كلّ صباح، ينتظر ربيع سعيدي، عالِم البيانات في معهد المعلوماتية الحيوية الأوروبي (EBI) في كامبريدج بالمملكة المتحدة، الحافلة التي تقلّه إلى مقرّ عمله ليبدأ يومه، وبعدها باثنتي عشرة ساعة، يغادر عمله ويتجه إلى بيته حيث يعمل أحيانًا ساعتين إضافيتين قبل أن يغلق حاسوبه، ذاك يومٌ عاديّ في حياة كثير من الباحثين الذين يواجهون صعوبات تزداد يومًا بعد يوم في سبيل تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

وفي استبانة أُجريت عام 2020، سألت مؤسسة "ويلكوم" Wellcome الباحثين عن ثقافة العمل في محيطهم، وفي الملخص التنفيذي للتقرير، يقول مدير المؤسسة جيرمي فارار إن نتائج الاستبانة "ترسم صورةً صادمةً للبيئة البحثية"؛ فقد وصف العديد من الباحثين بيئة عملهم بأنها غير آمنة، وضاغطة، وباعثة على التوتر، ومسمومة، ومتحيزة. 

يجب على الباحث أن يوزّع وقته بين التدريس، وكتابة طلبات المِنَح، والعمل على المشاريع، وأحيانًا تنظيم المؤتمرات والتدريب، ويبدو أن بيئات العمل الأكاديمية الحالية تنحاز إلى الإنتاجية على حساب التطور المهني، والتوجيه والإرشاد، وجودة حياة الباحثين، ولا تُقاس هذه الإنتاجية غالبًا إلا بالنشر في مجلات علمية عالية التأثير قائمة على مراجعة الأقران، وبتوفير التمويل اللازم لمشاريع المختبرات، وهو ما يؤدي إلى انتشار ثقافة تقوم على المنافسة المفرطة، يقول إسلام حسين، كبير العلماء بإحدى شركات الصيدلة الحيوية في الولايات المتحدة: "الأمر أشبه بالدوران داخل عجلة هامستر".

التوازن بين الحياة المهنية والشخصية

لا يختفي هذا التحدي عندما يتدرّج الباحث من كونه طالب دراسات عليا إلى زميل ما بعد الدكتوراة ثم باحثًا رئيسيًّا؛ فالباحثون يضطلعون بمجموعة متنوعة من المسئوليات والمهمات التي لا تنتهي في كل مرحلة في مسيرتهم المهنية، ووفقًا لتقرير مؤسسة "ويلكوم"، ذكر 40% من الباحثين الذين شاركوا في الاستبانة والذين يعملون بدوام كامل أنهم يعملون من 41 إلى 50 ساعة أسبوعيًّا، في حين ذكر 32% منهم أنهم يعملون أكثر من 50 ساعة أسبوعيًّا، والضغط الذي تسببه هذه الوظيفة بطبيعتها التنافسية وكثرة متطلباتها يجعل من الصعب على الباحثين -خصوصًا المبتدئين منهم- تحقيق التوازن المناسب بين حياتهم المهنية والشخصية.

تقول حنان بدر، الرئيسة المرتقبة للمجالات العامة وانعدام المساواة بقسم دراسات الاتصال في جامعة سالزبورج بالنمسا: "كنتُ غارقةً إلى أُذنيّ في العمل، وأحاول الآن تغيير ذلك"، وتصف بدر معاناة أسرتها بسبب قضائها لياليَ كثيرةً في حضور المؤتمرات أو العمل على الأبحاث والمنح والعروض، وتضيف: "أعتزم الآن أن أخصّص لهم مزيدًا من الوقت".

يمكن لضغوط الحياة الأكاديمية أن تترك آثارًا ممتدةً وعميقةً على الحياة الأسرية، يقول حسين: "أعرف العديد من الأكاديميين الذين اختاروا ألا يتزوجوا أو ينجبوا"، أما سعيدي فيقول إن حياته الأكاديمية كانت عاملًا مؤثرًا في بقائه عازبًا حتى أواخر الثلاثينيات من عمره.

وتؤكد ملاك عابد الثقفي -الرئيسة المؤسِّسة لقسم بحوث الجينوم في مدينة الملك فهد الطبية بالمملكة العربية السعودية- أهمية الموازنة بين جوانب الحياة الأربعة، وهي العمل، والحياة الاجتماعية، والنفس، والجسد، تقول الثقفي: "اعتدتُ أن أعمل ما يقرب من 16 ساعة يوميًّا"، لكنها الآن تمارس الرياضة ثلاث مرات في الأسبوع، وتتناول الطعام الصحي، وتلتقي الأصدقاء، وتمارس تمارين التأمل، وتشارك في أنشطة روحانية، إضافةً إلى ذلك، تدرك الثقفي الأهمية البالغة لفنون إدارة الوقت من أجل تحقيق إنتاجية أكبر، وهو ما لا يعني بالضرورة العمل لساعات أطول. 

ويرى سعيدي أنه نجح إلى حدٍّ ما في تحقيق توازن بين حياته المهنية والشخصية باتباع بعض القواعد التي وضعها لنفسه، فيقول: "أضيفُ بعض الأنشطة غير المتعلقة بالعمل في جدولي الأسبوعي"، وتشمل هذه الأنشطة أشياء تحافظ على صحته وتمنحه شعورًا بالسعادة، مثل لعب الكرة الطائرة، أو الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية، أو قضاء الوقت مع الأصدقاء، يضيف السعيدي: "هذه الأنشطة تُشعِرني بأني في حال أفضل، وهو ما ينعكس إيجابًا على عملي".

وضع سعيدي أيضًا بعض الحدود الفاصلة بين العمل والجوانب الأخرى للحياة، فيقول عن ذلك: "لا أتحدث مع أصدقائي عن عملي قَطّ، ما لم يكن هناك حدثٌ مثير".

لكن هذه الحدود الفاصلة تلاشت في حياة العديد من الأكاديميين في أثناء جائحة "كوفيد-19"، تقول الثقفي: "مع كلّ هذه الاجتماعات الافتراضية والعمل من المنزل، يكون من الصعب أحيانًا تحديد الوقت المناسب للتوقف عن العمل"، رغم ذلك، من الضروري أن نتمكن من إدارة الوقت الذي نقضيه على الأجهزة الإلكترونية في أثناء العمل عن بُعد؛ لنتفادى الاحتراق الوظيفي.

ظل سعيدي حبيسًا مدة عام في أثناء اaaلجائحة في كامبريدج دون أن يتوافر أمامه الكثير من الأنشطة التي يمكن ممارستها في المدينة، والآن يخطط للذهاب إلى معالج نفسي فور عودته من زيارة قصيرة إلى موطنه تونس، حتى يستكشف تأثير تلك الفترة على صحته النفسية، ويضيف: "بيّنت لنا جائحة كوفيد كيف يمكن لانعدام التوازن بين الحياة المهنية والشخصية أن يترك أثرًا نفسيًّا علينا".

أولويات واختيارات

يتوقف تحقيق التوازن بين العمل والحياة في المراحل المختلفة من الحياة المهنية في المجال الأكاديمي على تنظيم الأولويات واتخاذ القرارات المناسبة، ويسهُل تحقيق ذلك إذا أدرك الباحثون المبتدئون ما هم مقبلون عليه من البداية، وحددوا خياراتهم، ووضعوا خططهم للمستقبل، وعن ذلك يقول حسين: "أن تصبح عالمًا أكاديميًّا ليس سوى خيار واحد من بين عدة خيارات، مثل العمل في القطاع الحكومي أو الصناعي، أو ربما العمل في تحرير المجلات العلمية".

فبعد حوالي 15 عامًا في المجال الأكاديمي، لم يجد "حسين" سبيلًا لتحقيق التوازن بين حياته الشخصية والمهنية، وهو ما دفعه لاختيار مسار وظيفي مختلف، يستطيع فيه أن يؤدي معظم العمل الأكاديمي الذي يحبه وفي الوقت نفسه يتفادى تلك الأمور التي كانت تزعجه ولا تلائم شخصيته، وهذا التحول نحو القطاع الصناعي جعله أكثر سعادةً من ذي قبل. 

كان الاختيار صعبًا على الثقفي أيضًا؛ فعندما عادت إلى السعودية منذ حوالي ست سنوات بعد قضاء فترة في الولايات المتحدة، عملت طبيبة في الوقت الذي تسعى فيه أيضًا لإنشاء مختبر أبحاث جديد، وتقول: "أدركت أني لا أستطيع الجمع بين الأمرين، لذا كان عليَّ أن أختار".