"إن الجوع وغريزة الحفاظ على الحياة شريكان لا يجتمعان إلا على شر. والآن فأنا وأنت واثقان أن هذا المهندس قد أكل لحم البشر. والسؤال هو: هل استطاع التخلص من هذه العادة، التي حرَّكَت في داخله ذلك التراث البدائي الهائل الذي غطَّت عليه الحضارة؟!"

أحمد خالد توفيق - ما وراء الطبيعة، أسطورة آكل البشر.

من سلسلة روايات "توماس هاريس" عن آكل البشر الأشهر "هانيبال لِكتر"، التي تحولت إلى سلسلة أفلام أعظمها "صمت الحملان"، إلى (تايبي) رواية "هِرمان مِلفِل" شِبه الوثائقية، و(الطريق) رواية "كورماك مكارثي" الديستوبية، وأسطورة (سويني تود) حَلَّاق شارع فليت، وفيلم الخيال العلمي (سُويلِنت جرين)، وقصة "أحمد خالد توفيق" المشار إليها أعلاه، وحتى مسرحية (تيتوس أندرونيكوس) التي كتبها "ويليام شكسبير" نفسه، استحضر كُتَّاب الخيال كابوس أكل الإنسان للحم أخيه الإنسان، وراودتهم تلك الرؤى البشعة التي حفروها بأقلامهم في الوجدان الجمعي إلى الأبد.

وللأسف لم تقتصر تلك الكوابيس على عالم الخيال، بل اقتحمتها بوحشية مفزعة -ومنذ فجر التاريخ البشري- إلى حيز الواقع، فأثارت كذلك عقول أهل الفكر والفلسفة، حتى دفعَت الفيلسوف الأمريكي "مايكل ساندِل" إلى استدعائها في أولى محاضرات دورة "العدالة" التي درَّسها في جامعة هارفارد، باستعراض القضية المعروفة باسم "جلالة الملكة فيكتوريا ضد توم دَدلي وإدوين ستيفنز"، التي نظر فيها القضاء الإنجليزي عام 1884.

حادثة مخيفة تواطأ فيها "دَدلي" و"ستيفنز" الناجيان من حطام سفينة على قتل الفتى "ريتشارد باركر" رفيقهما في قارب النجاة، الذي كانت أحواله الصحية تسوء يومًا بعد يوم، حتى بدأ يتعرض لنوبات طويلة من الهذيان والإغماء. وهكذا سَوَّل لهما الجوع وغريزة البقاء ذبح الصبي والتهامه، في مشهد وصفه "دَدلي" بعد ذلك قائلًا: "أستطيع أن أؤكد لكم أنني لن أنسى ما حييت منظر رفيقيَّ الجاثمين فوق الوجبة المريعة. لقد بدونا جميعًا كذئاب مسعورة يحاول كلٌّ منها نهش أكبر نصيب ممكن".

طبيعة تأكل نفسها

في الحقيقة، ليست الذئاب وحدها هي التي تقتل بني جلدتها وتأكلهم، وإنما تزدحم الطبيعة بالكائنات المُدانة بارتكاب أكل المثيل Cannibalism، من الأسود التي تقتل ذكورُها البالغة أشبالَ الذكور الأخرى طمعًا في الاستئثار بالتناسُل، إلى إناث الدب الكسلان التي يُحتمَل أن تلتهم صغارها فور الولادة إذا استشعرَت فيها ضعفًا أو مرضًا مُهدِّدًا للبقاء، والدببة القطبية التي قد تستهدف صغار الدببة الأخرى في مواسم ندرة فرائسها المعتادة من الفقمات، والفقمات ذاتها التي تقوم العديد من أنواعها -كأفيال وسباع البحر- بجَرِّ الصغار إلى المياه لتمزيق أوصالها والتهامها لتوفير مشقة سباحة 300 أو 400 متر بحثًا عن حبَّار واحد صغير، والحبَّارات بدورها التي يبدو أنها لا تمانع أبدًا من افتراس رفاقها.

إلى أفراس النهر التي كان العلماء يظنون حتى وقتٍ قريبٍ جدًّا أنها لا تتغذى إلا على النباتات، فإذا بهم يكتشفون أنها لا تتورع حين يقرصها الجوع عن نهش لحوم الحيوانات، ومنها أفراس النهر الأخرى، وحتى الأرانب التي تفترس صغارها إذا شعرت بالتهديد الخارجي، والأقداد (حيوانات الهامستر) التي لم تعد تجد ما تتغذى عليه سوى حبوب الذُّرة، فأصبحت لا تجد بُدًّا من التهام الصغار؛ لتعويض النقص الحاد لفيتامين B3، والدجاج الذي قد يثيره الزحام أو قسوة الظروف المحيطة فيشرع في تمزيق جيرانه بمناقيره وابتلاع مِزَق اللحم، والنوارس التي قد تصل بها انتهازيتها إلى التهام بيوض وفراخ نوعها نفسه، والبجع الذي قد يلجأ عند نقص الغذاء إلى القبض بمناقيره الهائلة على صغار بني جنسه وابتلاعها حية، والكثير من أنواع الضفادع التي يلتهم الأقوى والأكبر منها الأصغر والأضعف، في تنافُسٍ محموم على البقاء، يبدأ من لحظة خروج شراغيفها من البيوض، وقروش الرمل الببرية التي تبدأ قبل الولادة حتى في مهاجمة إخوتها في بطون أمهاتها والتهامهم، حتى ينفرد أقواها بتغذية الرَّحِم غير منقوصة!

ولا ننسى بالطبع إناث فرس النبي التي لا تُمهل الذكور حتى نهاية عملية التخصيب، بل تدور برأسها للخلف، وتبدأ في التهام رأس الذكر الذي يبدو أنه لا يحتاج كثيرًا إلى رأسه لمواصلة مهمته، وعناكب الأرملة السوداء الأسترالية التي تمنح ذكورُها أجسادَها مهورًا للإناث بعد إتمام التزاوُج، وما يحدث عندما تغزو طفيليات بليستوفورا موليري أجساد قريدس (جمبري) الماء العذب الصغير من نوع جاماروس دوبيني وتسرق منها غذاءها، فتتحول الأفراد المصابة إلى وحوش ضارية تحتاج إلى ضِعف كميات الغذاء الطبيعية، وتبدأ في التهام جيرانها.

وهكذا رُصِدَ سلوك أكل المثيل من ألطف الكائنات، كبعض أنواع الفراشات، التي قد يدفع الجوع يرقاتها إلى التهام بيوض إخوتها، إلى ديناصور تيرانوصوروس رِكس، أحد أقدم وأضخم وأفتك المفترسات التي عاشت على ظهر الأرض، والذي أظهرت دراساتٌ أن بني نوعه كانوا ضمن فرائسه المحتمَلة.

تاريخ غير طبيعي

أما في رتبة الرئيسيات Primates فأكل المثيل مُوَثَّق في الكثير من الأنواع، خاصةً القردة العُليا مثل الشمبانزي والبونوبو وإنسان الغاب (الأورانجوتان)، وبالطبع لم يسلم تاريخ الإنسان نفسه من حالات تستعصي على الحصر، لا تبدأ طبعًا من بقايا العظام البشرية المُكتشفَة في كهف "جُوف" بمقاطعة "سُومرسِت"، التي تؤكد آثار الخدوش عليها أن لحوم أصحابها قد نُهشَت -قبل 14700 عامٍ مضَت- بأسنانٍ بشرية، ولا تنتهي حتمًا عند "ألبرتو سانشيز جوميز" الإسباني، الذي اعترف في فبراير الماضي بقتل والدته المسنَّة وتقطيع جثتها إلى أكثر من ألف قطعة صغيرة طَهَى بعضها لالتهامها بمشاركة كلبه.

وحتى على أراضي بلادنا العربية رَصَد التاريخ حوادث تتجاوز ببشاعتها حدود الخيال، مثل التهام جنود الحملة الصليبية الأولى للحوم أهالي مدينة مَعَرَّة النعمان عام 1098، عقب حصار طويل، استسلم الأهالي في نهايته بعد وعد الصليبيين لهم بالإبقاء على حياتهم، الذي أخلفوه فور فتح أبواب المدينة، وذبحوا حينها أكثر من عشرين ألف إنسان.

ومثل المجاعة المصرية التي حدثت عام 1201 في سلطنة العادل الأيوبي، وكتب عنها المقريزي في "إغاثة الأمة بكشف الغمة" قائلًا: "فتكاثَر مجيء الناس من القرى إلى القاهرة من الجوع، ودخل فصل الربيع، فهبَّ هواءٌ أعقبه وباءٌ وفناء، وعُدِمَ القوت حتى أكَلَ الناسُ صغارَ بني آدم من الجوع، فكان الأب يأكل ابنه مشويًّا ومطبوخًا، والمرأة تأكل ولدها".

دوافع وروادع

وقد يتبادر إلى الذهن أن غريزة الجوع هي المتهم الرئيس وراء تلك الحوادث الشنيعة في ماضي البشر الغابر، لكن دراسةً مثيرةً للاهتمام أشارت إلى أن القيمة الغذائية للجسد البشري أقل كثيرًا -بلُغة السعرات الحرارية- من معظم الخيارات الحيوانية المتاحة، وأن دوافع أخرى عديدة وأكثر تعقيدًا يمكن أن تكون قد أدت الدور الأهم، كالدفاع عن النفس أو التنافس على مناطق النفوذ أو حتى من أجل ممارسة الشعائر. وفي كتابه "أكل المثيل: تاريخ طبيعي تمامًا" يطرح عالِم الحيوان "بيل شات" أن الحضارات البشرية لم تشترك جميعها في إنكار هذا السلوك، وذَكَر أن لحوم البشر كانت ضمن قوائم طعام أباطرة الصين القديمة، وأن الأوروبيين في القرن الخامس عشر -خلال عصر النهضة ذاته- كانوا يأكلون أجزاءً من المومياوات البشرية على سبيل التداوي.

وبالرغم من هذا كله، تبقى تلك المشاهدات هي الاستثناءات التي تثبت قاعدة نفور البشر العظيم من هذا السلوك، والأدلة على ذلك متواترة. منها تجربة بحثية سُئل المشاركون فيها عن موقفهم من حالة افتراضية يعطِي فيها أحدُ الناس إذنَه لصديقٍ له بأن يلتهم أجزاءً من جثته -عقب الوفاة الطبيعية- على سبيل التكريم، بافتراض أنهما قادمان من خلفية ثقافية تسمح بهذا وتباركه، وأن اللحم سيؤكل مطهوًّا تجنُّبًا لأية أمراضٍ محتمَلة. ومع كل هذه التوصيفات أصرَّ نصف المشاركين في التجربة على أن السلوك مرفوض بالإطلاق ومهما كان السياق.

وإذا كان هذا ما تقوله التجارب الافتراضية فالعديد من التجارب الواقعية تؤيده تمامًا، ومنها ما حدث مع الناجين من تحطُّم طائرة أوروجوايانية صغيرة فوق جبال الأنديز بين حدود الأرجنتين وتشيلي عام 1972، كانت تحمل 45 لاعبًا ومشجعًا إلى مباراة "رجبي"، نجا منهم 27 شابًّا حاولوا البقاء أحياءً في عزلة الجبال المطلقة حيث يسود الظلام قرابة 14 ساعة يوميًّا، وتصل درجات الحرارة إلى أكثر من 30 درجة مئوية تحت الصفر! وأمام كل هذه الظروف لم تنجح غريزة البقاء في إجبارهم على الاقتراب من جثث رفاقهم -الذين قتلهم الاصطدام على الفور- إلا بعد أن أهلك الجوع بالفعل بعض الناجين!

ولا يلزم أن نلجأ إلى التجارب الافتراضية أو الواقعية حتى نلمس عمق هذا النفور الإنساني في أنفسنا. فقد تكفي مراقبةُ عينَي "هانيبال لِكتر" كما جسَّدَه "أنتوني هوبكِنز" على السينما، و"مادس ميكلسِن" على التليفزيون، أو نظرةٌ واحدة للجنون الذي يجتاح لوحة "زُحَل يلتهم ابنه" لفرانشيسكو جويا، أو سهرةٌ واحدة مع رفعت إسماعيل (الشخصية الرئيسية في سلسلة ما وراء الطبيعة) وهو يجلس وحيدًا في شقته حين يسمع جاره -آكل البشر- يطرق بابه في قلب الليل ليطلب منه - في أدبٍ جَمٍّ - القليل من التوابل!