على مدى أكثر من عام ونصف، سلطت جائحة «كوفيد-19» الضوء على العديد من التحديات القائمة في نظام التعليم بالولايات المتحدة الأمريكية وفاقمت منها، بما في ذلك عدم المساواة في الوصول إلى موارد مثل الإنترنت، والحواجز التي تحول دون إشراك الطلاب والأُسر في العملية التعليمية، والحاجة المتزايدة إلى دعم الطلاب، والضغوط التي يواجهها المعلمون خلال أداء مهماتهم الوظيفية.

وتشير دراسة حديثة أجراها باحثون من مؤسسة "راند" -وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تساعد على تحسين السياسات وعملية اتخاذ القرار من خلال البحث والتحليل- إلى أن "واحدًا من كل أربعة معلمين قد يترك وظيفته بحلول نهاية العام الدراسي الحالي (2020-21)، مقارنةً بواحد من كل ستة مدرسين كان من المحتمل أن يغادر مهنة التدريس قبل جائحة كوفيد-19".

ووفق الدراسة، فإن شريحة المعلمين من ذوي الأصول الأفريقية كانوا الأكثر تفكيرًا في الاستقالة من وظائفهم، في حين ذكر معلمو المدارس العامة الذين شملتهم الاستبانة في يناير وفبراير 2021 أن احتمالات تعرُّضهم لأعراض الاكتئاب تزيد بمقدار ثلاثة أضعاف مقارنةً بباقي السكان البالغين العاملين بشكل عام، وأنهم أكثر تعرضًا بمقدار مرتين للإصابة بـ"التوتر المتكرر" المرتبط بالمهمات الوظيفية، والتوتر المتكرر هو حالة نفسية يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب.

ناقوس خطر

تشدد إليزابيث شتاينر -الباحثة في مجال تحسين السياسات في مؤسسة "راند"، والباحثة الرئيسية في الدراسة- على أن "هذه الأرقام تدق ناقوس الخطر؛ إذ إن تزايُد عدد المعلمين الذين يفكرون في تغيير وظائفهم هو أمرٌ بالغ الأهمية؛ نظرًا للمخاوف المتعلقة بنقص المعلمين في المؤسسات التعليمية بالولايات المتحدة الأمريكية".

تقول "شتاينر" في تصريحات لـ"للعلم": تفكير المعلمين في ترك وظائفهم يرتبط بمستقبل الطلاب ومدى إنجازهم وتطورهم، وهو أمرٌ يتطلب وقفةً حقيقيةً لمواجهة ظروف العمل الصعبة، خاصةً في ظل تفشِّي الأوبئة، الفهم الأفضل لمصادر الإجهاد المهني للمعلمين سيساعد واضعي السياسات ومسؤولي التعليم على توفير الدعم المناسب، وقد يحول دون إقدام المعلمين على ترك وظائفهم أو مهنتهم بسبب ظروف العمل المجهِدة.

وسبق أن حذر تقرير أعده باحثون في مؤسسة "جالوب" عام 2014، أي قبل ظهور جائحة كوفيد-19 بأكثر من 6 سنوات، من أن التدريس إحدى أكثر الوظائف إرهاقًا في الولايات المتحدة، وتفاقم الأمر بعد 2020، إذ بدأت طواقم التدريس تواجه تحديات جديدة مرتبطة بالوباء، واكتسب هذا التقرير أهميةً كبيرةً لأنه اعتمد على نتائج مسح أجْرته مؤسسة "جالوب" على أكثر من 600 ألف طالب في الصفوف من الخامس إلى الثاني عشر.

تضيف "شتاينر": بدأ المعلمون مؤخرًا التنقل بين نظم تدريس غير مألوفة، أهمها التعليم عن بُعد، وأصبحت لديهم مخاوف بشأن العودة إلى التدريس المباشر وجهًا لوجه، وكذلك شعورهم بحالة من "الإنهاك" و"الاحتراق النفسي".

و"الاحتراق النفسي" (Burnout) عبارة عن مجموعة أعراض من الإجهاد الذهني والاستنفاد الانفعالي، والإحساس بعدم الرضا عن المنجَز الشخصي والأداء المهني، ويحدث الاحتراق النفسي من ضغوط العمل النفسية نتيجة تضارُب الأدوار وازدياد حجم العمل، وعادةً ما يصيب الأشخاص الذين يتبنون رؤيةً مثاليةً لأداء الأعمال والاضطلاع بالمسؤوليات المهنية، ويرتبط الاحتراق عادةً بالمهمات التي يتعذر على الشخص تحقيقها.

تقول "شتاينر": بالإضافة إلى ضغوط العمل هذه، فإن العديد من ممتهني التعليم -وخاصةً المعلمات- يرعون أطفالهم في أثناء أداء وظائفهم في مجال التدريس، مما يزيد الأعباء الملقاة عليهم، ويمكن أن تؤثر ضغوط العمل سلبًا على الصحة البدنية للمعلمين؛ إذ إن رفاهية المعلم وصحته العقلية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة بيئات العملية التعليمية.

حكر على البيض

رصد الباحثون الضغوط التي واجهها المعلمون في أثناء جائحة كوفيد-19، وكيف ارتبطت هذه بصحة المعلمين، كما درسوا ظروف العمل التي مر بها المعلمون الذين فكروا في ترك وظائفهم بسبب الوباء، وكيف تختلف عن ظروف المعلمين الذين خططوا لترك وظائفهم قبل الوباء، وتلك التي يعمل في ظلها المعلمون الذين لا يفكرون في ترك وظائفهم.

من أجل التوصل إلى النتائج، أجرى فريق البحث استبانةً في أواخر (يناير) وأوائل (فبراير) 2021 لعينة تمثيلية على المستوى الوطني الأمريكي، ضمت 1819 من معلمي رياض الأطفال إلى الصف الثاني عشر من خلال لجنة المعلمين الأمريكيين التابعة لمؤسسة "راند"، وهي إحدى اللجان التمثيلية على الصعيد الوطني الأمريكي، وتتكون من معلمي ومديري المدارس العامة الذين يمكن استطلاع رأيهم بسرعة وسهولة حول مجموعة واسعة من الموضوعات التعليمية الناشئة والعاجلة والمستمرة.

أتم الاستبانة 1006 من المشاركين بصورة كاملة بنسبة بلغت 55.3% من إجمالي عينة البحث، ومن أجل مقارنة إجابات المعلمين بإجابات باقي السكان، أجرى الباحثون استبانةً موازية لقياس ضغوط العمل المرتبطة بمهن أخرى، ومدى رغبة أصحابها في تغيير مجال عملهم، وأجروا استبانةً ثالثة، في مطلع مارس 2021، لقياس أعراض الاكتئاب لديهم.

وقسم فريق البحث المدرسين إلى ثلاث مجموعات فرعية: ضمت المجموعة الأولى المدرسين الذين كانوا لا يفكرون في ترك التدريس قبل الجائحة لكنهم بدأوا بالفعل التفكير في ذلك في أثناء الاستبانة، وشملت المجموعة الثانية المعلمين الذين فكروا في تغيير المهنة قبل الجائحة وفي أثناء الاستبانة، أما المجموعة الثالثة فضمت المعلمين الذين من غير المرجح أن يتركوا وظائفهم التدريسية الحالية، سواء قبل ظهور الجائحة أو في أثناء إجراء المسح.

تقول "شتاينر": طرحنا على المشاركين سؤالًا رئيسيًّا حول احتمال ترك وظائفهم بحلول نهاية العام الدراسي الحالي (2020-2021)، مقارنةً باحتمالية تركهم لوظائفهم كمعلمين قبل كوفيد-19، وركزنا على أربعة مؤشرات رئيسية للصحة النفسية كما ذكرها المعلمون، وهي تكرار المعاناة من التوتر بسبب أداء مهماتهم الوظيفية، والقدرة على التعامل مع هذا التوتر، والشعور بأعراض الاكتئاب، ومشاعر الإرهاق.

سعى فريق البحث إلى رصد ما إذا كانت استجابات المعلمين لمؤشرات الصحة النفسية هذه تختلف وفقًا لخصائصهم الديموغرافية، أو سياق التدريس (مثل التركيبة السكانية للطلاب على مستوى المدرسة، أو مستوى الصف أو المادة التي يتم تدريسها).

وتوصلت الدراسة إلى أن حوالي واحد من كل أربعة مدرسين بشكل عام، وما يقرب من نصف المعلمين السود على وجه الخصوص، من المرجح أن يتركوا وظائفهم بحلول نهاية العام الدراسي 2020-2021.

وبمقارنة العاملين البالغين في الولايات المتحدة الذين يريدون ترك وظائفهم بأقرانهم من المعلمين، أكدت نتائج البحث أن المعلمين كانوا إلى حدٍّ ما أكثر ميلًا إلى الإبلاغ عن نيتهم ترك وظائفهم؛ إذ أظهرت النتائج أن 17% من البالغين العاملين في قطاعات أخرى يفكرون في ترك وظائفهم الحالية، مقابل 25% من المعلمين.

وأفاد ما يقرب من نصف المعلمين السود أو الأمريكيين من أصل أفريقي بأنه من المرجح أن يتركوا وظائفهم بحلول نهاية العام الدراسي، وأنهم أكثر ميلًا إلى ذلك من معلمي الأعراق الأخرى، وهو ما يعني أن مهنة التدريس قد تصبح حكرًا على البيض.

تقول "شتاينر": احتكار ذوي البشرة البيضاء لمهنة التدريس قد تكون له تداعيات على العملية التعليمية؛ إذ ستكون لانخفاض عدد المعلمين الملونين آثارٌ تعليمية على جميع الطلاب، وخاصةً الملونين، إذ يستفيد الطلاب السود بشكل خاص من وجود مدرسين من العِرق نفسه، ويؤكد هذا أهمية فهم سبب ترك المعلمين الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية لوظائفهم، وكيف يمكن للمدارس والمناطق العمل من أجل الاحتفاظ بهم.

ضغوط متكررة

تتفق نتائج هذا البحث مع نتائج انتهى إليها مسح أجراه باحثون في الاتحاد الأمريكي للمعلمين (AFT) في عام 2017؛ إذ أكد 61% من المعلمين أنهم يعانون من ضغوط متكررة مرتبطة بالوظيفة.

كما تتَّسق نتائج الدراسة أيضًا مع نتائج بحث أجراه المركز الوطني لإحصاءات التعليم في عام 2017، أي قبل جائحة كوفيد -19، مؤكدًا أن تسرُّب المدرسين من العملية التعليمية في تزايُد، وأن 16% من المعلمين يغادرون مهنتهم في أثناء السنة الدراسية.

وإذا كان الشعور بالتوتر الناجم عن ضغوط العمل، والاكتئاب، والإنهاك، والاحتراق هي أعراض مشتركة بين المعلمين بشكل عام، فقد أثبتت الدراسة أن النساء -اللاتي يمثلن حوالي ثلاثة أرباع القوة العاملة في مجال التدريس- سجلن مستويات أعلى فيما يخص المعاناة من التوتر الناجم عن العمل وكذلك الاحتراق بسبب الإعباء.

وبالنسبة لضغوط العمل، أعرب واحدٌ من كل خمسة معلمين أنه لم يتأقلم بشكل جيد مع ضغوط عمله، وأفاد نصف المعلمين بأنهم يشعرون بالإنهاك، في حين أكد واحد من كل أربعة معلمين أنه يعاني من أعراض الاكتئاب، وأفاد ثلاثة من كل أربعة معلمين أن ظروف العمل منذ بداية العام الدراسي 2020-2021 كانت مرهقةً في كثير من الأحيان.

ومقارنةً بباقي السكان، ذكرت الدراسة أن المعلمين عانوا بشكل أكبر من ضغوط العمل بالمقارنة بالبالغين العاملين في قطاعات أخرى على المستوى الوطني؛ إذ أفاد 40% من البالغين العاملين بأنهم يعانون من ضغوط متكررة مرتبطة بأداء المهمات الوظيفية مقارنةً بـ78% من المعلمين، كما سجل المعلمون أعراضًا اكتئابيةً أعلى مقارنةً بباقي السكان؛ إذ أبلغ 10% فقط من البالغين في الولايات المتحدة عن تعرُّضهم لأعراض الاكتئاب مقابل 27% بين صفوف المدرسين.

بيئة أكثر مرونة

وشملت الضغوط المرتبطة بالعمل عدم التطابق بين طريقة التدريس الفعلية وتلك التي يفضلها المعلمون أنفسهم، ونقص الدعم الفني والإداري، والمشكلات الفنية المتكررة في التدريس عن بُعد، وعدم تنفيذ تدابير السلامة الخاصة بـ"كوفيد-19".

تضيف "شتاينر": كان حوالي ثلث المعلمين مسؤولين عن رعاية ودعم التعلم لأطفالهم في أثناء مدة الدراسة، وكانت ظروف العمل المجهدة هذه أكثر انتشارًا بين المعلمين الذين من المرجح أن يتركوا الخدمة بعد ظهور الجائحة، وبالنظر إلى بعض الضغوط التي تلت ظهور الجائحة، مثل التعليم عن بُعد، نعتقد أن قادة المدارس ومديريها يمكنهم تعزيز رفاهية المعلم من خلال فهم ظروف العمل الحالية وحاجتهم إلى بيئة عمل أكثر ملاءمةً ومرونة.

من جهتها، ترى نهال لطفي -أستاذة علم النفس التربوي بكلية التربية في جامعة قناة السويس- أن الدراسة رصدت الضغوط التي يواجهها المعلمون في أثناء الجائحة، وقسمتها إلى نوعين هما: الضغوط المهنية والضغوط الأسرية.

تقول "لطفي" في تصريحات لـ"للعلم": ممارسة مهنة التدريس في أثناء جائحة كوفيد-19 جعلت المعلم مضطرًّا مهنيًّا إلى ممارسة إجراءات جديدة في العمل، مثل تعلُّم مهارات التدريس عن بُعد، واستخدام طرق جديدة في التعلم للحفاظ على انتباه الطلاب وضمان متابعتهم، وتعلُّم استخدام تطبيقات تكنولوجية جديدة وغير ذلك، وكلها أمور زادت من صعوبات المعلمين، خاصةً أن أي شخص بعد مدة معينة من العمل يصبح لديه أدوات مكتسبة في ممارسة هذه المهنة بأقل قدر من الجهد.

وتتابع: من ناحية أخرى، فإن هؤلاء المعلمين هم أيضًا آباء وأمهات، وأصبح مطلوبًا منهم في فترة الوباء متابعة ذويهم في المراحل الدراسية المختلفة، إضافةً إلى ما يعانونه من ضغوط نفسية عامة مرتبطة بالوباء وما فرضه من نمط حياة جديد، وكل ذلك يؤثر على القدرة على العمل ويجعل إنتاجية الفرد متدهورة، وإن لم يكن العمل أساسيًّا وضرورةً قصوى من أجل العيش في هذه الظروف، فإن الفرد قد يفكر في تركه أو تغيير المهنة.

تضيف "لطفي": يمكن مقارنة مهنة التدريس بمهنة الطب في ظل ظروف الوباء التي تستوجب العمل ساعات طويلة من أجل الوفاء بمتطلبات الوظيفة، سواء الوجود المستمر مع الطلاب والإجابة عن الاستفسارات، وتحضير المواد وجعلها قابلةً للتحميل على التطبيقات، ما يعني أن عمل المعلم لم يعد قاصرًا على الساعات الرسمية، بل أصبح عملًا ممتدًّا، كما أن التعامل مع التلاميذ من صغار السن قد يتطلب من المعلم بذل جهد إضافي، بل منحهم أحيانًا نوعًا من الدعم والإرشاد النفسي لتهدئة قلقهم في أثناء الوباء وتطمينهم، مهمة المعلم –إذًا- لم تعد قاصرةً على نقل المعرفة فقط، بل أصبح مطلوبًا منه أداء أدوار أخرى كثيرة ومتعددة.

تهديدات طويلة الأمد

من جهته، يشير أشلي وو -باحث السياسات المساعد في مؤسسة "راند"، والمشارك في الدراسة- إلى أن هناك تهديدات محتملة فورية وطويلة المدى لمستقبل ومخزون مهنة التدريس.

يقول "وو" في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: يجب تنفيذ عدة تدابير للتخفيف من وطأة كوفيد-19 على المعلمين، بما يسمح لهم بالتركيز على التدريس والتقليل من حدة مخاوفهم بشأن صحتهم، ويجب أن تفكر المدارس والمناطق التعليمية في جمع البيانات بشكل منهجي حول احتياجات الصحة العقلية والرفاهية للمعلمين؛ من أجل فهم مصادر ضيق المعلمين في مجتمعاتهم المدرسية في أثناء العمل، وتصميم برامج دعم الصحة النفسية والرفاهية للمدرس وتنفيذها، ويمكن أن تقطع مساعدة المعلمين في رعاية أطفالهم بصورة آمنة شوطًا طويلًا في التخفيف من التوتر وتعزيز الاحتفاظ بالمعلمين، كما يجب وضع سياسات واضحة للتدريس عن بُعد واعتماد معايير التكنولوجيا لمعدَّات التدريس عن بُعد، وفقًا لتصريحات في تقرير صحفي.

تضيف "شتاينر": كان إجهاد المعلم مصدر قلق قبل الوباء وربما أصبح أسوأ، وكانت تجارب المعلمين الذين كانوا يفكرون في ترك وظائفهم وقت إجراء الاستبانة مشابهةً من نواحٍ كثيرة لتجارب المعلمين الذين تركوا المهنة بسبب الوباء، لكنني أتحفظ على تعميم هذه النتائج على مجتمعات أخرى؛ إذ تم إجراء الاستبانة الخاصة بنا في الولايات المتحدة عن تجارب معلمين أمريكيين، لذا سأكون حذرةً بشأن تعميم النتائج التي توصلنا إليها على بلدان أخرى يختلف فيها نظام التعليم عن النظام التعليمي الأمريكي، وتختلف فيها ظروف الوباء عن تلك الظروف التي عانى منها المجتمع الأمريكي.