خلصت دراسة أجراها باحثون من "جامعة نيويورك أبو ظبي" إلى أن المناقشات الموضوعية يمكن أن تساعد في تحسين التعاون بين الطوائف الدينية في المجتمعات التي تتميز بتنوع تلك الطوائف، وذلك من خلال بحث أسباب الفشل في التعاون وفوائده بين الطوائف الدينية المختلفة في مجتمع واحد، مشيرةً في الوقت ذاته إلى أن "مثل هذه المناقشات العميقة نادرة للغاية".

وشددت الدراسة التي نشرتها دورية "أمريكان جورنال أوف بوليتيكال ساينس"، على أنه يمكن تعزيز التعاون بين المجموعات المختلفة حتى في المناطق المنقسمة بشدة مثل منطقة الشرق الأوسط. وأوضحت أن الدعوات التي يطلقها الخبراء والساسة ورموز المجتمع لتعزيز التعاون بين الطوائف الدينية المختلفة زادت من فرص "التعاون غير المشروط"، أي القائم على الإيثار الذي لا يستند إلى توقعات المعاملة بالمثل، ولكنه فشل في زيادة التعاون القائم على فرض شروط مسبقة.

ورأى الباحثون أن هذا يحدث على الأرجح لأن مستوى الثقة العالي بين هذه المجموعات شرط أساسي للتعاون القائم على فرض شروط مسبقة. كما خلصت الدراسة أيضًا إلى أن مناقشات المجموعات دون تدخل مساعدين للباحثين يقومون بدور "العميل"، ودون دور للنخبة في التوجيه، تفشل عمومًا، ما لم تكن هذه المناقشات موضوعيةً بشكل استثنائي.

عينة تمثيلية

تم اختيار المشاركين (180 من المسلمين السنة و180 من المسلمين الشيعة) من جميع أنحاء العاصمة اللبنانية (بيروت)، بهدف تجميع عينة تمثيلية من السكان هناك. وكان ثلثا المشاركين من أحياء تهيمن عليها طائفة واحدة، والثلث الباقي من أحياء مختلطة، ما مثَّل مقاربةً لكيفية توزيع المسلمين في أحياء بيروت.

وكان متوسط عمر المشاركين (وجميعهم حصلوا على تعليم امتد لـ12 عامًا) 37.3 عامًا، فيما انحدر المشاركون من أسر ذات دخل شهري يبلغ حوالي 2100 دولار. وكان جميع المشاركين متساوين في التمثيل من حيث الجنس (نصفهم من الرجال والنصف الآخر من النساء)، والمذهب (انقسموا ما بين مسلمين سنة وشيعة).

وبمجرد بدء الدراسة، تم توزيع المشاركين بشكل عشوائي على مجموعات مكونة من ستة أعضاء. وكانت كل مجموعة متوازنةً فيما يتعلق بالمذهب (ثلاثة شيعة وثلاثة سنة)، والجنس (ثلاثة رجال وثلاث نساء)، والعمر (ثلاثة مشاركين تتراوح أعمارهم بين 18 و40 وثلاثة تتراوح أعمارهم بين 41 و64).

وتعمَّد الباحثون عدم وجود علاقة اجتماعية بين المشاركين في المجموعة نفسها، وألا يتحدث بعضهم إلى بعض حتى يتم إصدار تعليمات بعكس ذلك.

وطلب الباحثون من المشاركين الحفاظ على سرية أسمائهم طوال فترة البحث؛ لأن الأسماء يمكن أن تكون علامةً على الانتماء الطائفي، واكتفوا بإبلاغهم أن هناك ثلاثة من الشيعة وثلاثة من المسلمين السنة في المجموعة دون أن يكشفوا عن المشاركين المحددين الذين ينتمون إلى أي طائفة أو تقديمهم لهم، وطلبوا منهم قراءة التعليمات وإدارة المناقشات الجماعية باللغة العربية.

3 مراحل

تم إجراء التجربة في نوفمبر 2016، واستمرت على مدار 12 جلسة منفصلة تم الانتهاء منها في 8 أيام. ومرت الدراسة بثلاث مراحل: أُولاها الدخول في مناقشات دون أي تدخل من جانب الخبراء أو من جانب مساعدي الباحثين (الذين جرت الاستعانة بهم لأداء دور العميل الذي يحرض على النقاش) لإحداث تغييرٍ ما في وجهات النظر، والثانية تضمنت تدخلًا من جانب الخبراء دون وجود أي عملاء مساعدين لفريق البحث، والثالثة اشتملت على تدخُّل كلٍّ من الخبراء ومساعدي الباحثين لإحداث تغيير في وجهات نظر عينة البحث.

وبدأت عملية تدخل الخبراء من خلال بث مقطع فيديو يتضمن حوارًا سياسيًّا يناقش فيه أربعة خبراء -اثنان من المسلمين الشيعة وصحفيان من المسلمين السنة في الخمسينيات من العمر- حول المشكلات الملحَّة على الساحة السياسة اللبنانية، والتعاون بين الطوائف، والتجمع حول هوية وطنية مشتركة في حل المشكلات، وأدارت النقاش صحفية مسيحية.

وكان جميع الخبراء الأربعة والمشرف من الشخصيات البارزة في وسائل الإعلام اللبنانية، إذ عُرف عنهم مساهماتهم في نشر مقالات الرأي في صحف كبرى، ويظهرون على شاشات التلفاز الوطني، ويدعون باستمرار إلى التعاون بين الطوائف، ويؤكدون أهمية الهوية الوطنية اللبنانية المشتركة.

وأكد 44% من عينة البحث أنهم تابعوا واحدًا على الأقل من أسماء الخبراء، إما على شاشات التلفاز أو من خلال قراءة آرائهم في وسائل الإعلام المطبوعة، وأوضح 71% من عينة البحث أن الخبراء الأربعة إما مقنعون جدًّا أو مقنعون تمامًا؛ إذ دعا الخبراء إلى التعاون بين الطوائف، بهدف خلق هوية وطنية لبنانية مشتركة؛ حتى يمكن التغلب على مشكلات الفساد وعدم الكفاءة في توفير الخدمات العامة، وتعزيز الشروط المسبقة للنزاع العنيف.

استمرت مناقشات الخبراء لمدة 15 دقيقة، تبعتها مناقشات داخل كل مجموعة على حِدَةٍ، استمرت أقصرهن من حيث الوقت لمدة 28 دقيقة، أما أطولهن فاستمرت لمدة بلغت 39 دقيقة.

قياس التعاون

صمم الباحثون التجربة الأولى لقياس التعاون غير المشروط، وذلك من خلال محاكاة لعملية انتخابية جرت على مدار أربع جولات. وقبل بدء العملية الانتخابية، منح الباحثون كل فرد داخل المجموعة 40 عملةً افتراضية، كلٌّ منها يعادل نصف دولار، ثم طلبوا من كل فرد دفع 20 عملة باعتبارها ضريبةً مستحَقةً للدولة، واحتفظ كل مشارك ببقية المبلغ، ووضع الباحثون العملات الافتراضية التي دفعها المشاركون (والتي بلغ عددها 120 عملة افتراضية تقدر قيمتها بـ60 دولارًا) على الطاولة.

وفي كل جولة، كان هناك مرشحان، أحدهما شيعي والآخر سني، وكان على كل مرشح مخاطبة إحدى مجموعات العينة وتقديم مقترحات سياسية فيما يتعلق بكيفية تقسيم الضرائب على الشيعة والمسلمين السنة في المجموعة، وفي كل مرة كان هناك مرشح يقترح توزيع تلك الضرائب توزيعًا متساويًا بين عناصر المجموعة دون النظر إلى مذاهبهم، أما المرشح الآخر فكان عليه الدعوة إلى تقسيم تلك المبالغ على أساس طائفي أو مذهبي.

وأظهرت التجربة أن "التعاون المشروط"، القائم على فرض شروط مسبقة، لم ينجح في التقريب بين وجهات النظر المتباينة للأشخاص في المجموعة"، وبالتالي أدت النزعات المذهبية والطائفية دورًا فيما يتعلق بآلية توزيع الضرائب.

واستهدفت التجربة الثانية قياس مدى قبول عينة الباحث لفكرة العطاء غير معروف الوجهة؛ إذ تم منح كل مشارك 10 عملات افتراضية لمنح نصفها لشخص آخر من طائفته نفسها دون أن تكون هناك أي علاقة تربطه به سوى العلاقة المذهبية، ومنح النصف الآخر لشخص من مذهب آخر.

أما التجربة الثالثة، فاستهدفت قياس قوة التعاون الشرطي، إذ تم منح كل مشارك 10 عملات افتراضية، وطُلب منه الاحتفاظ بما يريده منها وتوزيع الجزء الباقي على مَن يشاركونه في مجموعتين إحداهما مختلطة والأخرى تضم عناصر من المذهب نفسه، وتم تكرار تلك التجربة 5 مرات، ووجد الباحثون أن تحقيق التعاون في مجموعات غير متجانسة أكثر صعوبةً من تحقيقه في البيئات المتجانسة.

تقييم التجارب الميدانية

يقول "ليونيد بيساخين" -أحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": نقيم أنا ومشاركتي في الدراسة (هان إيل تشانج) في الشرق الأوسط، ولاحظنا أن التوترات بين الشيعة والسنة في ازدياد لأسباب مختلفة. حاولنا أن نرى ما إذا كانت هناك بعض الأدوات في العلوم الاجتماعية التي من شأنها أن تساعد على خلق تعاوُن أكبر بين الطوائف المختلفة في مجتمع واحد.

ويضيف "بيساخين": استخدمنا التجارب الميدانية لاستكشاف ما إذا كان من الممكن تحسين التعاون بين الطوائف من خلال تدخل من أعلى إلى أسفل (نداء متعدد الطوائف من جانب المثقفين/الخبراء) ومن أسفل إلى أعلى (نقاش جماعي صغير بين الشيعة والسنة حول طبيعة النزاع والتعاون بين الطوائف)، وهذه الدراسة هي واحدة من الدراسات التجريبية القليلة في العلوم الاجتماعية حول التعاون بين المسلمين الشيعة والسنة، مشددًا على أنهم أول مَن اختبر فاعلية الدور الذي يمكن أن يقوم به الخبراء ونخبة المجتمع في توليد التعاون بين الطوائف، وفق قوله.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول إمكانية تعميم نتائج الدراسة على مجتمعات أخرى، يقول "بيساخين": "إن الدراسة اعتمدت في الأساس على نموذج العلاقات الشيعية- السنية في لبنان. ومطلوب مزيد من العمل لاختبار النتائج التي توصلنا إليها في سياقات أخرى".

ويضيف أن "التأكد مما إذا كانت النتائج التي توصلنا إليها من الممكن أن تنطبق على بلاد أخرى تكون فيها العلاقات بين الطوائف محفوفةً بالمخاطر، تحتاج إلى تكرار الدراسة في تلك البلدان، ونحن نعمل الآن على مشروع في كوريا -يبحث في العلاقات بين الكوريين الجنوبيين والشماليين- لمعرفة هل تنتقل النتائج من السياق الطائفي إلى بيئة مختلفة تمامًا بعد انتهاء الصراع أم لا".

مذاهب متنافسة

من جهته يقول "سعيد صادق" -أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة تقارن بين 180 من السنة و180 من الشيعة، وهنا سؤال يطرح نفسه: هل هؤلاء الأفراد ممارسون حقيقيون لمعتقدات طائفتهم أم متسامحون وعلمانيون ولكنهم ينتمون إلى هذه الطوائف المتصارعة؟".

ويضيف: إذ إن لدى المجتمعات اللبنانية العديد من المشاهير من الطوائف المتنافسة ممن يحظون بشعبية كبيرة بين الطائفتين مثل راغب علامة وهيفاء وهبي، فكلاهما شيعي، ولكنهما يتمتعان بشعبية كبيرة بين السنة، ما يعني أن الانقسام الشيعي السني في لبنان له علاقة بالسياسة والموارد أكثر من العقائد والأيديولوجيات.

من جهتها، تقول "روث ميس" -أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة "أوكسفورد" البريطانية- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة لم تضف الكثير من الناحية العملية، وعلى الرغم من أن المناقشات العميقة حول أسباب النزاع كان لها بعض التأثير الإيجابي على زيادة التعاون، إلا أن مجرد مطالبة أعضاء المجموعتين بالتحدث بعضهم إلى بعض لم يكن له أي تأثير على زيادة التعاون فيما بينهم".

وأضافت "ميس" أنه "يمكن القول إن هذه كلها كانت سيناريوهات تجريبية، وليست مهمات تعاون حقيقية بالطبع (حيث يكون من الصعب دراستها بطريقة خاضعة للرقابة)، ولكن يمكن أن تكون مؤشرًا على بعض التدخلات التي قد تنجح أو لا تنجح على أرض الواقع".