على مدار السنوات العشر الأخيرة، عانى واحد من كل خمسة أطفال في الولايات المتحدة اضطرابًا في الصحة العقلية، كما ازدادت إلى أكثر من الضعف معدلات دخول الأطفال المستشفيات بسبب التفكير في الانتحار أو محاولات الانتحار.

في حين ظلت معدلات زيارات الأطفال لأقسام الطوارئ (ED) في الولايات المتحدة الأمريكية ثابتةً على مدى السنوات العشر الماضية، ارتفعت معدلات الزيارات بين الفئة ذاتها بشكل صارخ بسبب اضطرابات الصحة العقلية بنسبة 60٪، وجاء الإقدام على إيذاء النفس المتعمد في مقدمة هذه الاضطرابات بنسبة 329٪. ما دفع باحثين بأقسام طوارئ مستشفى نيشن وايد تشيلدرن Nationwide Children بكولومبوس أوهايو إلى إجراء دراسة بحثية لرصد الزيادة في هذه المعدلات وأسبابها، وتقييم مستوى خدمات الرعاية الطبية لأمراض الصحة العقلية والنفسية.

حلل الباحثون بيانات تتعلق بالتركيبة السكانية من حيث النوع والعمر وحالات الصحة العقلية للمرضى من عمر 5 أعوام وحتى 17 عامًا، على مدار عشر سنوات (2007-2016)، للكشف عن مدى قدرة واستعداد أقسام طب الطوارئ في المستشفيات الأمريكية لمثل هذه الحالات، مستخدمين في ذلك تقنيات وأدوات الإحصاء الوصفي Descriptive Statistic المعنية بجمع بيانات الدراسة وتنظيمها وتلخيصها، وعرضها بطريقة واضحة تسهم في فهم طبيعة عينة البحث.

لاحظ الباحثون ازدياد معدل زيارات الأطفال والمراهقين لأقسام طوارئ الطب النفسي في مستشفيات الولايات المتحدة بنحو 68%، خاصة الفئة العمرية من 15 وحتى 17 عامًا، 74% منهم من الفتيات.

وكشفت الدراسة عن ازدياد اضطرابات القلق لدى الأطفال المترددين على المستشفيات بنسبة 117%، واضطرابات السيطرة على الانفعالات بنسبة 111%، كما ارتفع معدل زيارات الأطفال الذين يعانون من اضطراب تعاطي المخدرات بنسبة تتخطى 150٪، في حين انخفض معدل الزيارات المتعلقة بالاضطرابات المرتبطة بتناول الكحوليات بنسبة 40٪.

تفسر شارمين لو -الباحثة الرئيسية بالدراسة- لـ"للعلم" ذلك الارتفاع الحاد بقولها: "يُعزى في جزء منه إلى زيادة الوعي بأن المساعدة والموارد الطبية متوافرة؛ فقد أسهم المرشدون الصحيون في المدارس وحملات الخدمة العامة للتوعية، وغيرها، في رفع مستوى الوعي بين جميع الفئات. وقد يستفيد المراهقون من ذلك، ويلتمسون الرعاية بسبب ذلك". وتضيف أن الزيادة المرصودة في عدد الأطفال الذين يعانون من اضطرابات القلق والتحكم في الانفعالات وإيذاء الذات المتعمد يمكن أن تكون نتيجةً لارتفاع معدلات التشخيص والوعي بسلوكيات طلب الرعاية الصحية عند الحاجة.

من جانبها، توضح آية ماجد -مدرس أمراض المخ والأعصاب المساعد بجامعة الإسكندرية- أن ازدياد حالات الإيذاء المتعمد بين المراهقين، عادةً ما تكون ناجمةً عن اضطرابات نفسية أخرى، مثل الاكتئاب أو اضطرابات الشخصية، لكننا للأسف نرى أيضًا حالات لمراهقين غير مصابين نفسيًّا يؤذون أنفسهم عن عمد، تقليدًا لآخرين يفعلون ذلك، مشيرةً إلى أن بيانات الدراسة لم تُعطِ تفسيرًا لانخفاض معدل الاضطرابات المرتبطة بتناول الكحول، لكنها تعزو ذلك إلى احتمال استبدال بعض الأطفال بالكحول أشياءً أخرى، مثل السجائر الإلكترونية، أو الماريجوانا، وغيرها.

أما عن سبب كون الفتيات أكثر لجوءًا إلى أقسام طوارئ الطب النفسي، فتقول "لو": إن أبحاثًا موسعة تتعلق بالرعاية الصحية التي تبحث عن اختلافات سلوكية بين الفتيات والفتيان، ترجح سعي الفتيات للحصول على الرعاية الطبية والعقلية بمعدلات تفوق الأولاد.

ومن جانبها، تفسر "ماجد" ذلك بأن نسبة الاضطرابات النفسية لدى الإناث أكثر منها لدى الذكور؛ فأعداد مرضى الاكتئاب لدى الإناث ضعف أعدادهم من الذكور، وقد يُعزى ذلك إلى الاضطراب الهرموني، لكن الأمر محض نظريات، على حد تعبيرها، مضيفةً أن هناك اضطرابات لدى الإناث ولا توجد في الذكور، مثل اضطراب اكتئاب ما بعد الحمل والولادة، واضطراب ما قبل الدورة الشهرية الذي يمكن أن يؤدي إلى الانتحار، وفق قولها.

مستوى الرعاية في المناطق غير الحضرية

تعكس نتائج الدراسة مخاوف باحثين في مجال الصحة العامة من أن ازدياد زيارات الأطفال لأقسام طوارئ الطب النفسي بالمستشفيات قد يكون نتاج فجوات في البنية التحتية للصحة النفسية في الولايات المتحدة الأمريكية، ما يعني أنه قد تكون الرعاية المقدمة لهؤلاء الأطفال والمراهقين دون المستوى، وقد تكون هناك أوجه قصور في التدريب، ومدى توافر موظفي أقسام الطوارئ للتعامل مع حالات الصحة النفسية والعقلية. فقد أظهرت النتائج أن أقل من نصف أقسام الطوارئ الأمريكية مجهزٌ لعلاج الأطفال الذين يعانون من اضطرابات الصحة العقلية، وتقل هذه النسبة إلى الثلث في المناطق غير الحضرية، كما أن هناك نقصًا ملحوظًا في أعداد مقدمي الرعاية في هذه المناطق في هذا التخصص، وخاصةً بين المتخصصين في تقديم الرعاية العقلية للأطفال تحديدًا، ما ينعكس على إمكانية الوصول إلى الرعاية الطبية المطلوبة، وكذلك على نوعية الخدمات المقدمة في هذا المجال وجودتها.

وكشفت الدراسة عن أنه غالبًا ما يلجأ الأطفال الأمريكيون الذين يعانون من اضطرابات نفسية، خاصةً إيذاء النفس المتعمد واضطرابات تعاطي المخدرات، إلى الرعاية في المرافق التي من المحتمل أن تكون أقل استعدادًا. لذا تؤكد الدراسة ضرورة تركيز جهود التأهب، وتوفير الموارد في مجال الصحة النفسية في جميع أقسام الطوارئ بالمستشفيات، وليس فقط طوارئ الأطفال.

 وتشير "لو" إلى أنه في حالة احتياج الطفل إلى رعاية طبية فورية فإن العائلة عادةً ما تلتمس الرعاية في أقرب قسم طوارئ، وأن العائلات تفترض أنه سيكون مجهزًا للتعامل مع الموقف، ولكنها تستطرد قائلةً: ليس لدى كل قسم للطوارئ التجهيزات اللازمة للقيام بالرعاية المطلوبة؛ إذ تميل غالبية مستشفيات الأطفال التي لديها موارد وإمكانية الوصول إلى أخصائيي طب الأطفال، إلى أن تكون موجودةً في المناطق الحضرية، وهناك العديد من العائلات في الولايات المتحدة لا تعيش على مقربة من هذه المرافق، بالتالي ستطلب الرعاية في أقسام الطوارئ المحلية، حيث الموارد والقدرة على التأهُّب متغيرة المستوى.

توصي الدراسة بإجراء المسوحات والتقييمات الطبية لجميع المرضى؛ لتحديد الاضطرابات السلوكية التي قد يعانون منها، الأمر الذي يحسِّن من جودة رعاية الأطفال وسلامتهم النفسية والعقلية. وتطالب بضرورة عقد برامج شراكة مع المؤسسات التي لديها موارد متخصصة في هذا المجال؛ للإسهام في تجهيز أقسام الطوارئ بالأدوات والموظفين والموارد للتعامل مع حالات الأطفال بشكل أفضل، خاصةً المتعلقة بالصحة النفسية.

إحدى الوسائل المقترحة في هذا الإطار أيضًا، هي خدمات الصحة النفسية عن بُعد Telemedicine، التي يمكنها أن توفر منصةً تتيح لأخصائيي الصحة السلوكية التواصل مع الحالات وفحصها، وتقديم المساعدة للحالات الخطيرة، ودعم الاتصالات لضمان الرعاية المستمرة داخل المجتمع، وبالتالي تجنُّب تكلفة الانتقال، وكذلك تجنُّب التأخير في تقديم الرعاية. تفيد نتائج الدراسة أن الاستشارات النفسية الهاتفية أدت إلى زيادة معدلات تلقِّي الأطفال المصابين باضطرابات الصحة النفسية للعلاج.

الوضع في مصر

وحول ما إذا كان الوضع في مصر -فيما يتعلق بارتفاع مستويات زيارات الأطفال المصريين لوحدات الرعاية الصحية النفسية والعقلية- مشابهًا لنظيره في الولايات المتحدة الأمريكية. يقول محمود الوصيفي -أستاذ الطب النفسي وعلاج الإدمان بكلية طب جامعة المنصورة- لـ"للعلم": إن معدل هذه الزيارات قد ارتفع بشكل كبير، وفق ما تشير إليه الممارسات اليومية، خاصةً خلال فترة المراهقة، ولكنه يشدد على أنه ليس لدينا دراسات لرصد هذه المعدلات بدقة. ووفق "الوصيفي"، فإن الأسباب التي قد تقف وراء ذلك الارتفاع في المعدلات كثيرة، ويعود جزء منها إلى متغيرات ثقافية في المجتمع، وعوامل تخص التربية، بخلاف الضغوط المختلفة التى يمر بها المجتمع المصري، سواء ما يتعلق بالضغوط الناجمة عن عدم التوافق الأسري أو ضغوط الحياة وانعكاس ذلك على الأطفال، وكذلك تأثير ما تصدره وسائل الإعلام من نماذج سلبية في أحيان كثيرة.

وتؤكد "ماجد" ضرورة توافر الخدمات الصحية في الأماكن غير الحضرية المصرية أيضًا، والحاجة الشديدة إلى توفير عدد أكبر من أطباء الطب النفسي، وبخاصة في هذه المناطق، فعدد أطباء الطب النفسي في مصر أقل بكثير عن مثيله في باقي الدول. ولكنها لا تعتقد أن Telemedicine يمكن أن يكون ناجحًا في مصر إلا مع فئة البالغين، أما فيما يتعلق بالأطفال فتتوقع عدم ملاءمته؛ مشددةً على أن كلًّا من الأطفال والمراهقين بحاجة إلى بناء الثقة مع المعالج، وهو ما يحتاج إلى جلسات علاج وجهًا لوجه، على الأقل في البداية.

ومن جانبها، توضح "لو" أن نتائج الدراسة لا يمكن تعميمها؛ فعلى الرغم من كونها تتوافق مع نتائج دراسة كندية مشابهة، إلا أن الأنظمة بين البلدين مختلفة إلى حدٍّ ما. لكن قد تكون الاتجاهات التي أظهرتها الدراسة موجودةً في بلدان أخرى، ومع ذلك، تختلف أنظمة الرعاية الصحية اختلافًا كبيرًا من دولة إلى أخرى، كما يختلف عبء المرض، وسلوك البحث عن الرعاية الصحية، لذلك قد لا تكون هذه النتائج هي نفسها في كل مكان. 

نصائح وتوصيات

تشدد "لو" على حاجة جميع أقسام الطوارئ إلى أن تكون على استعداد أفضل لرعاية الأطفال الذين يعانون من اضطرابات الصحة العقلية، مضيفةً أن هذا يمكن أن يحدث من خلال مزيد من التثقيف والتدريب لجميع مقدمي الخدمات في أقسام الطوارئ، واستخدام مجموعات الأدوات والموارد المطلوبة لزيادة التأهب، وتوسيع نطاق استخدام الخدمات الصحية عن بُعد كمصدر لمزودي الخدمة؛ للتشاور مع المتخصصين في أقسام الطوارئ الذين لديهم مزيد من الموارد والخبرة.

وتنصح "لو" جميع الآباء بالتحدث إلى أطفالهم، ليكونوا على دراية بما قد يمرون به من مشكلات. وتضيف أنه يجب على أي أسرة تشعر بالحاجة إلى طلب رعاية الصحة العقلية الاتصال بطبيب الأطفال وإخباره بمخاوفها، والذهاب إلى قسم الطوارئ إذا شعرت بالحاجة إلى ذلك.

ومن جانبها تنصح "ماجد" الأمهات والآباء، والمقبلين على الزواج أو المنتظرين لقدوم طفل جديد، أو مَن لديهم أطفال بالفعل، بالبدء في القراءة عن أصول التربية؛ فالمرء لا يولد ولديه المعرفة بكيفية التربية، إذ يَرِد إلى طوارئ الطب النفسي حالات لأطفال ومراهقين مصابين باضطرابات نفسية بسبب الآباء والأمهات.

أما بالنسبة لآباء الأطفال المصابين بأمراض عقلية أو نفسية، فتنصحهم "ماجد" بضرورة فهم طبيعة الاضطراب النفسي الموجود لدى طفلهم جيدًا، وأن لكل اضطراب نفسي علاجًا أو على الأقل يمكن أن يصبح تحت السيطرة إذا واظب الطفل أو المراهق على العلاج، سواء الدوائي أو النفسي، ويجب ألا نستسلم، أو أن نعاقبه على مرضه، كما يجب ألا نرفض مرضه؛ إذ سينعكس ذلك على طريقة تعاملنا معه، بما قد يؤذيه أكثر.