قبل نحو 250 مليون سنة، كان "الجوروجون الرهيب" يُطارد فرائسه في السهول الفيضية للمنطقة التي تُعرف الآن بقارة أفريقيا، لم تكن الديناصورات قد ظهرت بعد، ما أتاح لذلك الكائن المخيف التربُّع على قمة مُفترسات العالم، لا يُعرف على وجه الدقة نوع ضحاياه، ولا يُعرف الكثير عن ذلك الزاحف، إذ إن بقاياه لم تُخبر العلماء حتى الآن بالكثير عنه.

اختفى ذلك الكائن تمامًا خلال الانقراض الذي حدث في نهاية العصر البُرمي، والمعروف بـ"الموت العظيم"؛ إذ قضى على نحو 90% من الكائنات التي تعيش على سطح كوكب الأرض.

لم يعرف الباحثون بعد على وجه الدقة السبب وراء ذلك الحدث، ولم يعرفوا بطبيعة الحال أسباب الانقراضات الخمسة الكبرى التي حدثت في موجات متباعدة تفصلها ملايين السنوات، تلك الانقراضات التي محا أصغرها أكثر من 50% من الكائنات الحية، وكان آخرها انقراض العصر الطباشيري الثلاثي، الذي ترك لنا أحافير لكائنات أضحت معروفةً ومألوفةً للجميع .. الديناصورات.

ورغم أن الفترة الفاصلة بين الانقراض الأخير وعصرنا الحالي تتجاوز 65 مليون سنة، إلا أن العالم قد يشهد في المستقبل حدثًا انقراضيًّا سادسًا كبيرًا، لكننا هذه المرة نعرف أسبابه على وجه الدقة، وهي أسباب بعيدة كل البعد عن التكهنات التي تُعلل أحداث الانقراضات الخمسة الكبار التي حدثت في الماضي البعيد، فالموجة الانقراضية السادسة لن تكون بسبب نيزك يضرب الأرض من الفضاء، ولا بركان يندلع من باطنها، بل ستأتي على يدي كائن يستوطن سطح الكوكب الأزرق، الإنسان.

عن طبيعة هذا الانقراض وأسبابه، كشفت دراسة نُشرت نتائجها اليوم، 12 مارس 2019، في دورية "بلوس بيولوجي" أن التهديدات البشرية –كالرعي وتجريف الأراضي- تحدُّ بشدة من المناطق التي يُمكن أن تزدهر فيها الأنواع.

قام الفريق البحثي للدراسة بقيادة الباحث في جامعة كوينزلاند الأسترالية "جيمس آلان" برسم خريطة عالمية –هي الأولى من نوعها- كشفت عن أن محركات فقدان التنوع البيولوجي العالمي تنجم عن تأثيرات الأنشطة البشرية المدمرة، كأنشطة الصيد والزراعة والتحضر وكذلك الأنشطة الصناعية، ما يؤثر على نحو 5,457 من الأنواع الحية، كالطيور والثدييات والبرمائيات. كشفت تلك الخريطة أن ربع تلك الأنواع تقريبًا -1237 نوعًا- يواجه خطر الانقراض من جَرَّاء تهديدات مسَّت أكثر من 90% من أماكن توزيعها وانتشارها، وأن هناك نحو 395 نوعًا تأثرت بتهديدات عبر نطاقها بالكامل. وأظهرت الدراسة أن هذه الأنواع ستواجه بالتأكيد خطر الانقراض في حال لم تكن هناك أية تدخُّلات لصونها.

تصاعد ملحمي

بنغمات ناعمة تتصاعد من بيانو، يتبعها صوت كمان يتداخل مع دقات متصاعدة من آلة الدرامز الإيقاعية، تبدأ المقطوعة الموسيقية المعروفة باسم "الانقراض الهولسيني السادس"، والتي قام بتأليفها الموسيقي الكندي الأصل "هاري ستافيلاكيس" في عام 2017، يُشبه التدرج الموسيقي لتلك المقطوعة وتصاعُدها الملحمي ما يحدث على أرض الواقع، فرويدًا رويدًا، يستولي البشر على أراضي الكائنات الحية وموائلها، يأتون على أخضرها ويابسها، ويستعمرون تلك البيئات فتهجرها الكائنات مُحاوِلةً البحث عن بيئة أخرى. في الغالب، لا تنجح تلك الأحياء في التعافي أو التأقلم مع البيئات الجديدة، وهو الأمر الذي يتسبب في انخفاض أعدادها، وموتها خارج أوطانها الأصلية.

ومع استمرار توغُّل الإنسان على تلك البيئات، تستمر أعداد الكائنات في الانخفاض، خصوصًا بالنسبة للحيوانات التي تُمثل صيدًا جيدًا للإنسان، ومنها الفيلة ووحيد القرن، التي "من المؤكد أنها ستواجه خطر الانقراض في القريب العاجل"، على حد قول "جيمس آلان" في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

ووجدت الدراسة أن الكائنات التي تعيش على نحو 84% من مساحة سطح الأرض تتأثر بشكل أو بآخر بالأنشطة البشرية، وكشفت عن بؤر عالمية ساخنة لتلك النشاطات، كجنوب شرق آسيا، وأمريكا الجنوبية، التي تضم الغابات الاستوائية التي تتمتع إلى الآن بأغنى تنوُّع بيولوجي على سطح الأرض.

ويقول "جيمس" إن الدراسة حددت بعض المناطق الباردة التي لم تتأثر فيها الأنواع، وهي مناطق –على قلتها- قد تكون آخر الملاجئ العالمية الخالية من تهديد اندثار الأنواع، ويشير "جيمس" في تصريحاته لـ"للعلم" إلى أن الدراسة "تذكير مدهش بحدة أزمة انقراض التنوع البيولوجي، غير أنها أيضًا تُعطي بارقة أمل، وإن كانت خافتة، قد تُنقذ ذلك التنوع المدهش".

إستراتيجيات وقف التهديدات

توفر الدراسة أيضًا معلومات أساسية عن سبل التخطيط الواجب اتِّباعها لحفظ الأنواع المهددة بالانقراض، كما تُظهر مجموعة من الإستراتيجيات الفعالة التي يُمكنها وقف التهديدات، وانتعاش الأنواع المهددة من جديد، عبر اتباع مجموعة من الاجراءات، كالتوقف عن الممارسات البشرية المدمرة وتوسيع المناطق المحمية، وهي أمور يسهل تنفيذها، لكنها "تحتاج فقط إلى إرادة سياسية وتمويل مستقر"، على حد ما يذكر "جيمس" في تصريحاته لـ"للعلم".

تقول الدراسة إن الأنشطة البشرية واستخدام الأراضي للزراعة وعمليات التجريف المستمرة أمور تشكل حاليًّا "ضغوطًا غير مسبوقة على البيئات الغنية"، وهو الأمر الذي يُهدد عشرات الآلاف من الأنواع بالانقراض، بسبب انحسار موائلها الطبيعية واستخدام أراضيها لزراعة المحاصيل أو كمراعٍ للحيوانات المستأنسة أو في مشروعات البنية التحتية، وكذلك الإفراط في استغلال تلك الأنواع من خلال أنشطة الصيد بهدف التسلية أو بهدف الحصول على الطعام.

ويختلف توزيع تلك الأنشطة من مكان إلى آخر، لذا؛ قام الباحثون برسم خريطة للتداخلات البشرية مع موائل الأنواع الحساسة المُهددة بالانقراض في محاولة لتحسين قدرتنا على تحديد الأولويات والإجراءات المختلفة الهادفة إلى تخفيف الآثار البشرية على التنوع البيولوجي، وربط البيانات المكانية بالتهديدات الخطيرة للكائنات الحية.

ونجحت تلك الورقة البحثية في تقديم تقييم عالمي هو الأول من نوعه للتوزيع المكاني للآثار البشرية على الطيور الأرضية والثدييات والبرمائيات المهددة عالميًّا.

في البداية، حدد الباحثون الأنواع المُهددة وشبه المهددة بالانقراض، فوجدوا أن هناك 2120 من الطيور، و2060 من البرمائيات و1277 من الثدييات في طور التهديد الجدِّي بالانقراض، ثم نظر الباحثون في الضغوط البشرية في نطاق بيئات تلك الأنواع.

نظر العلماء في ثمانية ضغوط بشرية تؤثر على الموائل الأصلية للأنواع المهددة وشبه المهددة، هي: الكثافة السكانية، والسكك الحديدية، وأضواء الليل، والطرق الرئيسية، والممرات المائية الصالحة للملاحة، وأراضي المراعي، وأراضي الزراعة، والعمران عبر بناء المباني.

ثم قام الباحثون في الدراسة بربط تلك الضغوط بتوزيعات الأنواع المهددة، لتحديد التأثير التراكمي لتلك الضغوط – مجتمعةً كانت أو فردية- على أعداد تلك الأنواع.

ووجد الباحثون أن دولة ماليزيا لديها أعلى متوسط للضغوط التي يُمارسها الإنسان على موائل الكائنات المُهددة بالانقراض، تليها بروناوي وسنغافورة، ثم الغابات الاستوائية وشبه الاستوائية الرطبة في جنوب شرق البرازيل، وغابات إندونيسيا فالغابات شبه المدارية في الهند وميانمار وتايلاند.

كما حدد الباحثون مناطق "باردة" لم تؤثر فيها النشاطات البشرية على الموائل الأصلية للكائنات المهددة، شملت تلك المناطق أجزاءً من سيبيريا، وأخرى من وسط آسيا، وشمال كندا، وبعض أجزاء الصحراء الكبرى الأفريقية.

بعد تحديد المناطق وجمع البيانات، وتقييم الضغوط وتأثيرها على الكائنات، قام الباحثون بتغذية الحاسوب بالمعلومات، لتحليل مدى التأثيرات البشرية على الأنواع المحددة بالدراسة، ومقارنتها بالبيانات الموجودة في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة، ورسم علاقة بين المكان والنوع، على خريطةٍ حددت النقاط الساخنة والباردة للتأثيرات البشرية التراكمية الثمانية.

ويقول "جيمس آلان" إن تلك الخريطة تُعطي دلالات لونية للمخاطر التي تتعرض لها الأنواع في بيئتها الأصلية، ويشير اللون الأزرق إلى عدم وجود خطورة تُذكر، أما اللون البرتقالي فيُشير إلى أقصى قدر من الخطورة، وتتدرج الألوان بينهما ومعها تتدرج خطورة تعرُّض الكائنات للاندثار.

جرس الإنذار الأخير

في عام 2017؛ قالت دراسة نُشرت نتائجها في دورية وقائع الأكاديمية الأمريكية للعلوم إن أعدادًا مهولة من الكائنات "أُبيدت بيولوجيًّا" في العقود الأخيرة، مؤكدةً أن تاريخ الأرض يشهد "موجة انقراض جماعي سادسة"، وأن تلك الموجة "أشد مما كان يُعتقد سابقًا".

تجنبت تلك الدراسة النغمة الرصينة للأوراق العلمية بعد أن وصفت الخسارة الهائلة للحياة البرية بكونها "إبادةً تُمثل اعتداءً مخيفًا على أسس الحضارة الإنسانية" وقتها، قال مؤلفها "جيراردو سيبالوس": إن الوضع "أصبح سيئًا للغاية، لدرجة أنه لن يكون من الأخلاقي عدم استخدام لغة قوية في أبحاثنا العلمية".

فيما أظهرت دراسات أخرى أن الأنواع انقرضت بمعدلات أسرع بكثير من ملايين السنوات السابقة، فنحو 50% من جميع الحيوانات ضاعت في العقود الأخيرة، أما الحيوانات المتبقية فقد فقدت 80% منها موائلها الأصلية، وخلال السنوات القليلة الماضية، فقد محيطنا الحيوي مليارات من الثدييات والطيور والزواحف والبرمائيات، وهو ثمن يصفه العلماء بـ"الباهظ للغاية"؛ إذ إن عواقبه "ستمتد لتشمل البشر أنفسهم"، على حد ما يقول الباحث بجامعة هاواي "روبرت كوي"، الذي يصف نتائج الدراسة الحديثة بـ"جرس الإنذار الأخير" الذي يجب أن يدق في عقول ومشاعر "كل أصحاب القرار".

ويقول "كوي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الخريطة التي صممها باحثو جامعة "كوينزلاند" تُشير إلى وجود تدهور "يُمكن عكس آثاره"، لكن "المستقبل يبدو مظلمًا للغاية".

ويرى "كوي" أن التدخلات البشرية الثمانية الموصوفة في الدراسة "كافية للتأثير على أعداد الكائنات الحية"، إلا أنه يؤكد أن هناك مجموعة من العوامل الأخرى التي تشمل "التلوث وغزو الأنواع الغريبة وتغيُّر المناخ" يُمكن أن تُهدد موائل الكائنات الحية، إلا أن تلك العوامل "آثار مباشرة أيضًا للزيادة السكانية والاستهلاك المُفرط للموارد الطبيعية".

يُمكن القول إن حياة البشر مُهددة هي الأخرى، وإن القطار الذي انطلق على قضبان الانقراض لن يتوقف حتى يصل إلى محطته الأخيرة، "تلك المحطة هي الإنسان"، كما يقول "كوي"، الذي يُؤكد أنه من الغباء تصوُّر أن ما يفعله البشر في محيطهم الحيوي لن يمسهم في نهاية المطاف، "نحن جزء من منظومة شديدة الاتساق.. وحين يحدث الخلل، سيصل تأثيره إلينا، وسينتهي نوعنا، وسيكون مصيرنا كمصير سادة الأرض السابقين.. الديناصورات".