في نهاية مارس الماضي، نشر مجموعة من العلماء ورقة بحثية في مجلة نيتشر العلمية، كشفوا من خلالها عن خاصية فريدة لأحد الكويكبات المعروفة باسم «كويكبات طروادة»، والتي تدور حول كوكب المشتري في عكس اتجاه الدوران الطبيعي لبقية الكويكبات.

ورغم أن الكويكب يشترك في الفضاء المداري لكوكب المشتري العملاق، شأنه شأن بقية الكويكبات، إلا أنه يقترب –وبخطورة- من المشتري في أثناء حركة دورانه القهقرية  retrograde co-orbital motion، وهو ما أثار دهشة العلماء، إذ إن جاذبية المشتري التي تتناسب مع كتلته الضخمة يفترض أن تجذب الكويكب في اتجاه سطحه الضخم، ليتحطم ويتحول إلى شظايا بفعل سرعة الارتطام الشديدة.

ومنذ قرابة أربعة بلايين ونصف من السنين تكوّن النظام الشمسي من غيمة من الغاز والغبار كانت حركتها أشبه بالدوامة. وفي بادئ الأمر، فإن الكواكب الدقيقة planetesimals  ـوهي تجمعات غير مصقولة من مواد صخريةـ التحم بعضها ببعض لتكوّن الكواكب الشمسية، في حين أطلق العلماء على بقايا الكواكب الدقيقة التي لم تتجمع معًا «الكويكبات».

أما بالنسبة للكويكب المكتشَف حديثًا BZ509 فقد جرى التعرف عليه لأول مرة في عام 2015، ولكن مع نسبة كبيرة من عدم اليقين فيما يتعلق بالقياسات الخاصة بمداره وطبيعة حركته ولتحديد إذا ما كان بالفعل يشارك المشتري مداره أم لا. فقبل عامين، توقعت «هيلينا موريس» من جامعة سان باولو البرازيلية بالتعاون مع «فتحي نامومي» من مرصد كوت دازور بفرنسا، وجود كويكب لم يُعرف من قبل في المنطقة المدارية لكوكب المشتري، ومؤخرًا، جرى التأكد من وجوده، كما نجح علماء في الكشف عن خصائصه الغريبة.

أكثر من المتوقع

في حين تدور معظم الأجرام السماوية من الغرب إلى الشرق، يدور الكويكب BZ509 في الاتجاه المعاكس وبزاوية ميل مقدارها 163 درجة، وزاوية انحراف مقدارها 0.38 درجة، وهي الظاهرة التى يطلق عليها العلماء «الدوران التقهقري» حول محوره وفي الاتجاه المعاكس لاتجاه الحركة حول الشمس.

 وحتى الآن؛ لا يعرف العلماء سبب ذلك النوع من الدوران، على حد قول «بول ويجرت» الباحث في علوم الفيزياء والفلك بجامعة ويسترن أونتاريو الغربية بكندا، والباحث الرئيسي للدراسة، والذي يقول لـ«للعلم» إن اكتشاف الحركة التقهقرية للكويكب "أمر مدهش وغريب، ولا تفسير له إلى الآن"، غير أن هناك نظرية تقول إن الكويكب ربما يكون جِرمًا سماويًّا ضل طريقه إلى مجموعتنا الشمسية وينتمي أساسًا إلى سحابة «أورت» الواقعة في الفضاء البينجمي وراء مجموعتنا الشمسية.

تقع سحابة أورت Oort cloud على مسافة تبلغ أكثر من ألف ضعف المسافة بين الأرض والشمس، ويعتقد العلماء أن تأثير جاذبية الشمس قد يمتد لأكثر من 3000 ضعف المسافة بين الأرض والشمس، وهو ما يعني أن نجمنا العملاق يؤثر على حركة تلك السحابة بشكل ما. وتعد أورت مصدرًا لمعظم الكويكبات والمذنبات الموجودة في مجموعتنا الشمسية، وربما يكون الكويكب BZ509 أحدها، لكن ما معنى أن يكون ذلك الكويكب جزءًا من سحابة أورت العملاقة؟

يقول ويجرت إن انتماء الكويكب BZ509 لسحابة أورت قد يعني الكثير، فربما لفظت السحابة الكويكب في وقت ما بسرعة كبيرة لسبب مجهول، وذلك بعد أن تكون حزام الكويكبات الموجود حول المشتري بفترة كبيرة، وفي أثناء اقترابه من المشتري، وبسبب الجاذبية الفائقة للعملاق الغازي الضخم، قام الكوكب «بالتقاطه» ليدور تحت تأثير جاذبيته ولكن في الاتجاه المعاكس لحركته.

وتقطن معظم الكويكبات الحزام الواسع بين مداري المريخ والمشتري. وللكويكبات مدارات حول الشمس عادة ما تكون دائرية ومستقرة. لكن الكثير منها يوجد في حزام الكويكبات مما قد يسمح بتصادم بعضها مع بعض. ومن الممكن أن تنتهي التصادمات بالأنقاض الناجمة عنها إلى أفلاك غير مستقرة تتناغم (تتجاوب) resonate مع فلك كوكب المشتري. ونظرًا لكتلة المشتري الضخمة، فإن هذا الكوكب ينافس الشمس على التحكم في حركات هذه الشظايا الواقعة في محيطه، وبخاصة إذا ما حدث التناغم بين فلك الكويكب وفلك هذا الكوكب العملاق.

ولكن على الرغم من الحجم الضخم للمشتري، البالغ 1321 ضعفًا لحجم الأرض، إلا أن جاذبيته لا تزيد عن كوكبنا الأزرق إلا بنحو 3 أضعاف فقط، إذ تبلغ نحو 24.7 مترًا لكل ثانية مربعة، بسبب تكوينه الغازي، الذي جعل كثافة كتلته صغيرة مُقارنة بحجمه، "وهذا من حسن حظ كويكبنا العزيز" على حد قول ويجرت، والذي يفترض تحطُّم الكويكب على سطح المشترى لو كانت الجاذبية أكبر من ذلك بقليل.

وتعد كويكبات طروادة التي تدور في فلك كوكب المشتري هي الكويكبات الأكثر اكتظاظًا التي تتشارك مدار أحد كواكب نظامنا الشمسي: أكثر من 6000 كويكب منها معروفة الآن لنا، ولكن جميعها يسير في نفس اتجاه حركة المشتري.

علاقة احترام متبادل

قد تسهم الحركة المدارية القهقرية retrograde co-orbital motion لجسمين، في أن يكون هناك احتمال لأن يقترب كلٌّ منهما من الآخر لمرتين في المدار، إذ يسافران في اتجاهين متعاكسين، ما يؤدي لتوقع حالة من عدم الاستقرار.

ولكن BZ509 يفعل العكس تمامًا، إذ يشارك كوكب المشتري المدار ذاته، ويتقاطع المداران في نقطتين كل 6 سنوات، إلا أنه وفق الدراسة التي نشرتها مجلة نيتشر، قام الكويكب بدوران تقهقري ناجح لمدة آلاف المرات خلال قرابة مليون سنة مضت، ويتوقع العلماء أن يستمر دورانه غير الاعتيادي لمدة مليون سنة أخرى، على الأقل.

وقد أثبتت الأبحاث النظرية أن الحركة المدارية القهقرية في الواقع يمكن أن تكون مستقرة، وما شجع على الوصول لهذه النتيجة هو الحسابات التي أظهرت أن احتمالات التصادم والهروب يمكنها تجنيب الكويكب الاصطدام بالمشتري بسبب ما يُعرف بتأثير التفادي المتبادل للاضطرابات من قبل كوكب المشتري على مدار الكويكب. فوفقًا للبحث الأخير فإن الكويكب 2015 BZ509 في حالة من التناغم الحركي في أثناء دورانه في مداره المشترك retrograde co-orbital resonance مع المشتري.

"يبدو أن BZ509 يحتفظ بعلاقة احترام متبادلة مع كوكب المشترى" على حد المقال المنشور عن الاكتشاف على الموقع الرسمي للجامعة، والذي جاء فيه أن جاذبية المشتري ربما تكون عامل الحسم في قضية الدوران التراجعي للكويكب. ففي كل مرة يقترب فيها الكويكب من مدار أكبر كوكب في مجموعتنا الشمسية، فعلى عكس ما يُمكن أن يتراءى للمرء؛ تتسبب جاذبية المشتري في إعطائه دفعة قوية لإكمال عملية الدوران، ووفق  المقال؛ فإن مسافة الحضيض–أقرب مسافة بين مركزي الكويكب والمشتري- لا تقل عن 176 مليون كيلومتر.

وتميل الأجرام السماوية التي تدور دورانًا تراجعيًّا إلى الابتعاد عن مدارات الكواكب الأخرى، فإذا تخيلنا أن هناك سيارة تسير في الاتجاه المعاكس لمجرى الطريق، فيجب على السائق أن يستخدم استراتيجية معينة لكي ينجو في أثناء سيره، ألا وهي الابتعاد عن الشاحنات الضخمة التي يُمكنها أن تحول سيارته إلى كومة من الخردة.

وأوضح الباحثون أنّ مساحة هذا الجرم السماوي لا تتجاوز ثلاثة كيلومترات مربعة، وأنّه لا يتجنب فقط التصادم بكوكب المشتري العملاق في أثناء هذا الدوران المخالف، بل يتجنب أيضًا التصادم مع 6000 كويكب آخر تدور في فلك المشتري.

"لا يزال الكون يخبئ لنا العديد من المفاجآت" يقول بول ويجرت تعليقًا على اكتشافه، مشيرًا إلى أن البحوث لا تزال مستمرة بشأن الكويكب الجديد، قائلًا: "أعتقد أن لدينا الوقت الكافي للكشف عن المزيد من الأسرار الخاصة بالدوران التقهقري، فأمامنا مليون سنة على الأقل، وهي المدة الزمنية التي سيستمر فيها BZ509 في الدوران بنفس الطريقة حول المشتري".