أجرى فريق من الباحثين بجامعة "جورجيا" الأمريكية دراسةً هي الأولى من نوعها، استهدفت رصد "الدوافع الأخلاقية" التي تحتمي بها بعض المنظمات (على اختلاف توجهاتها السياسية) لتبرير عملياتها الإرهابية.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية "بوليتيكال سيكولوجي" (Political Psychology)، أن هناك خمسة مبررات أخلاقية تعتمد عليها تلك التنظيمات، وهي "الرعاية ومواجهة الضرر" التي تتعلق بالشفقة والاهتمام برفاهية الآخرين حتى لو كان حيوانًا، وتحقيق "العدالة" التي تتعلق بالمعاملة بالمثل والإنصاف والمساواة، و"الولاء للمجموعة" الذي يختص بمشاعر التضامن تجاه مجموعة محددة والتصدي لأي مجموعات أخرى خارجة عنها، و"احترام السلطة والتقاليد" الذي يرتبط باحترام القادة المحبوبين والتقاليد الجماعية، وتحقيق "النقاء والقدسية" الذي يرتبط بالرغبة في تجنُّب السلوكيات الاجتماعية الفاسدة والتمسُّك بالعقائد النقية، خاصةً فيما يتعلق بالدين والمقدسات.

درس الباحثون -في أطروحتهم المثيرة للجدل- "الفلسفات التأسيسية" و"الأسس الأخلاقية" الخاصة بـ143 منظمة تورطت في ارتكاب عمليات إرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1970، واعتمد الباحثون على بيانات "الاتحاد الوطني لدراسة الإرهاب والاستجابات للإرهاب" (START)، التابع لجامعة "ماريلاند"، الذي يقدم بيانات مفتوحة المصدر تحتوي على معلومات مفصلة عن مختلِف جوانب المنظمات الإرهابية حول العالم.

واعتمد الباحثون على "نظرية الأسس الأخلاقية" (Moral Foundations Theory)، الخاصة بثلاثة أنماط من التنظيمات الإرهابية، وهي التنظيمات التي تُعرف بـ"المتطرفة اليمينية" أو الدينية أو العرقية القومية ذات النزعات الانفصالية، والجماعات الإرهابية التي تُصنف بأنها "يسارية متطرفة"، أو تلك التي تتبنى مناصرة قضية واحدة مثل حقوق الحيوان والحقوق البيئية، والمنظمات الإرهابية التي نشأت في الشرق الأوسط؛ لرصد الاختلافات بينها وبين المنظمات التي نشأت في الأمريكتين وأوروبا.

التنظيمات المتطرفة اليمينية

وأوضحت الدراسة أن "الأسس الأخلاقية التي يتخذها أعضاء المنظمات "المتطرفة اليمينية أو الدينية أو العرقية القومية ذات النزعات الانفصالية" لتبرير عملياتهم الإرهابية تختلف من تنظيم إلى آخر؛ فعلى سبيل المثال يمثل "الولاء للمجموعة" المبرر الأكبر بالنسبة لعناصر منظمة "كو كلوكس كلان" المعروفة اختصارًا بـ"KKK"، وهي منظمة أمريكية تأسست عقب انتهاء "الحرب الأهلية" الأمريكية التي استمرت لمدة أربع سنوات (1861-1865)، واستمر نشاط المنظمة حتى سبعينيات القرن الثامن عشر، وذلك قبل أن تعاود نشاطها منذ عام 1915 حتى الآن، وتؤمن المنظمة بتفوق الجنس الأبيض ومعاداة السامية والعنصرية ومعاداة الكاثوليكية وكراهية المثلية، ويستهدف أعضاؤها تكثيف حضور القوات الأمريكية على الحدود لوقف طوفان هجرة الأجانب غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتعزيز ما يصفونه بـ"الثقافة الغربية الفريدة".

أما مبرر "احترام السلطة والتقاليد"، فيُعَد المبرر الرئيسي لمنظمة "لواء جورج جاكسون" (GJB)، التي اكتسبت اسمها من الكاتب الأمريكي ذي الأصول الأفريقية "جورج جاكسون"، الذي لقي حتفه في عام 1971 في أثناء قضائه عقوبة السجن، وتورطت المنظمة التي حملت اسمه في عمليات إرهابية استهدفت الإطاحة بالهيكل الحكومي والنظام الاقتصادي الأمريكي وإنشاء نظام شيوعي.

أما دافع "النقاء والقدسية" فمثَّل مبررًا لمنظمة مثل "كهنوت فينياس" (The Phineas Priesthood) لتبرير عملياتها الإرهابية، وهي منظمة تتبنى خطابًا عنصريًّا يقوم على فكرة "إقامة أمة مسيحية مكونة من أصحاب البشرة البيضاء فقط"، ويتبنى أعضاؤها تنفيذ عمليات إرهابية تحت مبرر "إنشاء مجتمع عرقي وثقافي نقي".

وعلى صعيد الجماعات الإرهابية التي تُصنف بأنها "يسارية متطرفة" أو في المقابل تلك التي تتبنى مناصرةَ قضيةٍ واحدة مثل حقوق الحيوان والحقوق البيئية، فتشير الدراسة إلى أن أعضاءها يرفعون مبررات "أخلاقية" لارتكاب أعمالهم الإرهابية؛ إذ تتخذ منظمة مثل "جبهة تحرير الحيوان"، وهي منظمة أممية يلاحقها قسم مكافحة الإرهاب في "سكوتلاند يارد" و"مكتب التحقيقات الفيدرالي"، من دعم حقوق الحيوان وحمايتها من الضرر مبررًا لتنفيذ عمليات غير قانونية، أما "الحركة الثورية المكسيكية" فتتخذ من "السعي نحو تحقيق العدالة والإنصاف" والتصدي للتفاوتات الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية مبررًا لتنفيذ عملياتها الإرهابية.

كما حاول الباحثون بحث الاختلافات بين المنظمات الإرهابية التي نشأت في الشرق الأوسط وتلك التي نشأت في الأمريكتين وأوروبا. وكان المثير للاهتمام، وربما ما يدحض الخطاب السياسي لكثير من السياسيين الأمريكيين، أن هناك عددًا قليلًا جدًّا من الجماعات التي تنتمي إلى الشرق، ارتكبت أعمالًا إرهابية في الولايات المتحدة منذ عام 1970 وحتى اليوم، لدرجة أن الباحثين لم يتمكنوا من عقد أي مقارنات إحصائية ذات مغزى بين الجماعات الإرهابية ذات النشأة شرق الأوسطية والجماعات الإرهابية الغربية.

منهجية البحث

اعتمد الباحثون في أطروحتهم على دراسة ملامح مرتكبي الإرهاب في مجموعة البيانات الأمريكية "ستارت"، التي توفر معلومات عن جميع المنظمات الإرهابية التي ارتكبت هجومًا عنيفًا على أراضي الولايات المتحدة منذ عام 1970.

وعلى الرغم من أنه تم إنشاء مجموعة البيانات "ستارت" في عام 2011، إلا أنه تم تحديثها لتشمل جميع بيانات العمليات الإرهابية التي وقعت على الأراضي الأمريكية حتى أبريل 2016؛ كما قامت "ستارت" بتجميع معلومات عن 143 منظمةً إرهابية "لإنتاج صور منتظمة وشاملة عن الجناة الإرهابيين"، بالإضافة إلى إنشاء أوصافٍ نصيةٍ لتاريخ كل منظمة، وكذلك الفلسفة التأسيسية لكلٍّ منها.

وقام الباحثون بتحديد حجم "المبررات الأخلاقية" الخمسة المؤثرة في كل منظمة، ثم تصنيفها إلى 3 مستويات: أولها "غياب كل المبررات الأخلاقية الخمسة"، والثاني "وجود واحد من المبررات الخمسة"، والثالث "وجود أكثر من مبرر أخلاقي" لدى تلك التنظيمات.

ومن بين 143 منظمةً إرهابيةً اشتملت عليها قاعدة البيانات، ارتبطت 134 منظمة (93.71٪ تقريبًا) بواحد على الأقل من المبررات الأخلاقية (بينها 42 منظمةً ارتبطت عملياتها الإرهابية بدافعين أخلاقيين، و4 منظمات ارتبطت عملياتها الإرهابية بثلاثة دوافع أخلاقية)، أما باقي المنظمات العشر فغابت عنها المبررات الأخلاقية، وظهر مبرر "الولاء للمجموعة" في بيانات 90 منظمة من إجمالي المنظمات الـ134 التي تبنَّت دوافع أخلاقية لتبرير ارتكاب العمليات الإرهابية بنسبة بلغت (62.50٪)، وتبعه مبرر "العدالة والإنصاف" الذي تبنته 49 منظمة (34.26%)، ثم مبرر "الرعاية ومواجهة الضرر" في 20 منظمة (13.98٪)، أما "احترام السلطة والتقاليد" فظهر في 14 منظمة (9.79٪)، وظهر مبرر "تحقيق النقاء والقدسية" في 11 منظمة (7.69٪).

وبشكل عام، تم تصنيف 16 منظمةً من إجمالي عدد المنظمات التي تضمنتها الدراسة على أنها تمثل "الجناح اليميني" بنسبة (11.19%)؛ و31 منظمة (21.68٪) كجناح يساري، وتسع (6.29٪) على أنها دينية، و42 منظمة (29.37٪) على أنها قومية/انفصالية، و39 (أي نحو 27.27٪) كمجموعات فردية. ولم ينجح الباحثون في تحديد أيديولوجيات المنظمات الست المتبقية (4.19% تقريبًا من إجمالي عدد المنظمات التي شملتها الدراسة).

تحفيز العنف

من جهتها، تقول "ليندسي هان"، الباحثة المشاركة في الدراسة، في تصريحات لـ"للعلم": "إن الأبحاث السابقة أظهرت أن المحافظين السياسيين يميلون -على سبيل المثال- إلى إعطاء أهمية أكبر للمجالات الأخلاقية للولاء الجماعي، واحترام السلطة، والنقاء والقداسة، مقارنةً بنظرائهم الليبراليين، بينما يميل الليبراليون إلى إيلاء أهمية قصوى لمجالات الرعاية وتحقيق العدالة".

وتضيف أنه "على الرغم من أن الجماعات الإرهابية تبدو لنا جميعًا في الخارج وحوشًا متخلفة أخلاقيًّا، وأن عناصرها ترتكب أعمال عنف شنيعة وعشوائية، إلا أننا رأينا ضرورة البحث عن  الدوافع التي تحثهم على الاقتناع والالتزام بقضية مشتركة".

وأوضحت: "أردنا التحقق مما إذا كانت دوافعهم الأخلاقية تتسق مع أقرانهم الأقل تطرفًا والذين ينتمون إلى قوى أو أحزاب سياسية، وانتهينا إلى أن الإرهابيين قد يرتكبون عنفًا شديدًا (أي انتهاكًا للمجال الأخلاقي أو الرعاية) من أجل تحقيق بعض الأهداف الأخلاقية التي يؤمنون بها"، (أي الحفاظ على معيار أخلاقي يرونه أكثر أهميةً من باقي المعايير الأخلاقية).

وتشير "هان" إلى أنه "من خلال تسليط الضوء على أهمية المبادئ الأخلاقية التي من شأنها أن تحفز السلوك العنيف لدى عناصر هذه المنظمات وتدفعهم باتجاه تبنِّي مبادئ تعتبر خرقًا للقوانين، يمكن لأعضاء الجماعات الإرهابية إيجاد مسوِّغات لإظهار أعمال العنف التي يرتكبونها على أنها تحركها دوافع أخلاقية".

واختتمت "هان" تصريحاتها قائلةً: بشكل عام، تدل نتائج الدراسة على أن الجماعات الإرهابية لديها منظومات قيمية أخلاقية تحفزها على ارتكاب عملياتها الإرهابية، بل والاستمرار في ارتكابها وفق مبررات تتفق مع قناعاتها الأخلاقية، لقد حاولنا البحث عن الدوافع الإرهابية من خلال توسيع نظرية الأسس الأخلاقية بحيث تمتد إلى النظر في كيفية عمل الدوافع الأخلاقية التي قد تكمن وراء السلوك الإرهابي. ومن خلال تحديد الدوافع الأخلاقية التي تشكل أساس النشاط الإرهابي، يمكن أن تساعد أبحاثنا محاولات المفاوضين وصناع القرار على فهم الجاذبية المتأصلة للجماعات الإرهابية لدى الأتباع المحتملين ومحاولة تلبية الاحتياجات التي تحرض على أنشطتهم الإرهابية، على حد وصفها.

تعميم النتائج

من جهته، يقول "عبد العاطي السيد" -العميد الأسبق لجامعة نايف للعلوم الأمنية- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة يمكن أن تُسهم في خلق قانون عام للبحث النظري في ظاهرة الإرهاب من ناحية الدوافع الأخلاقية، لكن لا يمكن تعميم نتائجها لأكثر من سبب، منها أنها تناولت هجمات الجماعات الإرهابية التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية فقط، كما أن التحليل المعلوماتي الكمي اعتمد على بيانات ومعلومات عن ظاهرة الإرهاب بشكل نظري فقط، بينما تُعَد ظاهرة الإرهاب ظاهرةً شديدة التعقيد، لها جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية مركَّبة للغاية".

بدورها، تقول "نهال لطفي" -أستاذ علم النفس في جامعة قناة السويس- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة أُجريت على قاعدة بيانات حددتها الولايات المتحدة الأمريكية، وتم تحديد العديد من المتغيرات الخاصة بالأفراد المنتمين إلى تلك الجماعات، وأُجري التحليل الإحصائي لتحديد الخصائص والسمات الشخصية الأكثر إسهامًا في قرار الأفراد بالانضمام لتلك الكيانات، لذا يجب تناوُل نتائج تلك الدراسة بحذر وعدم تعميم نتائجها؛ إذ إن قاعدة البيانات تم ملء بياناتها من قِبَل مؤسسات أمريكية، ولم يتمكن أعضاء الفريق البحثي من مقابلة أفراد العينة محل الدراسة ولا تطبيق اختبارات عليهم، بل اكتفوا فقط بالاستعانة بالبيانات المتاحة لدى المؤسسات الأمريكية".

وكانت دراسة نشرتها منظمة الأمم المتحدة في أكتوبر 2017 قد أرجعت أسباب الانضمام إلى تنظيم متطرف عنيف إلى الأفكار الدينية بنسبة (40%)، ثم رغبة الشخص في أن يكون شيئًا ضمن منظومة أكبر من ذاته بنسبة (16%)، والبحث عن عمل (13%)، وتصديق كلام زعيمه الديني (13%)، وعوامل الصداقة والقرابة (10%)، وأسباب عرقية (5%)، والأفكار السياسية للمجموعة (4%)، والمغامرة (3%)، والخدمات المقدمة من التنظيم (3%)، وتصديق المعلم (2%)، والعزلة الاجتماعية (1%)، والتهميش السياسي (1%)، وبلغت نسبة "أسباب أخرى" (3%).