في الوقت الذي اجتاح فيه وباء فيروس كورونا المُستَجِد (كوفيد-19) أنحاء أوروبا، تحركت حكومات الدول في منطقة الشرق الأوسط سريعًا للحيلولة دون تفشي المرض داخل أراضيها. وكان من بين تلك الجهود فرض العديد من الحكومات قيودًا على الأنشطة والخدمات وحركة السفر غير الضرورية. أمّا بالنسبة للجامعات، فقد تجلَّى هذا في تحويل التدريس إلى منصات التعلُّم عن بعد، وكذلك الحد من استخدام المختبرات. ونجح العلماء، بدورهم، في إيجاد سبل للتأقلُم مع الوضع ومواصلة إجراء البحوث، على الأقل في الوقت الراهن. ففي دولة قطر، يلتزم الباحثون لدى مركز سدرة للطب -وهو مرفق للرعاية الصحية الأبحاث- بتوجيهات الدولة، وذلك من خلال العمل من المنزل كلما أمكن، والتقليص من عملهم داخل المختبرات إذا لم تكن هناك ضرورة لذلك. يقول خالد فخرو، القائم بأعمال رئيس قسم الأبحاث ومدير برنامج الطب الدقيق: "تأتي معظم الفرق البحثية بناءً على جدول زمني لإجراء تجارب مهمةٍ بالتناوب، امتثالًا لقواعد التباعُد الاجتماعي".

وعلى الرغم من ذلك، يرى فخرو أن استثمار قطر المُبكر في مجال علوم الطب الحيوي بدأ الآن يؤتي ثماره، إذ يتكاتف العلماء والأطباء السريريون عبر مختلِف المؤسسات لمواجهة الوباء على مستويات متعددة، من بينها دراسة التفاعلات الجينومية للفيروس مع المُضيف، وإنشاء المستودعات البيولوجية، وإعداد التجارب السريرية وإجراؤها، والتواصل مع الفرق والاتحادات العالمية.

ويضيف فخرو أن تحوُّل زيارات المرضى السريرية إلى التطبيب عن بُعد أسهَم في تخفيض عدد المرضى الذين يحضرون بأنفسهم إلى المختبرات لاستكمال دراسات قائمة، وهو ما قد يُؤخِّر المشروعات البحثية المُقرَّرة لهذا العام. إلا أن فريقه البحثي لديه الكثير من البيانات التي تحتاج إلى تحليلٍ، وهذه البيانات كان الفريق قد حصل عليها من مرضى كانوا قد أُدرجوا في دراسات على مدار العام السابق. ففي ظل تعذُّر الحصول على بيانات جديدة، يتعين على الباحثين أن يعملوا استنادًا إلى ما لديهم بالفعل من بيانات. يقول فخرو: "لن أُدهش كثيرًا إذا ما تبيَّن أن هذا العام هو عامٌ مثمرٌ بالفعل، من حيث نشاط النشر".

يقول فهد السنافي -اختصاصي علم المحيطات الفيزيائية بجامعة الكويت- إنه أيضًا يستغل الوقت في تحليل ما لديه من بيانات، مضيفًا أنه ثمّة فائدة تكمن في اضطرار الباحثين إلى التعمق في دراسة ما لديهم من بيانات بدلًا من البدء في مشروعات جديدة، على الرغم من تباطؤ المُخرَجات البحثية. ويوضح السنافي أن ذلك الوقت "يجعل الفرصة سانحة أمام الجميع لتمحيص ما لديهم من بياناتٍ والنظر إلى الأمور بمنظور مختلف. إن الأمر يفرض عليك أن تصبح أكثر ابتكارًا وأن تفكر خارج الإطار، ولكن يمكن أن تكون ثمرة ذلك الكثير من العلم النافع".

هناك باحثون آخرون بجامعة الكويت، مثل طلال العازمي، اختصاصي الكيمياء التخليقية، وجدوا أن عملهم بالمختبر قد توقف على نحوٍ مفاجئ، ولذا قرروا استغلال الوقت في كتابة الأبحاث.

أمَّا في المملكة العربية السعودية، فقد أوقف عالِم الأحياء مُو لِي -الذي يترأس مختبر الخلايا الجذعية والتجدُّد بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية- بعض مشروعاته قبل الأوان؛ نظرًا للقواعد التنظيمية الجديدة، ولكنه يقول إن الحظ كان حليفهم؛ إذ كانوا قد جمعوا مجموعات كبيرة من البيانات قبل أن يدخل مختبرهم في حالة "سبات"، مضيفًا أنهم سوف يعكفون على تحليل تلك البيانات في الوقت الراهن، ولكن "سيُصبح الاحتفاظ بمعدلات تحقيقنا للنتائج البحثية أكثر صعوبةً وتحديًا إذا ما استمرت القيود لفترة ممتدة".

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، استطاع مازن مجذوب -اختصاصي الفيزياء الحيوية- أن يتوصل إلى نهجٍ يقوم على اقتسام الوقت لضمان استمرارية العمل، ويوضح قائلًا: "أساس الفكرة هو ضمان عدم وجود أكثر من شخصين داخل المختبر في هذا الوقت، وهي بالفعل تُناسب الأشخاص الذين يتسم عملهم بدرجة بالغة من الأهمية". أيضًا يستغل الفريق البحثي الذي ينتمي إليه مجذوب ذلك الوقت في تحليل النتائج البحثية وتدوينها، وكذلك في القيام ببعض القراءات الأساسية التي تتطلبها الأبحاث.

بالإضافة إلى ذلك، يعمل مجذوب بالتنسيق مع فريقه البحثي على إرجاء العمل التجريبي وتقديم العمل الحاسوبي عليه. يقول مجذوب: "لن أنكر وجود تأخير، فنحن لا نعمل بسرعتنا المعتادة. هذه إحدى التبعات المؤسفة، ولكن لا مهرب منها"، ويضيف: "نحن نسعى للتوصل إلى حلولٍ وسط، ونحاول أن نستفيد أقصى استفادة مُمكنة من الوضع. فضمان سلامة الجميع يأتي في مقدمة أولوياتنا".

يتوقع كارلوس دوارتي، أستاذ العلوم البحرية بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، أن يكون أثر القيود المفروضة طفيفًا على إنتاجية فريقه البحثي ما لم يمتد العمل بها فترةً أطول من بضعة أشهر، ويقول: "كمٌّ كبير من عملنا في مجالات المعلوماتية الحيوية والنمذجة وعلم الأحياء الحاسوبي مستمرٌّ بكامل سرعته؛ لأنه لا يعتمد على العمليات المُختبرية". يُسنَد إلى طلاب الماجستير في مجموعة كارلوس البحثية مشروعاتٌ بحثية بديلة يستطيعون تنفيذها في ظل الظروف الحالية، وسوف تجري مراجعة خطط عمل الفريق كل بضعة أسابيع بما يتناسب مع تطورات الموقف.

وينضم فريق دوارتي البحثي كذلك إلى الجهد المبذول عالميًّا بغية اكتساب المزيد من المعرفة عن مرض (كوفيد-19) والفيروس المسبب له. ويستخدم الفريق لذلك الغرض منصته الجينومية لتحليل فيروسات «كورونا بيتا»، وكذلك خبرته في مجال النمذجة المكانية بما يساعده في فهم الوبائيات. يقول دوارتي: "نحن نستخدم ما لدينا من مهارات من أجل مواجهة هذه الأزمة، وأعتقد أن كل شخص في الحرم الجامعي يؤدي دورًا في ذلك أيضًا. فجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية جامعة دولية تضم أشخاصًا من 112 دولة. كلنا لدينا عائلات وأصدقاء في مناطق شتى في العالم، ونرغب أن نصنع فارقًا في ذلك النضال العالمي".

وعلى الرغم من ذلك، فإن دوارتي لديه بعض المخاوف، فهو يرى أن "الاهتمام العالمي في الوقت الحالي منصبٌّ على شيء واحد فقط"، مما يعني أن الكثير من الأبحاث البحوث القيّمة "سيظل بعيدًا عن بؤرة الاهتمام. ومن ثمَّ سيُحرَم العالم كثيرًا من العلم كان من الممكن أن يُحدِث أثرًا فيما يتصل بوضع السياسات وصنع القرار".

يرى فخرو أن العلماء في قطر أيضًا يعطون فيروس كورونا المُستجِد «كوفيد-19» الأولوية في عملهم الحالي. ففي مركز سدرة، تكاتف أصحاب الخبرة في مجالَي تسلسل الحمض النووي الريبي (RNA) في الخلية المفردة والجينومات عالية الإنتاجية من أجل وضع إستراتيجية اختبارية مبتكرة فيما يتصل بالفيروس. يقول فخرو: "جوهر أبحاث الجينوم في مركز سدرة، باعتباره مركزًا طبيًّا أكاديميًّا، هو التعاوُن الوثيق مع نظرائه في مجال علم الأمراض السريري من أجل التوصل إلى حلول اختبارية تتسم بالقدر نفسه من حساسية الاختبارات القياسية المعتمدة سريريًّا، وتوفر في الوقت ذاته إنتاجية عالية مع تحقيق نتائج أسرع".

ويُضيف فخرو قائلًا: "في الوقت الذي تفرض فيه الأزمة الحالية ضرورة البقاء آمنين ومراعاة التباعد، لم يسبق قط في تاريخ البشرية أن شعرنا بأن بعضنا أقرب إلى بعض أكثر من الآن؛ إذ تتضافر جهود المجتمع العلمي على مستوى العالم من أجل مواجهة هذا التحدي مواجهةً مباشرة".