مع نهاية عام 2015، احتل فيروس زيكا مساحات كبيرة من عناوين الأخبار حول العالم. كانت الصورة وقتها لا تزال مشوشة؛ فيروس ليس بجديد تم اكتشافه في منتصف القرن الماضي، يعاود الظهور بقوة في البرازيل. ومع ارتفاع معدلات تشوهات الأجنة في البرازيل، والتي عُزِيت بشكل مؤقت إلى الإصابة بفيروس زيكا، انتبهنا فجأةً إلى أننا لا نعرف عنه الكثير. كنا نعرف أنه فيروس ينتقل عن طريق لدغة البعوض، خاصة نوع يُعرَف بالزاعجة المصرية، اكتُشِفَ في القرود عام 1947 في غابات زيكا بأوغندا. ثم انتقل فيروس زيكا من القرود إلى الإنسان، حيث رُصدت أول إصابات بشرية في نيجيريا عام 1954. ونظرًا لأن أعراض الإصابة التي تم تسجيلها في ذلك الوقت كانت خفيفة، وتكاد لا تتخطى أعراض نزلة البرد، لم يحظ فيروس زيكا باهتمام الأطباء والباحثين. استمر هذا التجاهل إلى أن عاود فيروس زيكا الظهور في بعض جزر المحيط الهادي عام 2007 ثم 2013، مسببًا عددًا أكبر من حالات الإصابة. ومع حركة المسافرين، استقر الحال بفيروس زيكا مع بدايات عام 2015 في البرازيل، التي وجد فيها ملاذًا آمنًا وذهب لينتشر كالنار في الهشيم، ليتسبب في أكثر من مليون حالة في شهور قليلة. من البرازيل، انتقل فيروس زيكا إلى دول عديدة في أمريكا الجنوبية، ثم في أمريكا الشمالية وأوروبا، ليصل عدد الدول التي سجلت حالات إصابة إلى 60 دولة حتى الآن.

كانت البرازيل محطة فاصلة في تاريخ حياة فيروس زيكا؛ لأنها سلطت الضوء على احتمالية أن يكون هذا الفيروس أخطر مما بدا عليه في السابق. كانت هناك علاقة غير مؤكدة بين الإصابة بفيروس زيكا ومضاعفات عصبية نادرة، تُعرف بمتلازمة Guillian-Barre، تَنتُج عن رد فعل مُبالَغ فيه من جهاز المناعة والذي يتجه لمهاجمة خلايا الجسم العصبية. وتظهر تلك المضاعفات في صورة فقدان الإحساس في بعض أجزاء الجسم، أو ضعف عام وآلام في العضلات، قد تتطور إلى شلل عام ووفاة في بعض الحالات. عُضِّدت هذه العلاقة بدارسة بحثية نُشِرَت في شهر فبراير الماضي، وأشارت إلى وجود الأجسام المناعية المُمَيزة لفيروس زيكا في 98٪ من عينات دم 42 مريضًا في إحدى جزر المحيط الهادي، ظهرت عليهم أعراض متلازمة Guillian-Barre العصبية في أعقاب إصابتهم بفيروس زيكا.

هل إصابة الحامل بفيروس زيكا تؤثر على صحة المولود؟

ليس من السهل على أي أسرة تنتظر مولودًا أن تراه يولد مشوهًا جسديًّا أو معاقًا ذهنيًّا. لقد أضافت تلك المخاوف بُعدًا دينيًّا لانتشار فيروس زيكا السريع، وأثارت جدلاً واسعًا داخل جدران الكنيسة الكاثولوكية حول إمكانية استخدام وسائل منع الحمل، أو حتى اللجوء إلى الإجهاض لتفادي ولادة هذه الأجنة المشوهة. وعلى ذلك كان السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل فيروس زيكا مسؤول بالفعل عن تشوهات الأجنة التي تم رصدها في البرازيل بنِسَب أعلى من المعتاد، والتي تمثلت في صغر حجم رأس المولود لأم مصابة، يصاحبه نمو غير مكتمل للمخ قد يتسبب في وفاة المولود بعد مدة قصيرة من الولادة، وهي الحالة التي يُطلَق عليها مصطلح microcephaly؟

خلال الأشهر القليلة الماضية، تراكمت الأدلة العلمية التي تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن فيروس زيكا هو بالفعل السبب وراء حالات تشوه الأجنة، والتي تصل فرصة حدوثها إلى 13% إذا التقطت الأم عدوى زيكا في أثناء الثلث الأول من الحمل. الأمر الذي دفع بمنظمة الصحة العالمية إلى أن تنصح الأمهات التي تعيش في مناطق انتشار زيكا أن تؤخر الحمل لتفادي ولادة أطفال مصابة. وقد تمكنت أكثر من مجموعة بحثية من العثور على فيروس زيكا في أنسجة المخ والمشيمة الخاصة بأطفال حديثي الولادة يعانون أعراض صغر حجم الرأس. كما استطاع الباحثون أيضًا إثبات أن فيروس زيكا قادر على التكاثر بأعداد كبيرة في الخلايا الجذعية العصبية المزروعة في المعمل، والقادرة على التشكُّل لاحقًا إلى الخلايا المكونة لقشرة المخ، مما يؤدي إلى تدمير تلك الخلايا. أثبتت التجارب التي أُجريت على الحيوانات أن فيروس زيكا يسبب نفس أعراض صغر حجم الرأس في أجنة الفئران المولودة لأمهات محقونة معمليًّا بالفيروس. وقد ظلت الطريقة التي ينتقل بها فيروس زيكا من الأم إلى الجنين غامضة حتى ظهرت دراسة في شهر مايو الماضي وأشارت إلى احتمالية لجوء هذا الفيروس لخدعة حصان طروادة، حيث يختبئ داخل نوع من خلايا المناعة المشيمية يُعرف بـHofbauer cells ويتكاثر داخلها دون أن يقتلها. تجول هذه الخلايا الحاملة للفيروس بِحُرية في دم الأم، ثم يستقر بها الحال في دم الجنين بعد عبورها المشيمة، وبهذا تنتقل العدوى للجنين.

الدروس المستفادة!

لقد بدا واضحًا، في الفترة الأخيرة، الدور الذي يؤديه الاتصال الجنسي في نقل العدوى بفيروس زيكا، والذي تم رصده في 10 دول مختلفة حتى الآن. كنا نعتقد أن خطورة الإصابة بفيروس زيكا تتوقف عند الإناث فقط، وخصوصًا في الثلث الأول من فترة الحمل، ولكن اتضح أن الذكور المصابة تُعد أيضًا مصدرًا مهمًّا للقلق، حيث إن الفيروس الموجود في السائل المنوي يظل قادرًا على نقل العدوى لفترة طويلة قد تتعدى الشهرين. لذلك توصي منظمة الصحة العالمية العائدين من مناطق انتشار فيروس زيكا باتباع الطرق الآمنة أو التوقف تمامًا عن ممارسة الجنس لفترة لا تقل عن شهرين؛ للتخلص من العدوى قبل أي فرصة لحدوث حمل.

تُذَكِّرُنا الفيروسات دائمًا أننا نعيش في عالم صغير، وأن البشر باختلاف ألوانهم وألسنتهم سواسية في قابليتهم للعدوى بهذه الميكروبات. ومع اقتراب دورة الألعاب الأوليمبية التي ستقام في ريو دي جانيرو بالبرازيل في شهر أغسطس القادم، تصاعد القلق من اتساع بقعة انتشار فيروس زيكا مع حركة الرياضيين والمشجعين، وطفت على السطح دعوات إلى إلغائها أو نقلها لمكان آخر. قوبلت هذه الدعوات بالرفض من جانب منظمة الصحة العالمية؛ بحجة أن خطر انتقال العدوى المُتَوَقَّع لزوار البرازيل في أثناء فعاليات الدورة الأوليمبية منخفض. كانت هناك العديد من الأسباب وراء هذا القرار، منها أن شهر أغسطس في نصف الكرة الجنوبي سيحل في فصل الشتاء بجوه الجاف البارد، وهو ليس المناخ المناسب لتكاثر البعوض. من المتوقع أيضًا أن يقضي زوار البرازيل من الرياضيين والمشجعين أغلب أوقاتهم في أماكن مغلقة تمت معالجتها جيدًا بالمبيدات الحشرية، في مدينة ريو الجنوبية والبعيدة تمامًا عن بؤرة انتشار عدوى فيروس زيكا في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد. وقد كان لمنظمة الصحة العالمية تجربة سابقة مع فيروس شبيه بزيكا ينتقل كذلك عن طريق لدغ البعوض ويسبب "حُمى الضنك". كانت البرازيل من أكبر بقع انتشار ذلك الفيروس في أثناء إقامة بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2014، وعلى الرغم من ذلك سُجلت فقط ثلاث حالات إصابة بالفيروس خلال البطولة. وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن على السيدات الحوامل واللاتي يخططن للحمل تجنُّب الوجود في المناطق الموبوءة.

زادت المعرفة وظلت الحيرة!

لا تزال هناك العديد من الأسئلة المحيرة، فعلى سبيل المثال لا ندري على وجه التحديد إذا كانت قد طرأت أية تحولات على فيروس زيكا جعلته ينتشر بهذه السرعة ويتسبب في كل هذه الأضرار، أم أنه ببساطة لم تُتَح له الفرصة في مرحلة ظهوره الأول لكي يكشف لنا عن وجهه الحقيقي. أظهرت بعض الدراسات الحديثة أن الأجسام المناعية الخاصة بفيروس حمى الضنك، والمنتشر على نطاق واسع في البرازيل، ربما تُسَهل مهمة فيروس زيكا في غزو بعض خلايا المناعة، وتساعده على التكاثر بصورة أسرع، مما يجعل أعراض الإصابة أسوأ، الظاهرة التي تُعرَف بـ"antibody dependent enhancement". على الرغم من وجود بعض الطفرات الجينية التي تفصل بين الفيروس المنتشر حاليًّا في البرازيل وسلفه الذي تم اكتشافه في أفريقيا، إلا أنها متوقعة الحدوث وغير كافية وحدها (دون توفر نتائج تجارب معملية) لتفسير ظاهرة تشوهات الأجنة أو انتشار زيكا السريع في البرازيل. وفي ظل غياب رؤية واضحة يلجأ البعض إلى اعتناق نظرية المؤامرة، التي لا تدعمها أي أدلة علمية. والحقيقة المزعجة هي أن "زيكا" لم ولن يكون آخر مرض فيروسي ينتشر فجأة ويثير قلق العالم. يقدر الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة عدد أنواع الكائنات الحية على سطح الكرة الأرضية بحوالي 1.8 مليون نوع، من المحتمل جدًّا أن يصاب كل نوع منها بعدد غير قليل من الفيروسات. ولكن معرفتنا الإنسانية توصلت حتى الآن إلى التعرف على حوالي 3000 نوع فقط من الفيروسات، أي أن هناك ملايين من الفيروسات تجهلها البشرية. زيكا ليس إلا واحدًا من مئات الأمراض التي تنتقل بين الحين والآخر من الحيوان للإنسان، والتي تمثل أكثر من 60% من الأمراض المعدية التي تصيب الإنسان في الوقت الحالي. مما لا شك فيه أننا نعيش في نظام بيئي غاية في التعقيد، والاضطرابات التي يُحدثها الإنسان تجعله أكثر قربًا من هذه المسبِّبات المرضية، ثم تأتي التكنولوجيا التي ابتدعها الإنسان أيضًا (كالنقل الجوي على سبيل المثال) لكي تُمَكِّن هذه الفيروسات من الانتشار على نطاق أوسع وبسرعة أكبر من أي وقت مضى. تكمن تحدياتنا المستقبلية في حربنا ضد زيكا في إيجاد طرق تشخيص حساسة وسريعة للكشف عن الفيروس، بالإضافة إلى طرق أفضل لمكافحة انتشاره. يعكف حاليًّا العديد من الباحثين على تطوير طرق مكافحة العدوى باستخدام اللقاحات، وطرق مبتكرة لمكافحة البعوض باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية.