في فبراير الماضي، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة، وسط حشد انتخابي في مدينة "لاس فيغاس" الأمريكية. كان "ترامب" منفعلًا، ويتحدث بعصبية عن متظاهرين عطلوا مسيرته الانتخابية، وبالتحديد عن رجل، قال إنه يود لو أنه استطاع أن "يلكمه في وجهه".

تلك التصريحات هي الأحدث في سلسلة من تعليقات "ترامب" المثيرة للجدل، والتي أدلى بها بشأن المتظاهرين في مسيراته. قبلها، وفي نوفمبر ٢٠١٩، تعرض أحد المتظاهرين المعارضين للضرب ومحاولات الخنق من أنصاره بعد أن حاول عرقلة إحدى مسيراته.. وبدا ترامب وكأنه يتغاضى عن تلك المعاملة القاسية.

يُلاحظ القاصي والداني تصاعدًا في الاستقطاب المرير بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي في الولايات المتحدة، ولكن وفقًا لدراسة جديدة قادتها جامعة نورث وسترن، فإن ازدراء الحزب السياسي المعارض -ولأول مرة على الإطلاق- يفوق حب الشخص لحزبه الخاص. وفق دراسة نُشرت اليوم في دورية "ساينس".

الاستقطاب باعتباره مسألةً أيديولوجية

يُعد الاستقطاب السياسي مصدر قلق في العديد من البلدان، وبشكل خاص في الولايات المتحدة. على مدى عقود، درس العلماء الاستقطاب كمسألة أيديولوجية تتعلق بالاختلاف بين الديموقراطيين والجمهوريين تجاه المُثل والقيم والمبادئ السياسية.

مثل هذه المنافسة بين الأحزاب هي سمة مميزة للديموقراطية السليمة. لكن في الآونة الأخيرة، حدد الباحثون نوعًا ثانيًا من الاستقطاب، يركز بدرجة أقل على انتصار الأفكار، ويميل إلى الهيمنة على المؤيدين للطرف المعارض بغض النظر عن أفكارهم التي قد تتفق أو تختلف مع رؤيتهم الشخصية.

قدمت الدراسة الجديدة مفهومًا جديدًا للطائفية السياسية، وحددت مكوناتها وحللت أسبابها وعواقبها على المجتمع الأمريكي، وكذلك التهديدات التي تُشكلها على الديموقراطية، كما اقترحت مجموعةً من التدخلات لتقليل آثارها.

وتعرض الورقة مفهوم "الطائفية السياسية" لوصف الظاهرة. وتقول إن الطائفية السياسية لها سمات الحماسة الدينية. ولكن على عكس الطائفية التقليدية، حيث تكون الهوية السياسية ثانويةً للدين، فإن الهوية السياسية في ذلك النوع من الطائفية أساسية.

تُعرف الطائفية بكونها أحد أشكال التحيز أو الكراهية، الناشئ عن الإحساس بالتفوق بين الأفراد. تتنوع أسسها الأيديولوجية وفقًا للمجموعة التي تُمارسها. فبعض المجموعات الدينية تتصور أن الجنة حكرٌ عليها، في حين تتصور مجموعات ثقافية أن مُثلها والقيم التي تمثلها مجموعتها هي الصواب المُطلق.

وتنشأ عن الطائفية صراعات عنيفة، قد يكون منبعها الدين أو السياسة أو حتى الجنس واللون. وفي الغالب يكون الوضع الطائفي معقدًا؛ إذ إنها في أبسط أشكالها تُعبر عن وجود هويتين مجتمعيتين أو أكثر، تتشارك العيش في بلد واحد، وتنقسم وتتناحر طيلة الوقت من جَرَّاء اختلافها.

في العقد الماضي، أدخل علماء الاجتماع مصطلح الطائفية السياسية للإشارة إلى النوع غير الأيديولوجي من الاستقطاب. ففي ذلك النوع، تميل المجموعات إلى تبنِّي تماهٍ أخلاقي مع مجموعة سياسية ضد أخرى. ويتم استدعاء التشابهات السياسية والتركيز بدرجة أقل على الأفكار.

يقول أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة "نورث وسترن" وهو أحد مؤلفي تلك الدراسة، إيلي فينكل: إن انتماء شخصٍ ما إلى الحزب الجمهوري يجعله شديد التعصب على سبيل المثال ضد منع الأسلحة، "حتى وإن كانت أفكاره الخاصة مع منع السلاح"، مشيرًا في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن مجرد السقوط في دائرة الطائفية السياسية "يجعل الشخص يُنحي أفكاره جانبًا، ويتماهى مع أفكار حزبه ويتوحد مع قياداته". وعلى عكس الطائفية الدينية التي تُنحي السياسة جانبًا، تُعتبر الهوية السياسية أساسيةً في الطائفية السياسية.

في الولايات المتحدة اليوم، على الرغم من وجود بعض الاختلافات بين الديموقراطيين والجمهوريين ​​من حيث الانتماء الديني (بروتستانت أنجليين 25٪، وبروتستانت 14٪، وكاثوليك 20٪، ومورمون 1.6٪، ويهود 1.9٪، ومسلمين 0.9٪، ودون ديانة 15.8٪، والباقي ديانات أخرى)، فإن الانقسام بينهم سياسي في الأساس وليس دينيًّا. وبهذا المعنى، فهي مختلفة تمامًا عن الانقسامات الطائفية السنية مقابل الشيعة، التي تميز التفاعلات السياسة في بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة.

مكونات الطائفية السياسية

تتكون الطائفية السياسية من ثلاثة مكونات أساسية: الآخر وفيها يميل الطائفيون إلى النظر إلى المعارضين على أنهم مختلفون بشكل أساسي أو غريبو الأطوار، والنفور وفيها يميل الطائفيون إلى كره المعارضين وعدم الثقة بهم، والأخلاق وهي الميل إلى رؤية المعارضين على أنهم ظالمون.

ويمثل التقاء هذه المكونات نقطة انطلاق تجعل الطائفية في أوجها. إن النظر إلى المعارضين على أنهم مختلفون، أو حتى غير محبوبين أو غير أخلاقيين، قد لا يكون مشكلة في حد ذاته. ولكن عندما تتقارب المكونات الثلاثة، يمكن أن تبدو الخسائر السياسية وكأنها تهديدات وجودية يجب تجنُّبها مهما كان الثمن.

ويقول "فينكل" إن الحالة الحالية للطائفية السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية تنتج التحيز والتمييز والتشويه المعرفي، مما يقوِّض قدرة الحكومة على أداء وظائفها الأساسية المتمثلة في تمثيل الشعب وحل مشكلات الأمة، ويجعل الناخبين أكثر استعدادًا لدعم المرشحين الذين يقوِّضون الديموقراطية، كما تجعلهم أيضًا يُفضلون العنف لدعم أهدافهم السياسية.

قام الباحثون في تلك الدراسة بإجراء مراجعات منهجية لعشرات الدراسات البحثية المنشورة لتحديد المكونات الثلاثة للطائفية السياسية، ليصفوا تلك المكونات بكونها "الكوكتيل السام لما يحدث اليوم على الساحة الانتخابية الأمريكية".

فعبر استخدام بيانات استقصائية تمثيلية على المستوى الوطني منذ السبعينيات، قام المؤلفون بحساب الفرق بين المشاعر الدافئة للأمريكيين تجاه زملائهم الحزبيين ومشاعرهم الباردة تجاه المعارضين. في حين أن المشاعر تجاه زملائه الحزبيين ظلت دافئةً على الدوام، فإن المشاعر تجاه المعارضين تراجعت وتحولت إلى كراهية، تلك الكراهية التي أصبحت الشعور المهيمن في السياسة الأمريكية.

يقول الباحثون إن الأمور أصبحت أكثر خطورةً في العقد الماضي، فبقدر ما تختلف الأحزاب بعضها عن بعض، يرى الحزبيون اختلافات أكبر، معتقدين، على سبيل المثال، أن الطرف الآخر متطرف إيديولوجيًّا وعدائيًّا. تصحيح هذه الأنواع من المفاهيم الخطأ يمكن أن يُبطل الطائفية جزئيًّا.

في تلك الدراسة، حدد الباحثون الأسباب المتعددة للطائفية السياسية، تشمل تلك الأسباب اصطفاف الهوية، ويعني أن هويات الأحزاب السياسية قد تم تصنيفها إلى "هوية ضخمة" على أسس عرقية ودينية وتعليمية وجغرافية. أما السبب الثاني فيتمثل في ظهور الإعلام الحزبي، متأثرًا بإنهاء "مبدأ العدالة" الصادر عن لجنة الاتصالات الفيدرالية في عام 1987، والذي يتطلب من الإعلاميين مناقشة الموضوعات المثيرة للجدل بطريقة غير منحازة، في حين يأتي ثالثًا الاستقطاب الأيديولوجي للنخبة، مع تحرُّك السياسيين الجمهوريين إلى اليمين أكثر وتحرُّك السياسيين الديموقراطيين إلى اليسار أصبح السياسيون في كلا الحزبين يعتمدون اعتمادًا متزايدًا على المانحين الأيديولوجيين المتطرفين.

التدخلات السلوكية

يقول أستاذ العلوم السياسية وزميل هيئة التدريس في معهد أبحاث السياسات بجامعة نورث وسترن، جيمس دروكمان -وهو أحد مؤلفي تلك الدراسة- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الطائفية السياسية كمفهوم لا يمكنها فقط تقويض العلاقات الاجتماعية، ولكن أيضًا تقويض التمثيل الديموقراطي، وعملية الحفاظ على المؤسسات الديموقراطية، وقدرة الديموقراطيات على حل المشكلات الجماعية، مشيرًا إلى أن أسبابها المتعددة "يُمكن تداركها عبر استخدام التدخلات السلوكية التي تشجع الناس على الانخراط في تفاعلات مع زملائهم في الأحزاب الأخرى.

ينصح الباحثون بأن الإصلاحات الهيكلية مطلوبة أيضًا، وذلك يتضمن تعديل خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي؛ للحد من وصول المحتوى الزائف أو شديد الحزبية أو منع طرق تحفيز السياسيين على جذب نسبة أكبر من الأمريكيين. كما اقترحوا أيضًا نظامًا للإصلاحات المتعلقة بتمويل الحملات الانتخابية والتقسيم الحزبي كطرق للحد من السلوكيات الطائفية وتوليد منافسة أقوى في سوق الأفكار.

في عام 1950، أصدرت جمعية العلوم السياسية الأمريكية تقريرًا أعربت فيه عن قلقها من أن مواطني الولايات المتحدة الأمريكية غير مهتمين بدرجة كافية بالسياسة. قال التقرير إن التمايُز الأيديولوجي سمة أساسية للديموقراطية القائمة على الحزبية، مما يزيد من حدة النقاشات حول الموضوعات المهمة.

ونظرًا إلى كون معظم الناس يفتقرون إلى الخبرة المطلوبة لإصدار أحكام مستنيرة بشأن سياسات مُحددة، فإن البرامج الحزبية المتباينة والمتماسكة داخليًّا يُمكن أن تعمل كإرشادات مفيدة للناخبين؛ لتحديد أولويات سياساتهم المفضلة ومساءلة السياسيين.

غير أن ذلك الأمر يختلف تمامًا عن الطائفية السياسية التي طغت على الجمهور وولَّدت صراعًا قائمًا على الهوية ضد "المعارضين الفاسدين". وفيها تركِّز الإستراتيجيات السياسية القابلة للتطبيق بدرجة أقل على الحجج القائمة على السياسات، وتصبح أكثر تركيزًا على تهميش المعارضة، مع التشهير الكاذب والتكتيكات المناهضة للديموقراطية إذا لزم الأمر.

وبقدر ما ينتهج السياسيون تلك السياسات يتم تحفيزهم لتدمير فكرة الموضوعية تمامًا، وتقويض سمعة مدققي الحقائق، وتعبئة الموالين الطائفيين لتصديق "حقائق بديلة".

يقول أستاذ العلوم السياسية "ماثيو ليفيندوسكي"، لم يُشارك في تلك الدراسة: إن الطائفية السياسية الناجمة عن الاستقطاب الحاد للناخبين "أصبحت في أوجها مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية"، مشيرًا إلى أنها تُمثل "تهديدًا شديد الخطورة على السياسة الأمريكية".

يتفق "ليفيندوسكي" مع نتائج الدراسة اتفاقًا كليًّا. ويقول: "إنها تقرع أجراس الإنذار التي تُعلن عن احتمالية انتهاء الديموقراطية الأمريكية التي نعرفها اليوم".