تُعد البروتينات اللبنات الأساسية لجميع الكائنات الحية، لذا يجرى قدر كبير من الأبحاث حول كيفية صنعها ووظائفها، ابتداءً من الإنزيمات التي تقوم بتفاعلات كيميائية، وانتهاءً بالرسل التي تنقل الإشارات بين الخلايا.

وفي عام 2004، فاز "آرون سيشانوفر"، و"أفرام هيرشكو"، و"إروين روز" بجائزة نوبل في الكيمياء عن عملية مختلفة، لكنها مهمة أيضًا لآليات النسخ البروتينية، تمثلت تلك العملية في إيضاح "كيفية تعرُّف الخلايا على البروتينات التالفة، وتكسيرها إلى الأحماض الأمينية المكوِّنة لها عندما تنتهي من أداء وظيفتها، ما أدى إلى تطوير مثبِّطات الأجسام التي تحلّل البروتينات، وهي أدوية تُستخدم لعلاج بعض أنواع السرطان".

درس الباحثون الثلاثة الحائزون لجائزة نوبل في الكيمياء بروتين "اليوبيكويتين"، وهو نوعٌ خاص من البروتين موجود في العديد من الأنسجة والكائنات تم اكتشافه منتصف السبعينيات من القرن الماضي، لكن وظيفته كانت غير معلومة آنذاك، وبدراسة اليوبيكويتين في الخلايا الشبكية -وهي خلايا كرات الدم الحمراء غير الناضحة- الأبسط في الاستخدام مقارنةً بغيرها، اكتشفوا أهميته في هدم البروتين، وكانت هذه هي الخطوة الأولى في اكتشاف أن البروتينات التي ترتبط بـ"اليوبيكويتين" تتكسر بفعل الأجسام التي تحلِّل البروتينات، ومن ثم يُعاد تدوير الشظايا لتكوين بروتينات جديدة.

وتحلُّل البروتين هو عملية مُنظَّمة بعناية، يتم خلالها تمييز البروتينات للتخلص منها بملصق جزيئي يسمى "اليوبيكويتين"، ثم تجري تغذيتها في "البروتيازوم"، وهو نوعٌ من آلة تمزيق الورق الخلوية التي تُقطّع البروتينات إلى أجزاء صغيرة.

تشارك عملية وضع العلامات على البروتينات باستخدام "اليوبيكويتين" في مجموعة واسعة من العمليات الخلوية، تتضمن انقسام الخلايا، وإصلاح الحمض النووي، والاستجابات المناعية.

لفهم كيفية تكسير الخلايا للبروتينات، استخدم باحثون من جامعة "شيكاغو" الأمريكية المجاهر الإلكترونية المتقدّمة للتعمق أكثر في عملية تدهور البروتين، ووصفوا بنية إنزيم رئيسي يساعد على التوسُّط في انتشار الخميرة، وهو جزء من عملية خلوية تسمى مسار (N-degron)، الذي قد يكون مسؤولًا عن تحديد معدل التحلل لما يصل إلى 80٪ من البروتينات المكافئة في البشر.

وأوضح الباحثون، في دراسة نشرتها دورية "نيتشر" (Nature)، أنه يمكن أن تؤدي الأعطال في هذا المسار إلى تراكُم البروتينات التالفة أو غير المنتظمة، التي تكمن وراء عملية الشيخوخة، والتنكُّس العصبي، ما يعني أن فهمها على نحوٍ أفضل يوفر فرصةً لتطوير العلاجات.

درس مينجلي تشاو -الأستاذ المساعد في الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية في جامعة شيكاغو، وقائد فريق البحث- وزملاؤه إنزيمًا يُسمَّى "ليجاز اليوبيكويتين إي3" أو (ubiquitin ligase E3)، وهو نوعٌ من الإنزيمات يساعد على ضم الجزيئات الكبيرة معًا، ويطلق عليه أيضًا (Ubr1).

يساعد هذا الإنزيم في بدء عملية الانتشار في خميرة الخباز، إذ يرتبط بالبروتين ويطيله في سلسلة من الجزيئات تُعرف بالبوليمرات التي تُعد اللبنات الأساسية للمواد الاصطناعية مثل البلاستيك، وتحدث أيضًا بشكل طبيعي عندما ترتبط الجزيئات الكبيرة (في هذه الحالة اليوبيكويتين) بوحدات فرعية متكررة.

يقول "تشاو" في تصريحات لـ"للعلم": قبل هذه الدراسة، لم نكن نعرف الكثير عن كيفية تكوُّن بوليمرات اليوبيكويتين هيكليًّا، وبدأنا الآن في الحصول على فكرة عن كيفية تثبيته لأول مرة على ركيزة البروتين، ثم كيفية تشكيل البوليمرات بطريقة خاصة بالرابط، وهذه علامة فارقة من حيث فهم تعدُّد الجسيمات على مستوى ذرِّي قريب.

وللوصول إلى النتائج، استخدم الفريق بعض تقنيات البيولوجيا الكيميائية لتقليد الخطوات الأولية لعملية ربط اليوبيكويتين بالبروتينات، بعد ذلك، استخدموا "المجهر الإلكتروني فائق البرودة" (cryo-EM) لالتقاط العملية.

ويتضمن المجهر حلول التجميد السريع للبروتينات، ثم استخدام مجهر إلكتروني قوي لإنتاج صور للجزيئات الفردية أو الهياكل الخلوية، وهذه التقنية تساعد الباحثين في البحث عن طرق لاستهداف البروتينات بالأدوية أو التدخل في عملية تدهوُر البروتين المعطلة.

يضيف "تشاو": المجهر الإلكتروني فائق البرودة مثير للاهتمام؛ لأنه بعد الانتهاء من معالجة البيانات، يظهر هيكل جديد لم ترَه من قبل، والآن يمكننا استخدام ما تعلمناه وإعادة توظيف الإنزيمات عن طريق إدخال جزيئات صغيرة أو خليط من الببتيدات لتحطيم البروتينات التي نريدها.

ويتابع: حددنا عدة هياكل لأداة تحلُّل بروتين الخميرة (Ubr1)، وكانت معقدةً مع ركائزها والبروتينات الملحقة، وكشفت الهياكل عن كيفية توسُّط هذا البروتين في تعدُّد المواضع على ركائز باستخدام المسار (N-degron) بطريقة محددة للربط.

وعن خطواتهم المستقبلية، يقول "تشاو": سندرس متماثلات هذا البروتين البشرية، التي تحور أحدها في متلازمة "جوهانسون-بليزارد" النادرة، التي تسبب عيبًا خلقيًّا متعددًا، يضم نموًّا غير طبيعي للبنكرياس والأنف وفروة الرأس، مع تخلُّف عقلي، وفقدان للسمع وفشل في النمو، وسنستكشف أيضًا إمكانية إعادة استخدام هذا البروتين البشري لعلاج الأمراض.