يشكّل "تحليل الدم" وسيلةً فعّالةً ورخيصة الثمن في تشخيص العديد من الأمراض، وربما التنبؤ بأخرى، وهو ما تحقق فعليًّا للكثير من الأمراض الفيروسية، مرورًا بأمراض المناعة كالروماتيزم، وانتهاءً بالسرطان. لكن ظلت هناك أمراض كألزهايمر، تفتقر إلى تحليل دم معتمد دوليًّا يمكن أن يتنبأ بالمرض قبل ظهور علاماته.

وعلى مدار عقد من الزمان، ركّز علماء الأعصاب في الولايات المتحدة واليابان وأستراليا وألمانيا وغيرها على تطوير اختبارات للدم ترصد إحدى العلامات البيولوجية لمرض ألزهايمر، وتتمثل في تراكُم لويحات لزجة وسامة في الدماغ تسمّى بروتين "أميلويد بيتا"، يظهر أثرها في سوائل العمود الفقري، وتتراكم تلك السوائل في الدماغ قبل عقود من ظهور أعراض المرض؛ إذ اكتشفوا أن هناك بقايا لهذا البروتين يمكن اكتشافها في مجرى الدم.

أحدث تلك المحاولات الجادة ما توصل إليه فريق بحثي أمريكي ألماني، من تطوير اختبار بسيط للدم، يمكنه كشف احتمالات الإصابة بمرض ألزهايمر قبل 16 عامًا من ظهور أعراضه الفعلية، ونشروا نتائج دراستهم في دورية نيتشر ميديسين. تأتي هذه المحاولات بديلًا للأساليب المتّبعة حاليًّا، التي تعتمد على سحب كميات صغيرة من السائل النخاعي الموجود في العمود الفقري، وهى عملية تُعرف بالبزل القطني، وغالبًا ما تكون مؤلمةً ومكلفة، كما أن نتائجها قد لا تظهر إلا بعد بدء تطور المرض بالفعل.

لكن فريق البحث في كلية الطب بجامعة واشنطن الأمريكية، بالتعاون مع باحثين من المركز الألماني للأمراض العصبية التنكسية، نجح في رصد بروتين يتسرب إلى السائل الدماغي النخاعي الذي يغمر الدماغ والحبل الشوكي، ومن هناك يدخل إلى مجرى الدم، عندما تتعرض الخلايا العصبية للتلف أو الموت.

والبروتين الذي تسعى الدراسة لاتخاذه مؤشرًا لاحتمالات وقوع الإصابة بألزهايمر في المستقبل، عبارة عن بروتين بنيوي يُطلَق عليه اسم الخيط العصبي المضيء "Neurofilament" يشكل جزءًا من الهيكل العظمى الداخلي للخلايا العصبية.

وتبيَّن للباحثين أن العثور على مستويات عالية من هذا البروتين في السائل المخي الشوكي، يوفر دليلًا قويًّا على أن بعض خلايا الدماغ قد بدأت في التضرر، وهو أمر يسهل رصده من تحليل الدم المقترح.

رصد الأمراض العصبية التنكسية

اختار الفريق مجموعةً من العائلات ذات المتغيرات الجينية النادرة التي تسبب الإصابة بمرض ألزهايمر في سن مبكرة، وتظهر هذه المتغيرات في عمر الأربعينيات أو الخمسينيات، وفي الثلاثينيات أيضًا، وتشير هذه الطفرات الجزئية إلى إمكانية توريثها للأبناء بنسبة 50%، بما يمنح الباحثين فرصةً لدراسة ما يحدث للدماغ قبل سنوات من ظهور أعراض الضعف الإدراكي.

درس الفريق البحثي ما إذا كانت مستويات بروتين الخيط العصبي "Neurofilament" في الدم تعكس أيضًا تلفًا عصبيًّا في الدماغ؛ إذ أجروا اختبارات على أكثر من 405 من الأشخاص، بينهم 243 شخصًا يحملون جينات وراثية لمرض ألزهايمر، و162 لا يحملون أي طفرات وراثية للمرض. فحص الفريق عينات دم من المشاركين، كما أجروا تصويرًا للدماغ بالرنين المغناطيسي، بالإضافة إلى إجراء اختبارات معرفية وإدراكية. ووجدوا أن مَن يحملون صفات جينية وراثية للمرض يكون مستوى البروتين لديهم أعلى من المتوسط، ويرتفع البروتين مع مرور الزمن بشكل سريع، ويصاحب ذلك تضاؤل أجزاء الدماغ الخاصة بالذاكرة واضمحلالها.

قال "براين جوردون"، الأستاذ المساعد في قسم الأشعة بمعهد "مالينكرودت للأشعة" التابع لجامعة واشنطن، وأحد المشاركين في الدراسة: إن اختبار تحديد الضرر الذي يلحق بالدماغ بسرعة وبتكلفة زهيدة قد يصبح متاحًا قريبًا، موضحًا أن هذا الاختبار لن يكشف عن قرب الإصابة بألزهايمر وحسب، بل يساعد في تحديد أمراض عصبية تنكسية أخرى مثل التصلب المتعدد وإصابات الدماغ أو السكتة الدماغية.

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أن الاختبار كان قادرًا على رصد علامات ألزهايمر قبل ظهورها بـ16 عامًا، وهي مدة كافية للغاية للتحديد الأشخاص المعرضين للخطر، قبل ظهور الأعراض السريرية للمرض.

وعن إمكانية إدخال هذا الاختبار في عيادات الأعصاب، قال "جوردون": "هذا أمر سهل؛ لأننا تأكدنا من دقته وصحته بعد مراقبة 39 شخصًا يعانون من المتغيرات الجينية المسببة للمرض؛ إذ أجرينا لهم الاختبار، وعادوا مرةً أخرى بعد عامين لإجراء الاختبار مرةً أخرى".

وأضاف: "خضع المشاركون أيضًا للفحص الدماغي بالإضافة إلى اثنين من اختبارات الوظائف المعرفية هما اختبار الحالة العقلية المصغر (MMSE) واختبار الذاكرة المنطقية، واكتشفنا أن مَن ارتفعت لديهم مستويات بروتين "Neurofilament" في الدم بسرعة خلال عامين ظهرت عليهم علامات ضمور الدماغ وتقلُّص القدرات الإدراكية، وهذه العلامات ليست خاصةً بمرض ألزهايمر فقط، بل يمكن أن تكون علامةً على العديد من الأمراض العصبية والإصابات المختلفة في الدماغ".

الجينات مفتاح اكتشاف المرض

من جانبه، رأى "أنور الإتربي" -أستاذ الأمراض العصبية والنفسية بجامعة عين شمس، ورئيس مشرف للجمعية المصرية للأمراض النفسية والعصبية- أن الاختبار الجديد يجب أن ينتظر موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) قبل اعتماده بشكل فعلي في عيادات الأطباء.

وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن هذا الاختبار يثبت صحة الأدلة التي تشير إلى أن دراسة الجينات الوراثية، قد تكون مفتاحًا حقيقيًّا لاكتشاف المرض في مراحله المبكرة، بجانب الاختبارات التقليدية التي تعتمد على الإشارات السيكولوجية التي تكشف اضطرابات الذاكرة والإدراك مثل اختبار (MMSE).

وعن الفئة الأكثر استفادةً من هذا الاختبار، يتوقع "الإتربي" أن تكون البداية بالأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي للإصابة بالمرض، بالإضافة إلى الأشخاص الذين يُصابون بما يسمى بـ"النسيان البريء" أو "ضعف الذاكرة البسيط"، وهي حالة من النسيان المتكرر تأتي للأشخاص في سن 20 إلى 30 عامًا، ويتعرض خلالها الأشخاص لنسيان الأحداث والتفاصيل، وقد تظهر على كلتا الفئتين بعد سن الـ50 عامًا أعراض الإصابة الفعليّة بألزهايمر.

لكن في الوقت نفسه، استبعد أن يتناول الأشخاص الذين يكشف الاختبار تعرُّضهم للخطر، علاجات مبكرة للسيطرة على أعراض المرض قبل ظهوره بـ16 عامًا؛ لأن هذه المسألة مرهقة ومكلفة جدًّا بالنسبة للمرضى، والأفضل في هذه الحالة مراقبة حالة الأشخاص المعرضين للخطر عبر إجراء اختبار الدم الجديد بشكل دوري سنويًّا، ومراقبة الأعراض الفعلية للمرض عليهم، وعند بداية ظهورها ولو بشكل بسيط، مثل ضعف الانتباه وعدم القدرة على اتخاذ القرار، يبدأ معها المرضى بتناوُل العلاجات.

وعن جدوى الأدوية الاستباقية التي يتناولها الأشخاص المعرضون للخطر، أفاد بأنها تشبه أدوية السكري الحالية من حيث الفاعلية؛ إذ إنها لن تشفي من المرض، لكنها تُسهم في السيطرة على تداعياته التي تنعكس على جودة الحياة وطرق التفكير واتخاذ القرار، وأداء المهمات اليومية بكفاءة.

وأضاف أن تلك الأدوية تؤدي دورًا في تخفيف أعراض ألزهايمر، بالإضافة إلى تأخُّر انتقال المرضى من مرحلة إلى أخرى ضمن المراحل الأربع الرئيسية للمرض، والتي تختلف مدتها البينية من شخص لآخر، وفقًا للعوامل الوراثية وسلامة الأوعية الدموية للدماغ.

قيمة علمية

"محمد لطفي" -أستاذ ورئيس قسم جراحة المخ والأعصاب، بكلية الطب قصر العيني، جامعة القاهرة- رأى أن ما توصل إليه الفريق يعتبر قيمةً علميةً أكثر منها علاجية؛ لأنهم اكتشفوا لأول مرة أن بروتين "Neurofilament" يمكن قياسه في الدم، ويتنبأ بقرب الإصابة بألزهايمر، وهذه قيمة علمية كبيرة.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف لطفي أن هذا الاكتشاف ستكون له قيمة علاجية كبيرة، حينما يتوصل الطب إلى علاج حاسم لمرض ألزهايمر؛ لأن العلاجات المتاحة حتى الآن عبارة عن أدوية تبطئ موت الخلايا العصبية في الدماغ، لكنها لا تشفي من المرض.

وأوضح أن الفائدة التي ستعود على الأشخاص من وراء هذا الاختبار هي المعرفة المسبقة بإمكانية الإصابة بألزهايمر، وبالتالي سيتحرك الأطباء لإعطاء الأدوية اللازمة التي ستُسهم بدورها في إبطاء موت الخلايا وتدهورها، ويعتمد معظمها على مضادات الأكسدة، والمكملات الغذائية والفيتامينات، ومنها الأحماض الدهنية "أوميجا3" وغيرها. وعن معدل سرعة تدهور الخلايا، أشار إلى أنه يختلف من شخص إلى آخر.