"الكلمة نور وبعض الكلمات قبور"، جملة أوردها المؤلف المسرحي المصري الراحل "عبد الرحمن الشرقاوي" في مسرحيته "الحسين ثائرًا"، جملة ربما لا تختلف كثيرًا عما ذهبت إليه منظمة الصحة العالمية في وصفها لتأثير التغطية الإعلامية لحوادث "الانتحار" بأنها لا تقل سحرًا عما يُعرف في الأدبيات العالمية بـ"تأثير باباجينو"، نسبةً إلى بطل أوبرا "الناي السحري" في رائعة الموسيقار النمساوي الشهير "موتسارت"، والتي يصور فيها صياد الطيور "باباجينو" على أنه شخص تنتابه الرغبة في الانتحار قبل أن يعدل في النهاية عن رغبته تلك، في إشارة إلى أن التغطية الإعلامية السليمة لحوادث الانتحار أشبه بـ"الناي السحري الموجود بين يديه، وكذلك الأجراس السحرية الصغيرة التي كانت لا تفارق باباجينو لحمايته من الاستسلام لفكرة الانتحار".

تقول المنظمة إن "التقارير الإعلامية المثيرة عن حوادث ومحاولات الانتحار من شأنها أن تؤدي إلى زيادة انتهاج السلوكيات المؤدية إليه".

وأوصت المنظمة –وكذلك عدد من المؤسسات والجمعيات الدولية- الصحفيين والإعلاميين بعدم معالجة القصص الصحفية المتعلقة بحالات الانتحار معالجةً توحي بأن الانتحار حل سحري للتخلص من المشكلات، بدلًا من ذلك يجب الكتابة عن الانتحار باعتباره فعلًا سيئًا وليس حلًّا لإنهاء الآلام أو للخروج من الأزمات.

ووفق إحصاءات منظمة الصحة العالمية، يموت شخص كل 40 ثانية منتحرًا، ومقابل كل شخص منتحر يوجد أكثر من 20 شخصًا حاولوا الانتحار، ويبلغ عدد المنتحرين سنويًّا 800 ألف منتحر، مع ملاحظة عدم تسجيل كثير من حالات الانتحار؛ لأسباب تتعلق بالثقافة المجتمعية وعدم إفصاح الأهل بأن الوفاة كانت انتحارًا.

وعن الانتحار وتعريفه والإحصاءات الخاصة به وأسبابه وكيفية الحد منه ودور الإعلام في التعامل معه وتجارب الدول التي نجحت في الحد منه وأسئلة أخرى، أجرى موقع "للعلم" حوارًا مع "خالد سعيد"، المستشار الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية للصحة النفسية والإدمان.

للعلم: بداية ما هو تعريف المنظمة للانتحار؟ وما الإحصاءات الخاصة به على مستوى العالم؟

سعيد: التعريف الذي تعتمده المنظمة للانتحار هو "القتل العمدى للنفس"، ويتكون السلوك الانتحاري من عدة خطوات تشمل التفكير في الانتحار ثم التخطيط له ثم التنفيذ الذي قد يؤدى إلى الوفاة أو لا يؤدي، ووفق الإحصاءات التي تم تحديثها مؤخرًا، فإن هناك 20 شخصًا حاولوا الانتحار مقابل كل شخص تمكَّن من الانتحار بالفعل.

- هل تختلف النسب من دولة إلى أخرى ومن جنس إلى آخر؟

-- يبلغ نصيب الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل 75% من حوادث الانتحار على مستوى العالم، ويُعَد الانتحار ثاني أسباب الوفاة للفئة العمرية التي تتراوح بين 15 إلى 29 عامًا. ويبلغ عدد الرجال المنتحرين ثلاثة أضعاف النساء المنتحرات في البلدان الأعلى دخلًا، بينما تكون النسبة 1.5 رجل مقابل امرأة واحدة في البلاد منخفضة ومتوسطة الدخل.

-وما سر تزايُد عدد المنتحرين من الرجال مقارنةً بالنساء؟

--يرجع ذلك إلى أن الرجال يستخدمون طرقًا عنيفة في الانتحار تؤدي إلى موتهم، مثل إطلاق الرصاص أو القفز من أماكن شاهقة، ما يؤدي إلى زيادة احتمالات نجاحهم في الانتحار، أما النساء فيستخدمن وسائل قد لا تؤدي إلى الموت، مثل الأدوية والمبيدات ومواد التنظيف.

-ما أهم التوصيات التي ينبغي على الإعلاميين اتباعها في أثناء تغطيتهم لحوادث الانتحار؟

--ينبغي على الإعلاميين تقديم رؤى عقلانية وطبية ونفسية يستفيد منها القراء، وتجنُّب وضع صور مؤلمة؛ لأنها قد تدفع إلى مزيد من الاكتئاب والانهيار ومن ثم الانتحار، والاستعانة بمصادر تضم أطباء نفسيين وخبراء في علم الاجتماع؛ لأنهم أهم من الخبراء الأمنيين في تفسير تلك الظاهرة، وعدم إعادة نشر الرسائل التي تركها المنتحر قبل وفاته؛ حتى لا تسبب تأثيراتٍ سيئةً وآلامًا نفسية لدى البعض، وأن تكون الكتابة عن الانتحار دومًا باعتباره فعلًا سيئًا فعله الشخص وليس باعتباره نهايةً للألم أو حلًّا للخروج من المآزق، وكذلك إظهار كل أشكال العون الطبي والنفسي الذي تقدمه مؤسسات الدولة؛ لأن ذلك قد ينفع أشخاصًا آخرين ممن يفكرون في الانتحار، وإذا تحقَّق ذلك يمكن أن تكون التغطية الإعلامية الناجحة من أقصر طرق إنقاذ الشخص من الانتحار.

-ما هو مصدر الحصول على المعلومات المتعلقة بالانتحار حول العالم؟ وما أهم العقبات التي تواجه المنظمة في الوصول إلى إحصاء بشأنها؟

--إحصاءات المنظمة الخاصة بالانتحار مصدرها سجلات الوفاة بالدول الأعضاء، وتسجيل حالات الانتحار معقد؛ لأن هناك دولًا ليس لديها تسجيل موثق للوفيات، وأحيانًا لا يتم ذكر سبب الوفاة، ومن الأهالي مَن ينكر أن الوفاة كانت بالانتحار خوفًا من الوصم، خاصةً في البلدان التي تحرِّم الانتحار وتجرمه، وببساطة فإن هناك أعدادًا كبيرة من الناس يموتون منتحرين دون إحصاء عددهم.

-ما أهم أسباب الانتحار؟ وهل تختلف من ثقافة لأخرى؟

--يأتي السلوك الانتحاري نتيجة التفاعل بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية. وتبقى الأسباب النفسية والإدمان على رأس الأسباب المؤدية إلى الانتحار، وهناك حالات بها تاريخ عائلي من الانتحار، وأصحاب الأمراض المزمنة لديهم قابلية للانتحار أكثر من غيرهم، إضافةً إلى مَن يتعرضون لأزمات نفسية واقتصادية.

- هل الأزمات السياسية من بين الأسباب المؤدية للانتحار؟

--الأزمات السياسية يختلف تأثيرها وفق نوعيتها؛ فعندما يكون هناك عدو خارجي متفق عليه يتوحد المجتمع ويتماسك وتقل حالات الانتحار، ولكن عندما تكون هناك صراعات داخلية وحروب أهلية تزيد حالات الانتحار، خاصةً عندما يرتبط ذلك بالإقصاء والهجرة القسرية والاضطرار إلى ترك الأوطان، والنموذج واضح في الصومال واليمن وسريلانكا بسبب الحرب الأهلية، ولا ننسى أن الانتحار زاد في الاتحاد السوفيتي بعد تفكيكه.

-وماذا عن العوامل الفردية؟

--هناك عوامل فردية، مثل وفاة أحد الأقارب منتحرًا، وفقدان العمل، وإدمان الكحوليات والمخدرات مثل الحشيش والهيروين والكوكايين، كما تؤدي العوامل البيولوجية والوراثية دورًا في إقدام الشخص على الانتحار؛ إذ ترتبط المستويات المنخفضة من هرمون السيروتونين بمحاولات الانتحار الخطيرة لدى المرضى الذين يعانون من اضطرابات المزاج والفصام.

-هل يمكن أن تؤدي التنشئة والتعليم دورًا في تقليل احتمالات إقدام الشخص على الانتحار؟

--عدم القابلية للانتحار يرتبط بالسمات الشخصية التي تحدد قابلية الشخص للتأثر بالأزمات والقدرة على التعامل مع المشكلات ومواجهة صعوبات الحياة. وتُعَد التنشئة على احترام الذات، واتباع نمط الحياة الصحي من خلال ممارسة الرياضة والتغذية السليمة والتواصل الاجتماعي والعمل الجماعي من عوامل التربية السليمة التى تقوم على الإشباع العاطفي والتعبير عن الحب منذ لحظة الميلاد، وكذلك توفير البيئة الآمنة وتجنُّب الصراعات الأسرية، ثم يأتي دور المدرسة من خلال مناهج وطرق التدريس التي تنمي مهارة حل المشكلات، ومن خلال الأنشطة والرحلات وتدريب المدرسين والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين وطبيب المدرسة والممرضين على اكتشاف التلاميذ الذين لديهم مشكلات نفسية تظهر في عدم اندماجهم أو في العنف الزائد أو النشاط الحركي الزائد.

-وما الدور الذي تقوم به المنظمة في هذا المجال؟

--لقد انتبهت منظمة الصحة العالمية إلى أهمية المدرسة للحد من الانتحار مستقبلًا عن طريق تنشئة جيل قادر على التفكير العلمي المنظم ومواجهة المشكلات وإدارتها، وأصدرت دليل الصحة النفسية بالمدارس بالتعاون مع وزارتي الصحة والتربية والتعليم، بحيث يستهدف الأطفال من سن 8 إلى 13 عامًا. وتم تطبيق ذلك في الأردن وباكستان وإيران والإمارات، ويتم تطبيقه حاليًّا على نطاق تجريبي في مصر على 27 مدرسة بمدينة العبور بمحافظة القليوبية بشرق القاهرة.

-هل يؤدي الاكتئاب بالضرورة إلى الانتحار؟

--الاكتئاب يؤدي إلى الانتحار في حالات كثيرة، وتزيد نسب الانتحار بين المكتئبين إذا ارتبط بالإدمان، لكن ليس كل مَن يقول أنا مكتئب ينتحر؛ لأن الاكتئاب له أنواع وأعراض مختلفة، مثل اضطراب الاكتئاب المتكرر، والاضطراب الوجداني ثنائي القُطب.

-ما الدور المطلوب من المحيطين بالشخص الذي يهدد بالانتحار؟

--مطلوب منهم الاستماع باهتمام للشخص، وعدم الاستهانة بالمشكلة وعدم تضخيمها وتعقيدها، ولو تحدث الشخص مع صديقه عن فكرة الانتحار فينبغي على الصديق إخبار أسرة الشخص بذلك، كما ينبغي على الأسرة عدم ترك الشخص الذي يفكر في الانتحار بمفرده، والحيلولة بينه وبين أدوات القتل والانتحار. ولو تطلَّب الأمر يتم عرضه على طبيب نفسي؛ إذ إن نسبة كبيرة ممن انتحروا افتقدوا مَن يستمع إليهم.

-يتعرض أهل المنتحر لضغط نفسى ومعاناة.. ما المطلوب تجاههم؟

--أهم شيء عدم إلقاء اللوم عليهم وتحميلهم مسؤولية الانتحار، وتجنُّب الحديث معهم في التفاصيل.

-ما التجارب الناجحة للحد من حوادث الانتحار؟

-- عندما زادت حوادث الانتحار في الهند والصين باستخدام "التوكسافين" والمبيدات، تم تعديل مواصفات المنتج بحيث لا يؤدي إلى الوفاة، وتم تعديل شكل العبوة وطريقة فتحها لتصبح معقدة، كما أطلقت إسكتلندا إستراتيجية وطنية للوقاية من الانتحار عام 2002 أُطلقَ عليها "اختر الحياة" بهدف خفض معدلات الانتحار، والتي كانت قد بلغت 27 حالةً لكل 100 ألف شخص للرجال و9 لكل 100 ألف بين النساء عام 2001، وركزت الإستراتيجية على توفير خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية وخدمات التوظيف ووضع برامج تدريبية متعددة الاختصاصات لبناء القدرات المهنية لدعم الوقاية من الانتحار، وفي سويسرا وافق البرلمان عام 2011 على مقترح بمطالبة المكتب الاتحادي للصحة العامة بوضع خطة عمل للوقاية من الانتحار عن طريق تنفيذ مشروعات لتقييد الوصول إلى وسائل الانتحار، ومراقبة وسائل الإعلام وتسجيل حوادث الانتحار وأسبابها ووسائلها ومتابعة الأشخاص الذين حاولوا الانتحار، وتوفير خطوط ساخنة لطلب المساندة والمساعدة وقت الأزمة.

-ما السياسات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية للحد من حوادث الانتحار؟

--أعدت المنظمة نموذجًا للإستراتيجيات الوطنية للحد من الانتحار، له مكونات وأهداف وغايات تقوم على دعم نظام متكامل لجمع البيانات يعمل على تحديد الفئات والأفراد القابلة للتأثر، وتقييد وسائل الانتحار بالحد من توافرها وتقييد إتاحتها مثل المبيدات الحشرية والأسلحة، والإعلام بتعزيز المبادئ الأخلاقية لمعالجة حوادث الانتحار، وتقديم خدمات شاملة للأشخاص المعرَّضين للسلوكيات الانتحارية، وتوفير الخدمات للمتضررين من حوادث الانتحار، ونشر الوعي من خلال حملات للتوعية بكيفية الوقاية من الانتحار.