ميشيل فيندروسكولو" –الأستاذ بقسم الكيمياء بجامعة كامبردج البريطانية، والباحث الرئيسي للدراسة- في تصريح خاص لـ"للعلم": "إن الفرضية الرئيسية حول سبب مرض ألزهايمر هي قيام مجموعة من جزيئات البروتين الشاذة التي تدعى "أوليجومر" (Oligomers) بقتل الخلايا العصبية بالمخ، ولأنها جزيئات مراوغة فإن هناك صعوبة في اكتشاف أدوية يمكنها استهدافها"، إلا أنه يعود ويشدد: "طريقتنا الجديدة تُمكِّن من تطوير مركبات قادرة على تقليل أعداد جزيئات الأوليجومر بشكل ملحوظ".

ويتم التعرف على بروتين الأوليجومرات oligomers على نحوٍ متزايد كأحد الأشكال السامة للخلايا في تجمعات البروتين. ومع ذلك، فقد كان من الصعب للغاية استهدافها بمركبات علاجية، بسبب طبيعتها الديناميكية والمتحولة.

للتغلُّب على هذه المشكلة، تقترح الدراسة نهجًا جديدًا، يرتكز على تحديد العلاقة بين تركيب المركبات الكيميائية وفاعليتها، ويُعرف اختصارًا بـ(SKAR).

 يمكّن هذا النهج الجديد من اكتشاف وتنظيم أداء المركبات التي تقلل عدد الأوليجومرات التي تنتج خلال تفاعلات تجميع جزيئات البروتين.

تستعرض هذه الإستراتيجية تركيب جزيئات ببتيدات الأميلويد بيتا (Aβ)، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإصابة بمرض ألزهايمر، من خلال تطوير مركب قادر على الحد بشكل كبير من إنتاج أوليجومرات Aβ. وبما أنها إستراتيجية عامة، يمكن تطبيقها على الأوليجومرات لأي بروتين.

إستراتيجية جديدة

اعتقد العلماء فيما سبق أن السبب وراء حدوث ألزهايمر هو تراكم صفائح وطبقات من نوع من البروتينات الموجودة بالمخ يدعى "أميلويد بيتا" (Amyloid beta)، وذلك بسبب حدوث مشكلة في أثناء عملية تخليق البروتين أدت إلى فقدانه لتركيبه الوظيفي المميز. ويزداد الخلل بعجز الجسم عن تخليص وتصفية تلك الصفائح والطبقات لأميلويد بيتا، مما يؤدي إلى زيادة تراكمها، الأمر الذي يتسبب في حدوث ضرر بالغ في خلايا المخ كما تشير دراسة نُشرت منتصفَ العام الجاري .

لذا فإننا نجد أن غالبية الأدوية التي تم تطويرها خلال العقود السابقة لمجابهة مرض ألزهايمر تستهدف منع تراكُم صفائح أميلويد بيتا، لكن تلك الأدوية مُنيت بفشل ذريع في علاج المرض خلال مرحلة التجارب السريرية وقبل طرحها بالأسواق.

فمؤخرًا فقط، توصل العلماء إلى أن الضرر الذي يحدث لخلايا المخ ليس ناتجًا عن صفائح أميلويد بيتا تحديدًا، إذ إن جزيئات أميلويد بيتا قبل تراكمها في صورة صفائح تتجمع في صورة تجمعات صغيرة تُعرف بالأوليجومر، ووجد أن جزيئات أوليجومر تلك هي المسؤولة بشكل أساسي عن الإضرار بالخلايا العصبية للمخ، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور أعراض ألزهايمر المختلفة والإصابة بالمرض.

الإستراتيجية الجديدة التي يعمل عليها الفريق البحثي تتضمن الاعتماد على دراسة علاقة وظيفة المركب الكيميائي وفاعليته بتركيبه وبنيته ثلاثية الأبعاد (Structure−Activity Relationship “SAR”)، وهي إحدى إستراتيجيات تطوير المركبات الدوائية الحديثة.

ويتم فيها دراسة التركيب الكيميائي لمركب دوائي محتمل؛ بغرض تحديد قدرته على تثبيط إنتاج جزيئات الأوليجومر التي يُعتقد بتسببها في المرض، ثم يتم بعد ذلك إجراء تغييرات وتعديلات طفيفة في بنية ذلك المركب الدوائي المحتمل لتغيير خواصه الكيميائية ليصبح أكثر فاعليةً في تثبيط جزيئات الأوليجومر وتقليلها.

وبالتالي يمكن عبر تعديل مركب دوائي واحد الحصول على العديد والعديد من المركبات الدوائية المحتملة، التي تختلف بشكل طفيف في بنيتها عن المركب الأساسي، وتكون أكثر فاعليةً في ايقاف عمل هذه الجزيئات السامة.

وبعد ذلك يتم دراسة تلك المركبات المحتملة العديدة عبر تحليلها باستخدام صبغة "ثيوفلافين تي" (Thioflavin T “ThT”)، وذلك للوقوف على قدرة كل مركب على تثبيط العمليات المسؤولة عن تكوُّن جزيئات الأوليجومر ومن ثم تقليل أعدادها. ومن خلال تلك النتائج يمكن المقارنة بين فاعلية المركبات المعدلة المحتملة؛ للوقوف على أفضلها في محاربة الأوليجومر، وبالتالي استهداف ألزهايمر.

وبهذا يمكن عبر تلك الإستراتيجية عمل تطوير ممنهج لمركبات دوائية، قادرة على تقليل أعداد جزيئات الأوليجومر المتكونة من جَرَّاء تراكُم بروتينات أميلويد بيتا؛ بغرض علاج ألزهايمر.

يضيف "فيندروسكولو" في هذا الصدد: "أعتقد أن طريقتنا تمثل طفرة؛ لأنها الأولى من نوعها التي تتيح تطوير مركبات دوائية بطريقة منهجية تستهدف جزيئات أوليجومر المسببة للمرض".

مجرد أداة بحثية

لكن هل يمكن لتلك الإستراتيجية الجديدة أن تُحدث ثورةً في علاج مرض ألزهايمر بالفعل؟ يجيب عن هذا السؤال "كيث فارجو" -مدير البرامج العلمية والتوعية بمؤسسة ألزهايمر بالولايات المتحدة الأمريكية– في تصريح خاص لـ"للعلم"، قائلًا: "يمكن لتلك الأفكار التي تتناولها الدراسة أن تساعد في تطوير أدوية لمرض ألزهايمر، لكنها في نهاية المطاف مجرد أداة بحثية.. قد تساعد تلك الوسيلة البحثية في المضي قدمًا، لكن يجب التأكيد على ضرورة اتباع العديد من الإستراتيجيات لمواجهة المرض، وهناك –بطبيعة الحال- العديد من الأفكار الجيدة التي تستحق تنفيذها".

في السياق ذاته، يوضح "دافيد رينولدز" –المدير العلمي المسؤول بمنظمة أبحاث ألزهايمر بالمملكة المتحدة: "تبحث هذه الدراسة كيف يمكن إيقاف تراكم الأميلويد وتحوله إلى تجمعات سامة كما يحدث في مرض ألزهايمر"، مضيفًا أنه من الضروري تحسين مثل تلك الإستراتيجيات التي قد تساعد في تحسين عملية اكتشاف الأدوية وتطويرها؛ لتسريع إيجاد علاجات لمرضى ألزهايمر.

تطوير أدوية جديدة

يسعى الفريق البحثي إلى تطبيق طريقتهم الجديدة في تطوير أدوية لمرض ألزهايمر يمكن طرحها بالأسواق، إذ أسهَمَ في إنشاء شركة تقنية حيوية تحت اسم "رين للعلاجيات" (Wren Therapeutics)، تهدف إلى توفير طرق جديدة لتشخيص ألزهايمر وعلاجه.

يقول "فيندروسكولو" إنهم يخططون لبدء التجارب السريرية الأولى –على الأدوية التي سيعملون على تطويرها- خلال عامين من الآن.

إلا أن البعض يرون أن هذا التصريح قد يكون متفائلًا بعض الشيء، يعلق "رينولدز": "لا يزال هناك الكثير من العمل لتطوير مركبات كيميائية تصلح نواةً لأدوية جديدة، لذا فإن من الصعب التنبؤ بالمدة التي سيستغرقها الأمر لإجراء تجارب سريرية على الأدوية التي يمكن تطويرها عبر تلك النتائج".

وفي الصدد ذاته، يُعرب "فارجو" عن وجود العديد من المعوقات التي تواجه إيجاد علاج لألزهايمر بشكل عام، في مقدمتها عدم وجود استثمارٍ كافٍ في أبحاث المرض ، بجانب تعقيدات المرض، وعدم التأكد من مسبباته بشكل كامل إلى الآن.

لكن في نهاية المطاف يؤكد "فارجو" أن "مؤسسة ألزهايمر على يقين من نجاح مساعي علاج المرض وأمراض الخرف الأخرى، لكن سرعة بلوغ هذا الهدف تعتمد على مستويات الاستثمار والإبداع والتعاون في المستقبل".