"بسة" في السعودية والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا، و"قطوسة" في تونس، و"سنارة" في عمان، و"قطة" في مصر، أسماء لم تُرضِ كثيرًا من عشاق تربية القطط، فراحوا يطلقون عليها أسماءً أخرى تزيد من تعلُّقهم بها.

هذا التعلق ربما يزيد أكثر وأكثر بعدما كشفت دراسة دنماركية أن تربية القطط تساعد على حماية الأطفال من الانضمام لطابور مرضى "الربو" البالغ عددهم نحو 235 مليون شخص على مستوى العالم، فيما يروح ضحيته 383 ألف إنسان سنويًّا، وفق ما جاء في تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر عام 2016.

تُظهر الدراسة أن تربية القطط مع أطفال حديثي الولادة قد تقيهم مرض الربو عن طريق إبطال مفعول الكروموسوم 17q21 المسؤول بصفة رئيسية عن إحداث المرض؛ إذ يؤدي تنشيطه إلى تضاعُف فرص الإصابة بالربو والتهاب الشعب الهوائية.

ومن المتوقع أن تغير نتائج الدراسة مسار الاتهامات الشائعة للقطط بأنها تزيد من وطأة الحساسية الصدرية ومرض الربو بـ180 درجة.

مخالطة البيئة الطبيعية

يقول هانز بسيجارد -أستاذ طب الأطفال في مستشفى جامعة كوبنهاجن وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "ساعدَنا البحث في تعرُّف الطريقة التي قد يحدث بها المرض، كما أنه يوثق أيضًا التفاعل بين علم الوراثة والبيئة التي نعيش فيها، وهذا التفاعل يحدث على وجه الخصوص في وقت مبكر جدًّا من الحياة، سواء في أثناء الحمل أو في المنزل".

شملت عينة البحث 377 طفلًا دنماركيًّا تعاني أمهاتهم من مرض الربو، وتم جمع معلومات خاصة بالخريطة الجينية لكل طفل على حدة، فضلًا عن التقاط عينات من المواد المسبِّبة للحساسية جرى تحصيلها من منازل هؤلاء الأطفال ومهودهم، وذلك دون أن يُغفل البحث تصميم استبانة تجيب عنها أسرهم، وكان حوالي ثلث أطفال العينة ممن يحملون هذا الجين.

وقام الباحثون بجمع عينات غبار من منازل لا تقطنها حيوانات أليفة، وأخرى من بيوت أسر تقوم بتربية تلك الحيوانات، وقاموا بخلطها بالماء وتغذية فئران التجارب بهذا السائل مخلوطًا بصراصير مطحونة وبروتين البيض باعتبارها موادَّ مسببةً للحساسية لدى كلٍّ من القوارض والبشر.

 وخلصوا إلى أن الفئة الأولى أظهرت مناعةً في مواجهة التهابات القصبة الهوائية، كما أنها لم تفرز الكثير من المخاط، مقارنة بالفئة الثانية، مُرجِعةً ذلك إلى أن المجموعة التي تناولت هذا الخليط أصبح لديها مخزون مهم من بكتيريا "لاكتوباكيلوس جونسوني"، التي منحتها نوعًا من المناعة ضد عدد من الالتهابات والحساسية.

دراسات أخرى مؤيدة

وكانت دراسات سابقة أكدت الفوائد المناعية الكبيرة التي قد يحصدها الإنسان من خلال مخالطته للبيئة الطبيعية؛ إذ كشفت دراسة أعدتها سوزان لينش -المتخصصة في علم الأحياء الدقيقة بجامعة كاليفورنيا الأمريكية- أن الحيوانات الأليفة قادرة على نقل الميكروبات من البيئة المحيطة إلى الجهاز الهضمي الخاص بمربيها، وبمجرد استقرار هذه الميكروبات في أمعاء هؤلاء المربين، تمنحهم مناعةً ضد الربو والحساسية.

وتتفق نتائج الدراسة، إلى حدٍّ ما، مع ما انتهى إليه بحث بريطاني تناول العلاقة بين اقتناء الحيوانات الأليفة وحماية الأطفال من الإصابة بالربو، وذلك من خلال متابعة 3768 طفلًا في الفترة من بداية الحمل وحتى بلوغهم سن سبع سنوات.

وتوصل البحث البريطاني إلى أن "تربية حيوان أليف في المنزل قلَّل بشكل كبير من احتمالية تعرُّض الأطفال، في هذه المرحلة العمرية، لحساسية الصدر ومرض الربو التأتبي (الذي يحدث نتيجة عوامل خارجية، مثل صوف الحيوانات الأليفة وحبوب اللقاح والغبار والمنتجات العطرية والأبخرة السامة، وغيرها من العوامل غير المواتية لظروف العمل أو البيئة)، في حين زاد من احتمالات التعرض للربو غير التأتبي (الذي ينتج عن عوامل داخلية، مثل الحالة النفسية والعاطفية للطفل، والتي تحدث نتيجة اضطرابات عائلية وارتفاع درجة حرارة الجسم والبدانة والنشاط البدني القوي).

تدريب الجهاز المناعي

يقول محمود حمدي -أخصائي طب وجراحة الحيوان- لـ"للعلم": "إن البحث يطرح فكرة اكتساب مناعة عن طريق تدريب الجهاز المناعي في سن مبكرة على التعايش مع مسبِّبات المرض، وهي بالضبط الكيفية نفسها التي تعمل بها التطعيمات التي يحصل عليها الطفل، إذ يتم تطعيم الطفل باستخدام جرعة ضعيفة من الميكروب أو الفيروس المسبب للمرض، وبالتالي يتم تدريب جهازه المناعي على تكوين أجسام مضادة لمقاومة المرض".

مقامرة

في المقابل، يحذر البعض من أن قرار اقتناء القطط في المنازل يُعَد ضربًا من المقامرة، إذ يقول نبيل الدبركي- رئيس الجمعية المصرية لأمراض الحساسية والصدر- لـ"للعلم": "إن هناك فرقًا بين الحقائق العلمية المثبتة ونتائج دراسةٍ ما"، مضيفًا أن الثابت والمتعارف عليه في العمل الإكلينيكي أن فراء القطط ولعابها وبولها تحتوي على فطريات تسبب وتثير الحساسية في الأنف والجلد والعين والشعب الهوائية، وذلك لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد جيني لحدوث المرض الذي ينجم عن تفاعُلات بين هذا التكوين الجيني والبيئة المحيطة، وأعتقد أنه من المبكر جدًّا تعميم نتائج هذه الدراسة وإرشاد الأسر لتربية القطط كوسيلة وقائية من هذه الأمراض الصدرية.

تشترك مريم علي -مدرس أمراض الصدر بطب عين شمس- مع "الدبركي" في الرأي، مضيفةً أن "المبادرة الوطنية العالمية للربو وضعت قواعد إرشادية يجب اتباعها عند علاج مرضى الربو والحساسية، منها عدم تربية القطط، وبصفة خاصة القطط الشيرازي، في بيت فيه مريض يعاني من الربو والحساسية، وذلك ضمن قائمة ضمت أيضًا عدم تربية الببغاوات والحمام والعصافير، مشددةً على أن فراء القطط يحتوي على مادة زيتية تثير الحساسية".