هل نظرت للسماء متسائلًا عن سر تلك الخطوط البيضاء التي تخلفها بعض الطائرات بين السحب عند مرورها فوق مدينتك؟

تلك الخطوط -والتي يُطلَق عليها: الخطوط النفاثة، أو خطوط التكثف، والتي تتكون خلف الطائرات- أصبحت موضع خلاف منذ منتصف التسعينيات، حين بدأت أصوات قلقة تعلو بشأنها مشيرةً إلى وجود برامج سرية تديرها الحكومات دون علم الشعوب تقوم فيها برش مواد كيميائية بهدف التحكم في: الزيادة السكانية، أو مصادر الطعام، أو المناخ.

وقد أُطلق على تلك الخطوط اسم: النفاثات الكيميائية أو "الكيمتريل". وبدأ مناصرو تلك النظرية يطالبون الحكومات بالكشف عن أية برامج سرية تقوم بها.

تلك الادعاءات لم يساندها يومًا دليل علمي واحد، وفي نفس الوقت لم تفندها دراسة علمية واضحة تقطع الشك باليقين. إلى أن نشر مؤخرًا مجموعة من الباحثين أول دراسة علمية عن حقيقة وجود تلك البرامج من عدمه، جاءت الدراسة التي نُشرت بتاريخ 10 أغسطس 2016 في دورية Environmental Research Letter، تحت عنوان "تحديد إجماع العلماء ضد وجود برنامج رش جوي سري واسع النطاق".

خطوط التكثف

قامت الدراسة على استطلاعي رأي مختلفين طورهما الباحثون، وقدموا أحدهما لعلماء متخصصين في دراسة الغلاف الجوي وخاصة ما يُعرف بـ «خطوط التكثف»، في حين قدموا الآخر لمجموعة من علماء الكيمياء الجيولوجية المتخصصين في ترسُّبات الغلاف الجوي من أتربة وملوِّثات على سطح الأرض.

وجرى اختيار علماء المجموعتين -وعددهم 77 عالمًا- عن طريق حصر باحثي الدراسات المُحَكَّمة، الأكثر ذكرًا من قِبَل العلماء والباحثين، في هذين المجالين، في إشارة إلى مستوى الأهمية والمصداقية، على أن يكون قد جرى نشرها خلال العشرين سنة الماضية. ويقول د. كين كالديرا -أستاذ علم المناخ بمعهد كارنيجي للعلوم، وأحد باحثي الدراسة-: "قمنا بتجميع قائمة من مؤلفي أفضل 100 دراسة من الأكثر ذكرًا، والتي تدرس ترسُّب الهباء الجوي، وأعلى 100 دراسة من ​​الأكثر ذكرًا على الخطوط النفاثة، وطلبنا من هؤلاء العلماء إبداء آرائهم حولها".

أشارت الدراسة إلى أن معظم المواقع المناصرة لفكرة وجود برنامج «الرش السري واسع النطاق» مثل جيوإنجينيرينج واتش، وجلوبال سكاي واتش، ممن يجمعون المعلومات ويعرضونها على العامة لإثبات وجهة نظرهم، ينحصر محتواها في صور تعرض خطوط تكثيف تظهر وراء مسارات الطائرات في السماء، والتي تبقى لوقت أطول مما يجب، بالإضافة إلى عرضها لنتائج بعض التحليلات الكيميائية لعناصر موجودة في عينات من المياه والتربة والثلج تُظهر ارتفاع نسب بعض العناصر -مثل الباريوم والألومنيوم والسترونتيوم- فيها.

ومن خلال استطلاعات الرأي التى قامت بها الدراسة جرى تقديم بعض من تلك الصور المستخدمة، وكذلك عرض نتائج العينات المنشورة على تلك المواقع على العلماء المشاركين، إذ أجمع 98.7% منهم على أنهم لم يجدوا أي دليل على وجود برنامج الرش السري واسع النطاق، مؤكدين أن الأدلة المستخدمة على تلك المواقع يمكن إرجاعها لعوامل أخرى.

كما أفادت نتائج الاستطلاع أنه فيما يتعلق بخطوط التكثيف للطائرات، فإن هناك العديد من العوامل التى تؤثر في ظهورها، منها: معدلات رطوبة الجو، درجة حرارة الهواء المحيط بالعادم، كمية المياه والحرارة المتدفقتين مع العادم. وتشدد الدراسة على أن كل تلك العوامل تختلف باختلاف المنطقة التى تعبرها الطائرات، وباختلاف نوع محرك الطائرة، ونوع الوقود المستخدم، وعليه يختلف شكل خطوط التكثيف ومدة بقائها في السماء.

وتتكون خطوط التكثيف نتيجة تكثُّف عادم الطائرة في وجود نسب رطوبة معينة، وذلك بعد اصطدامه بالهواء الجوي البارد، مكونًا قطرات مائية تتجمد سريعًا مكونةً ذرات ثلجية تظهرعلى شكل الخطوط النفاثة.

وعلى حسب معدل الرطوبة يتحدد عمر تلك الخطوط، فإذا كان معدل الرطوبة منخفضًا، فإن تلك الخطوط تتلاشى حيث تتبخر الذرات الثلجية سريعًا. أما إذا كان معدل الرطوبة مرتفعًا فستبقى الخطوط مدةً أطول قد تصل إلى ساعات، حيث تبقى ذرات الثلج في الهواء، وتحول بدورها قطرات الماء الموجودة بالهواء المحيط إلى ذرات ثلج.

عينة شاذة

أما وجود الترسبات الجوية لعناصر مثل الألومنيوم والباريوم والسترونتيوم في عينات من المياه والتربة والثلج، فقد علق معظم العلماء على تلك العينات بأنهم خلال حياتهم العملية لم يجدوا أي تغيُّر في المعدلات الطبيعية لتلك العناصر في البيئة. إلا أن عالمًا واحدًا فقط من المشاركين أعلن عن اكتشافه معدلات عالية من عنصر الباريوم في الجو، في عينة واحدة، بمنطقة تتميز بمعدلات باريوم منخفضة في تربتها، وهو ما لم يستطع أن يجد له تفسيرًا علميًّا.

وقال كالديرا معلقًا على أمر العينة: "من المعروف أن مركبات الباريوم -وتتضمن كبريتات الباريوم وكربونات الباريوم- توجد في العديد من الصناعات والتطبيقات، مثل صناعات البلاستيك والمطاط، والإلكترونيات، والمنسوجات، والطوب، والمنسوجات، والورق والزجاج، وكمادة مضافة لمواد التشحيم، والأدوية، ومستحضرات التجميل، وفي حالة تصلب الفولاذ، وفي صناعة النفط والغاز".

وللتحقق من وجود برنامج للرش السري يرجح د. دومينيك ويز -أستاذ الكيمياء الجيولوجية البيئية، بجامعة إمبريال كوليدج في المملكة المتحدة- أن العلماء حينها يجب أن يجدوا مركبات عضوية أو غير عضوية في موضع الرش، ويمكن تحديد ذلك بقياس معدلات تلك العناصر في الهباء الجوي والهواء، أو بواسطة جمع ذرات مترسبة من الهباء الجوي. "هناك العديد من التقنيات التي تُستخدَم للتعرف على تلك المركبات، منها المقياس الطيفي، والليزر"، وفق قول ويز.

محاولة بائسة

أبدى دان ويجينجتون -باحث رئيسي بموقع جيوإنجينيرينج- اعتراضه على ما جاء بالدراسة، معلقًا: "هذا تضليل وأمر غير مهني بالمرة"، وأضاف: "استخدم الباحثون استطلاعات رأي لا أساس لها من الصحة، كما استخدموا عبارات غير علمية مثل "النفاثات الكيميائية"، ولم يستخدموا المصطلحات الصحيحة مثل، "إدارة الإشعاع الشمسي" أو "الهندسة الجيولوجية للهباء الجوي في التراتوسفير"، وغيرها من المصطلحات الأكثر دقة".

وقد استشهد ويجينجتون على ذلك بمقال كتبه لموقعه حول تلك الدراسة، يدور المقال في معظمه حول اتهام أشخاص الباحثين وتبعيتهم وتبعية مؤسساتهم البحثية، والتشكيك في نتائج الدراسة دون دليل علمي أو تفنيد ما توصلوا إليه من نتائج من خلال دراسات علمية مثبتة.

في حين يرى ويجينجتون أن الدراسة هي محاولة بائسة من علماء وحكومات تحاول التستر على برامج سرية متعلقة بالهندسة الجيولوجية يدعمها إعلام مضلل.

يرى كالديرا أن هذه الدراسة تكفي لأن تعطي المجتمع العلمي والجمهور الطمأنينة بعدم وجود تلك البرامج المزعومة، ويرى أن أي دراسات أخرى لاستكشاف هذا الموضوع هي مضيعة للوقت، قائلًا: "مثل تلك الدراسات ستكون كمَن يسألني إذا كان على الناس من قارات أخرى القيام بأبحاث مماثلة لإدانة نظرية أن الأرض مسطحة، يجب أن يتوقف الناس عن القلق حيال ما يُدعى بـ"النفاثات الكيميائية" ويحاولوا استغلال الوقت في عمل شيء مفيد".