المزارعون ومربو النباتات في سباق مع الزمن؛ فالزيادة السكانية في العالم تنمو بوتيرة متسارعة، وهو ما يتطلب المزيد من الغذاء، في مقابل تناقص مساحات الأراضي الصالحة للزراعة. وعلى صعيد آخر، تتزايد التحديات التي تجلبها التغيرات المناخية يومًا بعد آخر، وقد طالت درجات الحرارة وعوامل الدفيئة بعض المناطق الجديدة في مواسم النمو، جالبةً معها الجفاف والآفات من مناطق زراعية إلى أخرى.

وبحلول عام 2050، من المتوقع أن يرتفع عدد سكان العالم إلى ما يقرب من 10 مليارات نسمة، مما يفرض تحديات هائلة على كيفية تدبير الغذاء اللازم لإطعام البشرية، الأمر الذي دفع كثيرًا من العلماء والباحثين إلى البحث في الأساليب غير التقليدية لزيادة الإنتاج الزراعي، باعتباره المصدر الأول للغذاء في العالم، وذلك من خلال استخدام بعض التقنيات الحديثة لتسريع نمو المحاصيل الزراعية، وإدخال بعض التعديلات عليها، لإكسابها قدرةً أكبر على مقاومة الأمراض، والتكيُّف مع الظروف المناخية المختلفة.

مهمة تبدو مستحيلة

وفي حين بدأ العالم في استخدام كثير من التقنيات التي غيرت وجه الخريطة الزراعية في كل أنحاء المعمورة، لا يزال هناك بعض العوامل التي تشكل تحديًا أمام تحقيق هدف توفير الغذاء اللازم لإطعام سكان الكوكب، منها الأوقات الطويلة التي يستغرقها نمو معظم المحاصيل الرئيسية، ما لا يسمح إلا بزراعة محصول واحد أو اثنين فقط طوال شهور السنة، وما لم يتم تغيير هذا الواقع فإن إطعام 10 مليارات شخص يتشاركون الحياة على الكوكب في غضون الـ30 عامًا القادمة، "قد يبدو مهمة مستحيلة".

مؤخرًا، تمكَّن باحثون في جامعة كوينزلاند بأستراليا من تطوير بروتوكولات لتقنيات تسريع نمو كثير من الأنواع النباتية، اعتمادًا على تجربة استخدمتها وكالة "ناسا" لأول مرة لزراعة بعض المحاصيل في الفضاء، وذلك من خلال زيادة عدد ساعات تعرُّض النباتات للضوء، وفي ظروف من درجات حرارة يمكن التحكُّم فيها. لقد ساعدت هذه التقنية على زيادة إنتاج بعض المحاصيل -مثل القمح والشعير- بمقدار يقترب من الضعف.

وفي هذا الإطار، استعرضت الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر"، بعض التقنيات التي يمكن استخدامها لتسريع نمو المحاصيل الزراعية، باعتبار أنها تقدم حلولًا مبتكرة للقضاء على الجوع.

قال المؤلف الرئيسي للدراسة، الدكتور لي هيكي، أستاذ بمركز علوم المحاصيل في جامعة "كوينزلاند": "إن ما توضحه الدراسة أن التربية السريعة للمحاصيل يمكن استخدامها جنبًا إلى جنب مع تقنيات أخرى للتربية المتقدمة، مثل علوم الجينوم، لتطوير محاصيل أكثر إنتاجيةً، وأكثر قدرةً على مواجهة التحديات المختلفة مستقبلًا".

وعما إذا كانت التقنيات المستخدمة لتسريع نمو النباتات، أو لزيادة إنتاجيتها، آمنةً على كلٍّ من الإنسان والنظم البيئية، أوضح "هيكي"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن الهدف من استخدام هذه التقنيات هو تطوير أصناف من المحاصيل المعدلة وراثيًّا، بحيث تكون ذات إنتاجية أعلى، ولديها قدرة ذاتية أكبر على مقاومة الأمراض والآفات المختلفة، وبالتالي تقليل مُدخَلات المواد الكيميائية في العملية الزراعية، مشددًا على أن "دراسات علمية سابقة أثبتت سلامة هذه التقنيات".

وبالنسبة للأصناف التي يمكن مضاعفة إنتاجيتها من خلال تلك التقنيات، قال: "لقد سلطنا الضوء على إمكانية استخدام هذه التقنية مع أي محصول زراعي، إنها مجرد مسألة تتعلق بتحسين الظروف البيئية، مثل مدة تعرُّض النبات للضوء ودرجة الحرارة لتبكير عملية الإزهار، بما يحقق معدل دوران سريعًا للأجيال النباتية".

 وأضاف أن "التقنيات التي تناولتها الدراسة، يمكن أن تتوافق مع غالبية المحاصيل، فعلى سبيل المثال، تم تطوير تقنيات الهندسة الوراثية وتكييفها لتتناسب مع المحاصيل الغذائية الرئيسية".

التحديات المالية

وتضمنت التقنيات التي أشارت إليها الدراسة أيضًا، أنظمة التبريد بالبخار التي تستخدم مياه البحر، أو إضاءة بيئة النبات داخل مكان مغلق بأشعة الليزر، بحيث يتم تسليط الضوء على النبات من الخارج، لتجنُّب زيادة درجة الحرارة في الداخل، وهي واحدة من النظم الرئيسية المستخدمة لأبحاث المحاصيل والتربية والإنتاج. غير أن هذه التقنيات لا تزال قيد التجربة.

إلا أنه لفت إلى أن هناك بعض التحديات التي قد تحول دون الوصول إلى النتائج المنشودة، لعل أبرزها قلة الموارد المالية، إذ إن العديد من برامج إكثار النباتات في مختلف أنحاء العالم عادةً ما يكون لديها موارد محدودة، إذ ما زالت قاصرة على النطاق التجريبي.

ولكنه عاد وشدد على أن هذه التجارب ربما تستطيع تقليل تكلفة هذه التقنيات في القريب، ومنها على سبيل المثال تقنية تسلسل الجينوم التي تتراجع تكلفتها بصورة مستمرة، إذ يجري تطويرها وتحسينها يومًا بعد يوم.

وقال الدكتور براند وولف، باحث في مركز "جون إنز" للعلوم الزراعية، وأحد المشاركين في الدراسة: "لقد كان من المدهش رؤية تأثير سرعة نمو المحاصيل مع الصور التي تظهر في جميع أنحاء العالم لهذه التكنولوجيا، ولكن هناك الكثير في المستقبل.. حتى الآن، جربنا بشكل أساسي عاملًا واحدًا، وهو الضوء، وهناك أشياء أخرى كثيرة يمكننا عملها".

وأضاف أن ذلك يتضمن أيضًا استخدام تقنية الاستزراع المائي الذي يمنح جذور النباتات وصولًا أسرع إلى العناصر الغذائية والأكسجين، كما يخضع الغلاف الجوي المخصب لثاني أكسيد الكربون أيضًا للتحقيق، ومن المحتمل أن تكون درجة الحرارة أحد أكثر مجالات البحث إنتاجية.

أما أمبر هافيز، طالبة دكتوراة بمركز "جون إنز" وباحثة مشاركة في الدراسة، فقالت: "تستجيب النباتات جيدًا بدرجة لا تصدق لدرجات الحرارة المرتفعة، وتنمو بوتيرةٍ أسرع، وهناك فترات معينة في تطور النبات، يمكن أن يكون هذا أمرًا جيدًا للغاية".

 وأوضحت أن القمح -على سبيل المثال- من النباتات الحساسة للغاية لدرجات الحرارة المرتفعة، معتبرةً أن هناك بعض التحسينات التي يُحتمل أن تساعد في تطوير البحوث في مجال تسريع نمو المحاصيل الزراعية خلال السنوات القادمة.

ومع ما أكده فريق الدراسة في جامعة "كوينزلاند" من أن الوقت اللازم لاكتمال نمو القمح -على سبيل المثال- يمكن أن يتراجع إلى حدٍّ كبير إذا ما تمت زراعته في بيئات محكمة من حيث درجة الحرارة والضوء، ويمكن كذلك تتبُّع التحسينات الوراثية بسرعة، وتجربة المحاصيل المحسنة في هذا المجال.

زراعة المحاصيل في الداخل

ولمواجهة تحدي ارتفاع سكان الكوكب إلى 10 مليارات نسمة، بعد ثلاثة عقود من الآن، يرى الباحثون ضرورة إخراج بعض المحاصيل من الحقل، وزراعتها في ظروف يسهل التحكم فيها، مع دمج بعض ميزات التربية السريعة على نطاق أوسع للحصول على محاصيل أكثر إنتاجية.

وعن هذا التوجه، قال الدكتور "وولف": "هناك الكثير من المزايا لزراعة المحاصيل في الداخل (في ظروف يسهل التحكم فيها)، حيث يمكنك الحفاظ عليها نظيفةً وخاليةً من مبيدات الآفات، ويمكنك التحكم بشكل أكبر في وقت زراعتها، بحيث يكون لديك مصدر ثابت، ويمكنك زراعة المحاصيل بالقرب من المكان الذي تريد استهلاكها فيه، وبالتالي تقليل الأميال التي تحتاج أن تقطعها لتصل إلى الموارد الغذائية، كما يتيح لك هذا التوجه الجديد أيضًا زراعة الكثير من المحاصيل في مكان أصغر"، ولكن أحد القيود الرئيسية على هذا المفهوم -أو ما يُعرف بالزراعة الرأسية- هو أنها تنطوي على استخدام الكثير من الكهرباء، لتزويد الزراعات بالضوء، وزيادة درجات الحرارة.

وفي تعليق له على الدراسة، قال الدكتور أحمد عوني، مدير المعمل المركزي للمناخ الزراعي، التابع لمركز البحوث الزراعية: إن هناك اتجاهًا لإعادة النظر في مختلِف الممارسات الزراعية التقليدية المتبعة وإصلاحها من خلال تسخير التقنيات المختلفة، ومن ضمنها التكنولوجيا الرقمية، بهدف الوصول إلى كيانات زراعية ذكية قادرة على التكيف مع الظروف المناخية المختلفة، وفي الوقت ذاته تلبي احتياجات السوق، ضاربًا المثل بأحد المشروعات الرقمية المتكاملة التقدمية في المناطق الريفية، ويُطلق عليه اسم "برايد"، ويهدف إلى دعم جهود الحكومات لتحقيق الأمن الغذائي.

ويُعد المزارعون الأكثر عرضةً لآثار المخاطر المناخية، نظرًا لعدم إمكانية حصولهم على التكنولوجيا المتقدمة، والأهم من ذلك المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، ووفق "عوني" فإنه على الرغم من أن الزراعة أصبحت أكثر استخدامًا للمعرفة، إلا أنه نظرًا لعدم توافر إمكانية الوصول السريع إلى المعلومات ذات المصداقية، فإن الضرر لم يشمل الحصول على المدخلات الزراعية، وتطبيق التكنولوجيا المناسبة، وتحقيق إنتاج أعلى فحسب، بل قد يمتد ليشمل أيضًا التسوق.

جدير بالذكر أن هناك حاجةً مُلحَّة إلى دمج جميع الأساليب الزراعية الرقمية التي تقوم على الابتكار في إطار واحد، ووضع نتائجها في قاعدة بيانات واحدة، للنهوض بالإنتاج وتحسين جودته، وتعزيز قدرته على مقاومة التغيرات المتعلقة بالمناخ، إذ من المتوقع أن يُسهم هذا الدمج في تحديد نظام لدعم قرارات العملية الزراعية بأكملها، بهدف تحسين الإدارة والموارد على مستوى المزارعين.

وفي يناير 2018، استعرضت القمة العالمية للحكومات في إمارة دبي، تقريرًا بعنوان "تحقيق الأمن الغذائي من خلال القوى الرقمية الخمس"، أشار إلى أن التزايُد المتسارع لتعداد سكان العالم أدى إلى تراجُع مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، كما أدى شح الموارد المائية، والتغيرات المناخية، إلى تدهور الإنتاج الزراعي، بما يهدد الأمن الغذائي للسكان في مختلف أرجاء العالم.

ويعلق "عوني" على الأمر بقوله: "في النهاية يمكن القول إن مستقبل الزراعة سيعتمد على تحوُّلها الرقمي، وإن المزارعين سيستفيدون من كافة التحولات الرقمية داخل العملية الزراعية، مما يساعدهم على التحرر من القلق المتصل بالتغيرات البيئية، ويتيح لهم الحصول على محصول أفضل إنتاجية، كما يكفل لهم القدرة على إدارة محاصيلهم بطرق جديدة وفعالة".