يحدث أحيانًا أن تبدأ لمحة كوميدية بالغة الخفة في نسج قصة تراجيدية ثقيلة الوطء، فالحارس المكلف بحماية الموقع المهجور لمستشفى مختص بالعلاج الإشعاعي في مدينة جويانيا الواقعة في وسط البرازيل، لم يستطع في مساء 13 سبتمبر 1987 مقاومة أن يشاهد مع عائلته واحدًا من سلسلة أفلام المغامرات الأمريكية الضاحكة التي أنتجتها "والت ديزني" الأمريكية تحت عنوان "حشرة الحب" Love Bug! وذهب الحارس ليلحق بـ"حشرة الحب"، تاركًا مكانه الذي لم يبْدُ له سوى خرابة تضم حطامًا لا يُغري أحدًا، لكن كان هناك اثنان وليس واحدًا ممن يرون غير ما يراه.

ضوء أزرق عميق في الداخل

     "روبرتو ألفيس" -22 سنة، و"فاجنر بيريرا" -19 سنة، كانا عاطلَين من جامعي الخردة، تسللا إلى مبنى المستشفى المتداعي المهجور، ووجدا ضالتهما في جهاز معدني صدئ يزن 120 كيلوجرامًا، نقلاه بعربة يد إلى بيت "ألفيس"، وهناك أخذا في تفكيكه، ولم تمضِ إلا بضع ساعات حتى بدآ يتقيآن، وفي اليوم التالي عانى "بيريرا" من إسهال ودوار وأخذت يده اليسرى تنتفخ بتورم مصحوب بحروق لم يفهم لها سببًا، فذهب إلى مستوصف بالحي، وأخبره الطبيب الذي عاينه بأن المسألة بسيطة وناتجة على الأغلب عن طعامٍ ما تناوله وسبَّب ما يعانيه، وستختفي معاناته عندما يعود إلى بيته ويلتزم بالراحة لمدة أسبوع.

    في أثناء ذلك، واصَل زميله "ألفيس" تفكيك الجهاز الصدئ لعله يعثر في قلبه على شيء ذي قيمة، وفي وسط عجلة دوارة عثر على كبسولة معدنية صغيرة براقة ومحمية جيدًا برغم أن طولها لا يتجاوز بوصتين وقُطرها يقارب بوصة، أثارت فضوله ليعرف ما تحويه، واستطاع بعد جهدٍ أن يفتح فيها ثقبًا، فشدهه ضوء أزرق عميق قادم من مادة داخلها، أغراه ذلك أن يستخرج بعض هذه المادة فتبيَّن أنها في النور تشبه مسحوقًا معدنيًّا أبيض مصفرًّا.

تحوُّل جارف للزرقة الفاتنة

     في 18 سبتمبر، باع ألفيس ما حصل عليه مع بيريرا لصاحب مخزن الخردة "ديفير فيريرا"، الذي لفت نظره ذلك الوهج الأزرق المنبعث عبر ثَقب الكبسولة، ولفرط اندهاشه أخذ هذه الأعجوبة المتوهجه إلى بيته، حيث مكثت ثلاثة أيام تدهش أسرته ومَن تداعوا إليه من أصدقائه، ثم نقل الأعجوبة ثانيةً إلى مخزن خردته، واستطاع في 21 سبتمبر أن يُخرج منها قليلًا من المادة المتوهجة حملها إلى البيت، عازمًا على أن يصنع منها خاتمًا لزوجته "ماريا جابرييلا"، التي لم تلبث حتى عانت من توعُّك لا تفسير له، وفي 24 سبتمبر مَرَّ بمخزن خردة "ديفير" شقيقه سائق الشاحنة "أيفو فيريرا"، فبهرته العجيبة، واستطاع أن يستخلص منها بعض الغبار الدقيق وحمله إلى بيته، وهناك فُتنت بتوهُّج ذلك الغبار في الظلمة طفلتُه "ليدي" ذات السنوات الست، واعتبرته خاصًّا بها.

     كانت "ليدي" الصغيرة سمراء لطيفة، لُطف سمار وملامح أهل أمريكا الجنوبية الأصليين، نحيفة خفيفة خفةَ أطفال رقيقة الحال، وجاءها هذا المسحوق السحري الذي يجعلها تتوهج بتلك الزرقة الخلابة في الظلام كهدية تتباهى بها وتبهر، فسذاجة الأطفال تحب أيضًا أن تتباهى وتبهر، خاصةً عندما لا يكون في عالمهم ما يدعو إلى التباهي أو إثارة الانبهار، فكانت تفرك بهذا الغبار جلدها الرقيق الحنطي وتُخلِّل به شعرها، بل حتى ابتلعت منه ما كان يَعلَق بأصابعها الصغيرة عندما تمتد يدها الصغيرة إلى فمها الصغير وهي تتناول الطعام، وما هي إلا أيام حتى تبدَّل توهُّج الزرقة الساحرة الذي تتباهى به إلى إيلامٍ مُعتمٍ جارف.

     مكثت "ليدي" عدة أيام يعتصرها تقيؤ انفجاري لا تبدو له نهاية، وتنزف، واصطبغ فمها بلون أرجواني قاتم، أعراض جامحة غريبة سرعان ما أخذت تنتشر متبديةً على بعض الأقارب والجيران وجيران الجيران الذين خلبهم السحر الوهاج وتلمَّسوا معجزته، وبلمحة نباهة فطرية راود الشك "ماريا جابرييلا" خالة الطفلة وزوجة عمها "ألفيس فيريرا" الذي أخذ يعاني هو الآخر وظهر على راحته اليسرى ورمٌ غريب وتقرُّح بأصابع يمناه، ربطت الخالة بين ذلك المسحوق الوامض ومعاناة زوجها وانهيار ابنة شقيقتها وتداعي كثير من الجيران تحت وطأة الأعراض نفسها، فوضعت ذلك المسحوق المشبوه في علبة صغيرة من البلاستيك داخل كيس سافرت به في حافلة ركاب مزدحمة يوم 28 سبتمبر 1987 إلى مستشفى كبير شهير بمدينة مجاورة.

 وفي هذا المستشفى كان الدكتور "باولو مونتيرو" أول مَن اشتبه في أن ذلك المسحوق عنصر خطير، فتحاشى الاقتراب منه، ووضعه بعلبته والكيس على كرسي في أحد الأركان المعتمة في انتظار أن يأتي مختصون لفحصه، لكن فاته أن يُحذِّر الناس منه، فصار هذا الركن مقصدَ ترفيه لإشباع فضول مدينة بأكملها، لرؤية هذا الشيء الذي يضيء ذاتيًّا في الظلام!

شهرة عالمية محزنة

      في صباح يوم 29 سبتمبر، استُدعي إلى ذلك المستشفى طبيب فيزيائي يحمل أدواتٍ خاصةً لفحص المادة المشبوهة، فتأكد من وجود نشاط إشعاعي ينبعث منها، فأبلغ السلطات بضرورة اتخاذ إجراءات فورية لمحاصرة الخطر وحصر أعداد مُصابيه والعلاج الفوري لمَن يحتاجه منهم، ولم يمض اليوم حتى كانت حكومة الولاية وقيادة الدولة قد أحيطت بأنباء "الكارثة الإشعاعية"، واستُنفِرت الأجهزة المختصة، بدءًا من وزارة الصحة وانتهاءً بوزارة الدفاع لاحتواء الأضرار والمخاطر الماثلة والمحتملة، ومع إذاعة وسائل الإعلام المحلية لخبر الكارثة، التقطته وسائل الإعلام الدولية، وانتهى ما بدأ بلهو ترفيه "حشرة الحب" لحارس مبنى المستشفى المهجور إلى غُمَّة "حادث تلوث إشعاعي" استنفر مختصي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وخبراء الطب النووي وفيزياء الإشعاع في البرازيل والعالم، وتحولت مدينة جويانيا التي تتوسط البرازيل ويسكنها قرابة مليون إنسان إلى اسم ذي شهرة عالمية، وإن محزنة، عنوانها: "حادثة التلوث الإشعاعي بجويانيا".

     أما في جويانيا نفسها، وفي غضون بضعة أيام مع انتشار أخبار الحادث، فقد تزاحَم ما يُقارب 130 ألف إنسان من سكانها على المستشفيات والمستوصفات، قلقين من احتمال تعرُّضهم للمرض، وتم حشد حوالي 120 ألفًا في الاستاد الأوليمبي بالمدينة ليُفحصوا "بعدادات جيجر"، وتردد أن 249 منهم أصابهم شيءٌ من التلوث الإشعاعي، وظهرت أعراض المرض الإشعاعي على 20 تطلَّب الأمر علاجَهم على وجه السرعة، أما الضحايا فكانوا أربعة، أبرزهم الصغيرة "ليدي"، التي صارت عنوانًا تراجيديًّا للمأساة حتى في وقائع دفنها!

عداد جيجرCC BY-SA 3.0

     ولم ينتهِ الأمر عند ذلك، ففي مثل هذه الحوادث تكاد متطلبات تطهير الأماكن التي أصابها التلوث بالمادة المشعة تمثل عبئًا هائل التكاليف والخسائر، فقد كان لزامًا إزالة التربة السطحية من عدة مواقع مرت بها تلك الكبسولة الضئيلة الخطيرة، وهُدِّمت عدة منازل بعد أن صودر كل ما كان بداخلها حتى الممتلكات والتذكارات الشخصية، ثم أُقصيت التربة المشبوهة وأنقاض الهدم ورماد المحروقات إلى أماكن نائية عُدَّت محظورةً لأكثر من ثلاثين سنة، هي الفترة المطلوبة لتحلُّل المادة المشعة التي كانت في كبسولة الشؤم، والتي ثبت أنها بلورات مسحوق كلوريد السيزيوم CsCl المنتمي إلى السيزيوم 137 عالي الإشعاع.

ما وراء ذلك الوميض

     هذا السيزيوم 137، وهو نظير مشع من السيزيوم، ليس مادةً توجد في الطبيعة، بل يتم إنتاجه عبر عملية الانشطار النووي في محطات الطاقة النووية أو المفاعلات النووية البحثية وبطبيعة الحال خلال التفجيرات النووية، وهو أحد العناصر الثقيلة أي التي لها أنوية كبيرة للغاية نتيجة احتوائها على بروتونات زائدة تستجلب نيوترونات زائدة، مما يُدخلها في حالة من عدم الاستقرار، وكيما تستقر تلجأ مع مرور الوقت إلى التخفُّف من حملها الزائد فتقذف بروتونًا أو نيوترونًا خارجها، أو يتحول داخلها نيوترون إلى بروتون وإلكترون، مع إطلاق الإشعاع بعملية تُسمَّى "الاضمحلال الإشعاعي"، أو التحلل الإشعاعي، وهذه العملية تستغرق وقتًا محددًا لكل عنصر يسمى "نصف عمر النظير المشع"، وتساوي مقدار الوقت الذي يستغرقه نصف النظير المشع ليتحلل، وهو مقدار ثابت لا يتأثر بالظروف ولا بالمقدار الأوَّلي لذلك النظير، ويساوي في حالة السيزيوم 137 ثلاثين عامًا يظل خلالها ينفث إشعاعًا.

         من هذا النشاط الإشعاعي وليد عملية تحلُّل النواة، تتشكل مخاطر السيزيوم 137 وظواهره وبعض منافعه، فظاهرة "التوهج" الذي يتجلى به في الظلام تحدث بسبب اصطدام الجسيمات دون الذرية التي تنطلق بسرعة الضوء مقذوفةً من داخل النواة غير المستقرة، فتصطدم بالإلكترونات الموجودة على محيط الذرَّة، وبالتالي تزداد طاقة الإلكترونات فتطلق الفائض من الطاقة في شكل إشعاع من موجات كهرومغناطيسية بطول موجي صغير لا يكفي إلا لتوهُّج خافت لا يتجلى إلا في الظلام، وبلون أزرق لكون هذا اللون ذا طول موجي صغير إذا قورن باللون الأصفر على سبيل تقريب الصورة، أما فوائد السيزيوم 137، فأشهرها العلاج الإشعاعي للسرطان (عن بُعد وتحت شروط مشددة وتركيز دقيق)، وفي الصناعة تبرز أجهزة قياس سُمك المنتجات بالغة الدقة، وأجهزة كشف مرور السوائل داخل الأنابيب، إضافةً إلى كثير من متطلبات البحث العلمي في المجال النووي.

عربدة تدميرية مسعورة

     على الجانب الآخر، تأتي المضار التي يسببها التلوث الإشعاعي لكل مقومات الحياة على الأرض من ماء وهواء وتربة ونباتات وحيوانات، وفي القلب من هذا كله: نحن البشر؛ فهذا الإشعاع، هذا القاتل غير المرئي، بل غير المحسوس إجمالًا، إنما يمثل في خفاء عدوانيته عربيد تدمير مسعورًا ومجنونًا يضرب بمعول جنونه وسعاره كل ما يصل إليه من خلايا الأنسجة الحية، خاصةً الرخوة منها، فيُميتها بقدر أو بآخر؛ فهذا الإشعاع ينتزع بطاقته التخريبية الإلكترونات من الجزيئات المكونة للخلايا في الأنسجة الحية بأجساد ضحاياه، فيخل ببناء هذه الخلايا، ومن ثم تختل بنية الأنسجة، وبخلل الأنسجة تختل الأعضاء، وتأخذ أجهزة الجسم الحيوية في الفشل واحدًا بعد الآخر، بينما يزداد ظهور السرطانات التي تميت ما حولها وتموت هي نفسها بموت الجسم الذي نهبته، اجتياح بالغ الفظاعة بأداة متناهية الضآلة! وهو ما تكشف عنه مجرد التفاتة إلى مصائر ضحايا حادثة أو كارثة جويانيا، فلننظر:

1 ـ "ألفيس أدميلسون"، 18 سنة، عامل بمخزن خردة ديفير فيريرا، اشترك في فتح الكبسولة: تدمر نسيج رئتيه، مع نزف داخلي، وتلف بالقلب، توفي في 28 أكتوبر 1987.

2 ـ "ماريا غابريلا"، خالة ليدي وزوجة عمها ديفير فيريرا، 37 سنة، لامست مادة الكبسولة، وبعد ثلاثة أيام ساءت حالتها وبدأ شعرها يتساقط، ثم أصيبت بنزيف داخلي خاصةً في العينين والجهاز الهضمي وعانت من تشوش ذهني وقصور كلوي، ماتت بتسمم دموي وعدوى عامة في 23 أكتوبر1987.

3 ـ "إسرائيل سانتوس"، 22 سنة، عامل بمخزن ديفير فيريرا، عمل على الكبسولة لاستخراج ما يبطنها من رصاص، تدمر جهازاه التنفسي والليمفاوي، مات في 27 أكتوبر 1987.

4 ــ  "ليدي فيريرا"، ليدي الصغيرة، 6 سنوات، وصل فريق دولي لعلاجها فاكتشفوا أنها محتجزة في غرفة معزولة بالمستشفى لأن موظفيه كانوا يخشون الاقتراب منها لأنها "مشعة"، تورم الجزء العلوي من جسمها وتساقط شعرها وتلفت الكليتان والرئتان مع نزيف داخلي، توفيت بتسمم في الدم وعدوى عامة في مستشفى مارسيليو دياس البحري في ريو دي جانيرو في 23 أكتوبر 1987 (يوم وفاة خالتها ماريا)، ودفنت في مقبرة مشتركة في جويانيا داخل تابوت من الألياف الزجاجية مبطن بالرصاص، وتسبَّب دفنها في أعمال شغب من 2000 شخص تجمعوا في المقبرة مطالبين بدفنها في مكان آخر خشية أن تصيبهم بإشعاعها كلما أتوا لزيارة موتاهم! وتصدى لهم الأمن حتى دفنت في حفرة عميقة أُنزل إليها التابوت برافعة ميكانيكية كي لا يتعرض الحمالون لمزيد مما يمكن أن يسرِّبه جثمانها من إشعاع!

من جوايانا إلى تشيرنوبل وما بعدهما

     لعل في ذِكر كل ما سبق قسوة، وهي قسوة واجبة، لا لتعرية هول هذه الحادثة الإشعاعية غير العمدية، والناجمة عن الجهل والبؤس، والتي وصفتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها "إحدى أسوأ الحوادث الإشعاعية في العالم"، وهي كذلك بالفعل إن صنفناها مع حوادث التلوث الإشعاعي خارج محطات الطاقة النووية، فهذا هولٌ آخر، ويكفي أن أقارن كمية السيزيوم 137 المسببة لمأساة جويانيا وكانت في أحد التقديرات 19 جرامًا من محتوى الكبسولة المسببة للحادث، أما كارثة تشيرنوبل فقد أطلقت ما مقداره 27 كجم (أي 27000 جرام) من السيزيوم 137 في الغلاف الجوي، المقارنة دالة، وما إعادة التذكير بحادثة جويانيا الإشعاعية إلا مجرد تنبيه وجداني وعقلي وأخلاقي لهولٍ آخر سوف يجيء، بدليل ما رشح عبر تنابذات أطراف الحرب الأخيرة المريرة في أوكرانيا، وحامت حول محطتي تشيرنوبل وزاباروجيا الكهرونوويتين، خلال تقاطعات القصف المدفعي والصاروخي بالقرب منهما، أما الأكثر خطرًا، فهو ما طفا على سطح هذه الحرب من تبادُل الاتهامات بنوايا تصنيع ما يسمى "القنابل القذرة" التي ليست إلا أدوات تلويث إشعاعي كبير وخطير وعن عمد، للقتل الجماعي بتكاليف زهيدة وتدمير البيئة بالمجان، رعبٌ مُنذر لم يعد مُستبعَدًا، ولم يعد وقفًا على جماعات الإرهاب وجماعات التعصب المقيت، بل أكبر من ذلك، وأكثر خطرًا!! وأوجب بالحديث لكل ذلك.

ومضة أخيرة

     لقد مضت خمس وثلاثون سنة على دفن ليدي الصغيرة التي كانت تتلألأ مسحورةً بذلك الوميض الأزرق الفاتن في الظلام، وهي فترة تتجاوز فترة عمر النصف للسيزيوم 137 المشع حتى يتحلل، فلم يعد لديها إشعاع تبثه ولا وميض أزرق فاتن يسحرها، لكن آلام سذاجتها وبراءتها ستظل تضيء لمَن يلتمس الأنوار في عتمات آفاق هذا العالم المشحون بالخفة، وبالغرور، وبالجنون.