خلصت دراسة أجراها باحثون بريطانيون إلى أن الفتيات اللاتي يقضين وقتًا طويلًا على شبكات التواصل الاجتماعي في سن العاشرة، أكثر عرضةً لأن يَكُنَّ غير سعداء في المراحل اللاحقة من المراهقة، مقارنةً بقريناتهن اللواتي يستخدمن وسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة أقل في أواخر طفولتهن، ومقارنةً أيضًا بأقرانهن من الذكور في الشريحة العمرية نفسها.

ووفق الدراسة التي نشرتها مجلة "بي إم سي بابليك هيلث"، فإن المراهقين من أكثر مستهلكي وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرةً إلى أن "تلك المنصات تتسبب في تناقص شعورهن -بصورة عامة- بالرفاهية والسعادة مع التقدم في السن".

استهدفت الدراسة رصد العلاقة الزمنية بين التفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي والشعور بالسعادة، وبحث ما إذا كانت التغيُّرات التي تطرأ على تفاعل الشخص مع وسائل التواصل الاجتماعي ومقاييس الرفاهية، ترتبط بتغيُّر أعمار مستخدميها أم لا.

مراحل لاحقة

ورصد الباحثون انخفاض معدلات السعادة والسلامة النفسية مع التقدم في العمر بالنسبة للبنين والبنات، مشيرين إلى أن "النسبة زادت في حالات الفتيات، إذ كان استخدامهن الشديد لوسائل التواصل الاجتماعي في المراهقة المبكرة سببًا في زيادات حادة في مستويات عدم شعورهن بالسعادة في مراحل لاحقة من المراهقة".

وتوصل الباحثون أيضًا إلى أن المراهقات يستخدمن وسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة أكبر من الفتيان، مشددين في الوقت ذاته على "زيادة وتيرة التفاعل معها مع التقدم في العمر لكلٍّ من الفتيان والفتيات".

تشير الدراسة إلى أنه "في سن الثالثة عشرة، كان حوالي نصف الفتيات يتفاعلن مع وسائل التواصل الاجتماعي لأكثر من ساعة يوميًّا، مقارنةً بثلث الأولاد فقط، وعند بلوغ سن الـ15، استمرت الفتيات في استخدامها بمعدلات أكثر من الفتيان، بنسبة زادت إلى حوالي 60%، بينما استمر تفاعل نصف الفتيان تقريبًا مع وسائل التواصل الاجتماعي لمدة ساعة أو أكثر يوميًّا".

وفي حين انخفضت الصعوبات الاجتماعية والعاطفية مع التقدم في السن بالنسبة للأولاد، ارتفعت بالنسبة للفتيات.

واستنتج الباحثون أنه من المرجح أن تكون الفتيات أكثر حساسيةً من الفتيان؛ "للمقارنات الاجتماعية والتفاعلات التي تؤثر على تقدير الذات، أو أن الوقت المستغرق في وسائل التواصل الاجتماعي يؤثر على الصحة والسعادة لديهن بطرق أخرى مختلفة عن أقرانهن من الذكور".

تقول كارا إل بوكر -الباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن مجموعة البحث التي اضطلعت بهذه الدراسة أجرت دراسة سابقة عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وعلاقتها بالسعادة لدى المراهقين، لكنهم أرادوا استكشاف كيفية تغيُّر هذا الارتباط بمرور الوقت"، مضيفةً: "رصدنا وجود اختلافات بين الجنسين فيما يتعلق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأردنا دراسة تلك الاختلافات عن قرب".

معدلات السعادة

تشرح بوكر المنهجية المستخدمة في الدراسة قائلةً: سألنا عينة الدراسة -الذين تراوحت أعمارهم بين 10 أعوام و15 عامًّا- عن مدى شعورهم بالسعادة، وكذلك عن حجم الصعوبات الاجتماعية والعاطفية التي يشعرون بها، كما سألناهم عن مقدار الوقت الذي يقضونه في الدردشة على وسائل التواصل الاجتماعي يوميًّا، وتابعنا التغيُّر في مستويات الاستخدام والمساعدة في سن العاشرة، وكيف أثر استخدامها والتغيُّر في معدلاته عبر التقدُّم في العمر على تغيُّر معدلات السعادة حتى سن 15".

توضح بوكر أن الدراسة الحالية استندت إلى الجهد الذي بذله الباحثون في الدراسات السابقة، التي بحثت اختلافات النوع وما إذا كان البنون والبنات يتأثرون بوسائل التواصل الاجتماعي بالطريقة والدرجة نفسها، كما بحثنا الآثار السلبية المحتملة لاستخدامها على الأطفال الصغار والمراهقين، مضيفةً أن "النتائج أظهرت أن الفتيات اللاتي يتفاعلن على وسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة أكبر في سن العاشرة يواجهن صعوبات أكثر في سن الـ15، وأن تلك التأثيرات السلبية تستمر طوال مرحلة المراهقة".

من جهتها، تقول "نهال لطفي" -أستاذ علم النفس بجامعة قناة السويس"- لـ"للعلم": "إن فترات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تتفاوت وتتباين بتبايُن السن والجنس ونوع النشاط وطبيعة الاستخدام؛ إذ اتجهت العديد من الجهات التعليمية إلى استخدام البرامج المعتمدة على التعلم المدمج (Blended Learning)، الذي يمزج بين التعلُّم وجهًا لوجه والتعلُّم عن بعد، كما أن إمكانية استخدام تلك الوسائل للتواصل مع الآخرين دون تكلفة إضافية غير الاتصال بالشبكة، جعل العديد من الأفراد -وخاصة صغار السن- يعتمدون عليها في التواصل".

تضيف لطفي أنه "بالرغم من خطورة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى الحد الذي يمكن وصفه بالإدمان، إلا أنها تُعَدُّ متنفسًا جيدًا للتواصل بالنسبة للعديد من الأفراد الذين يعانون من مشكلات سلوكية مثل الخجل أو الانطواء والرهاب الاجتماعي، حيث ينتفي عنصر المواجهة المباشرة، ويمتلك الفرد أدوات التحكم في موقف الاتصال، بحيث يمكنه التخفِّي وراء اسم مُستعار، او إنهاء الاتصال في حالة شعوره بعدم الراحة، كما أنه لا يخشى الحرج من الآخرين، لأن التواصل عبر العالم الافتراضي لا يوفر معرفةً حقيقيةً بأطراف الاتصال، لذا فإن استخدامها سلاح ذو حدين".

الشعور بالسعادة والرفاهية

توصل الباحثون إلى تلك النتائج عبر رصد استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية وعشرات الاختبارات الخاصة بقياس الشعور بالسعادة والجوانب الأخرى للرفاهية بين البنين والبنات البريطانيين في سن العاشرة، ثم إجراء الاختبارات نفسها بصورة سنوية حتى بلوغ سن الـ15.

وحلل الباحثون بيانات 9859 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عامًّا، وذلك من خلال عمليات المسح التي تُجرى في بريطانيا سنويًّا منذ عام 2009 وحتى 2015، إذ أجروا استقصاءً يركِّز على مقدار الوقت الذي يقضيه المشاركون الشباب "في الدردشة" على الشبكات الاجتماعية في يوم دراسي كامل، كما جرى قياس مستوى الرفاهية من خلال مقياس السعادة النفسية بأبعادها المختلفة، وكذلك استخدام مقياس الاضطرابات السلوكية والانفعالية، وهو مقياس مخصص للأطفال والمراهقين بين 3 أعوام و16 عامًا، ويتكون من 25 عنصرًا تغطي فرط النشاط، ونقص الانتباه، وأعراض المشكلات الانفعالية، والمشكلات السلوكية، ومشكلات العلاقات بالأقران.

وتضمَّن المسح أيضًا توجيه أسئلة لعينة البحث حول حياتهم المدرسية والأسرية؛ لمعرفة نقاط ضعفهم وقوتهم، بغية تحديد المشكلات العاطفية والسلوكية التي يواجهونها وتقييمها، وطُلب منهم الإجابة عن سؤالين: الأول "هل أنت عضو في إحدى شبكات الدردشة مثل "بيبو- فيسبوك- ماي سبيس"؟ والثاني حول عدد الساعات التي يقضيها كلٌّ منهم في الدردشة على تلك التطبيقات خلال اليوم الدراسي المعتاد.

قُسِّمت العينة إلى مجموعتين بناءً على إجابة السؤال الأول إلى مستخدم/ غير مستخدم؛ ثمَّ قُسِّمت إلى ثلاث مجموعات بناءً على إجابة السؤال الثاني، وهي مجموعة أولى تضمُّ مَن يقضون (ساعة واحدة أو أقل)، وثانية تضمُّ مَن يقضون (من ساعة إلى 3 ساعات)، وثالثة تضمُّ مَن  يقضون (4 ساعات فأكثر).

علاوة على ذلك، جرى طرح 6 أسئلة لتحديد ذلك الأثر، بحيث تعكس الجوانب الأساسية في الحياة، وهي: العلاقة بالأصدقاء، والعلاقة بالأسرة، والمظهر العام، والمدرسة، والعبء الدراسي، والحياة ككل.

واستُخدمت البيانات التي جرى جمعها من عينة الدراسة في بناء نموذجين: الأول اختص برصد العلاقة بين الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي ومستوى الرفاهية والسعادة لدى كلٍّ من الذكور والإناث، والآخر اعتنى بدراسة العلاقة بين استخدامها والتقدم في العمر لدى عينة البحث.

وخضعت جميع النماذج للضبط التجريبي من خلال التحكم في بعض المتغيرات الوسيطة، مثل الجماعة العرقية والتنشئة الأسرية والمستوى التعليمي للآباء ومتوسط دخل الأسرة.

وأظهرت النتائج أن درجة الرفاهية لدى أفراد العينة تأثرت بالنوع والعمر؛ إذ تناقصت درجة السعادة من 36.94 في سن العاشرة إلى 33.33 في سن الخامسة عشرة، كذلك كانت درجة السعادة أقل لدى الطالبات اللاتي أحرزن درجات عالية في البعد الخاص بالصعوبات وفقًا لـ"مقياس الاضطرابات السلوكية والانفعالية".

مرحلة حساسة

من جهته، يقول "محمود موسى" -أستاذ علم النفس بجامعة قناة السويس- لـ"للعلم": "إن المرحلة العمرية التي تناولتها الدراسة حساسة للغاية، إذ إن الأطفال من سن ١٠ إلى ١٥ عامًا عادةً ما يكونون عرضةً لعمليات الابتزاز على شبكات التواصل؛ فالمعلومات والذكريات التي يعلنها الأفراد في هذه المرحلة العمرية قد تكون عرضةً للاستخدام من قِبَل أطراف عديدة لإلحاق الأذى النفسي والمادي بهم، في حين يقل احتمال تعرُّض الإنسان للتسلُّط والابتزاز كلما تقدم في العمر".

وتابع: "دائمًا ما يكون المراهقون أكثر ميلًا لتكوين علاقات صداقة مع غرباء عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ بسبب رغبتهم الكبيرة في اكتشاف الآخر، وفضولهم الكبير لاكتشاف أنفسهم عبر إقامة علاقات مع الآخرين".