منذ أكثر الحضارات إيغالًا في القدم، وحتى منتصف القرن التاسع عشر، والجنس البشري يُنظر إليه باعتباره وجودًا منفصلًا تمامًا عن الطبيعة، إذ لم يجرؤ أحد على لفت الأنظار إلى الشبه بينه وبين القردة العليا Apes. وعندما طرح داروين نظريته من خلال كتابه "أصل الأنواع" -عام 1859- حرص على أن يتجنب أي ذكر عن تطور الإنسان، ليس لأنه اعتبره مستثنًى من التطور، بل لأنه لم يُرد إثارة زوبعة من الجدل، ولكن كتابه أثار الزوبعة التي حرص هو كثيرًا على تجنُّبها بطبيعة الحال.

وفي عام 1871، شعر "داروين" بأنه ليس لديه ما يخسره، فنشر كتابه "أصل الإنسان". وقد جعلت نظرية داروين في الأصل المشترك من تحدر الإنسان من أسلاف شبيهة بـ"القردة العليا" استنتاجًا لا بديل عنه، نظرًا لقوة الشواهد المستمدة من الشكل الظاهري ومن دراسة الحفريات التي تؤكدها الدراسات الجينية يومًا بعد آخر. لقد أصبحت إحدى أهم مهمات علم الحفريات، هي الإجابة عن متى وأين ظهر الفرع التطوري الذي أدى إلى ظهور الجنس البشري من الخط الرئيسي الذي جمعنا مع القردة العليا؟

واحد من تلك البراهين العلمية، تقدمه لنا حفرية جرى اكتشافها منذ قرابة عشر سنوات في صحراء الفيوم المصرية. هذه الحفرية الفريدة من نوعها، كانت موضع دراسة علمية صادرة حديثًا، أجراها فريق دولي من علماء الحفريات الفقارية من المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي وجامعة جنوب كاليفورنيا الأمريكية، وجامعات ومراكز بحثية أخرى، بالتعاون مع مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية في مصر. الدراسة المنشورة أمس، 8 نوفمبر، في مجلة "نيتشر كومينيكيشن"، تمكن الفريق البحثي من خلالها من تسجيل حفرية نادرة لعظمة "فخذ" Femur تنتمي لـ"القرد المصري" الإيجيبتوبيثيكس Aegyptopithecus وكانوا قد قاموا باكتشافها في صحراء الفيوم بمصر، في عام 2009.

ومن خلال صور ثلاثية الأبعاد عالية الدقة ودراسات تشريحية وفيلوجينية موسعة، تمكَّن الفريق البحثي من إثبات أن القرد المصري القديم يمثل نقطة محورية ومهمة في فهم تطور الإنسان والقردة العليا بشكل خاص والرئيسيات بشكل عام. أُجريت الدراسات التشريحية لمقارنة تشريح عظمة الفخذ لهذا القرد بمجموعة مختلفة من عظام القردة التى تعيش في عصرنا الحالي وكذلك القردة المنقرضة ومثيلاتها في البشر أيضًا، في حين اختصت الدراسات الفيلوجينية بدراسة الأنساب والأصول التي تنحدر منها هذه القردة.

في حديثه لـ"للعلم"، قال سيرجيو ألميسيجا، الباحث بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي والمؤلف الأول للدراسة: تمكَّنَّا هنا من توثيق أفضل وأكمل حفرية لعظام فخذ القرد المصري القديم، مما سمح لنا ببناء صورة واضحة عن انفصال "قردة العالم القديم" و"أشباه الإنسان" وتطور الرئيسيات.

ويضيف "ألميسيجا": تُظهر تحليلات النمذجة المورفولوجية والتطورية ثلاثية الأبعاد أن كلتا المجموعتين البعيدتين تباينتا في اتجاهين متعاكسين، عن مورفولوجيا الورك البدائية المحفوظة في القردة Aegyptopithecus، مما يعطي دليلًا واضحًا على أن السلف الجامع لكل هذه المجموعات تطور عن سلف يشبه القرد المصري.

والمقصود بالنمذجة المورفولوجية والتطورية هو بناء صور ثلاثية الأبعاد تحاكي الحفرية المكتشفة، باستخدام برامج حاسوبية مخصصة لهذا الغرض، مما يساعد على دراسة أدق التفاصيل الخاصة بها دون الحاجة إلى الحفرية ذاتها، ومن خلال هذه الصور عالية الدقة يمكننا تتبُّع تطور عظام الفخذ في التاريخ التطوري.

دكتور هشام سلام مع نماذج لجمجمة القرد المصري credit:Hesham Sallam

من جانبه، يقول هشام سلام، مدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، والباحث المشارك في الدراسة: هذا الاكتشاف يحل لغز انفصال القردة العليا عن قردة العالم القديم. ويضيف: أسفرت الرحلات الحقلية في صحراء مصر عن اكتشاف عظمة الفخذ لحفرية القرد المصري الشهير إيجيبتوبيثيكس، الذي عاش في الغابة الاستوائية التي غطت مصر منذ ملايين السنين، مشددًا على أنه بمقارنة عظمة الفخذ المكتشفة ومقارنتها بعظام القردة العليا وقردة العالم القديم، المختلفين في طريقة المشي والحركة، تَبيَّن أن السلف المشترك بينهما يشبه القرد المصري إلى حد كبير.

تطور الإنسان

الرئيسيات هي رتبة من طائفة الثدييات، يتميز أفرادها بالقدرة على إمساك الأشياء بأصابع اليدين والقدمين التي تتميز بوجود الأظافر، كما تتميز بوجود أعين أمامية تمكنها من الرؤية المزدوجة المجسمة لتعينها على الحركة بين أغصان الأشجار. علاوة على ذلك، فإن الرغبة الجنسية للرئيسيات مستمرة طوال العام، بخلاف بقية الثدييات التي تقتصر رغبتها الجنسية على مواسم وأوقات معينة من العام.

ظهرت أسلاف الرئيسيات في عصر الديناصورات، متمثلةً في الثدييات ساكنة الأشجار، والتي تتغذى على الحشرات. ومنذ 40 مليون سنة انقسمت رتبة الرئيسيات إلى مجموعتين: إحداهما أشبه بالسناجب وتُعرف بـ"ما قبل القردة" Prosimans ويمثلها "الليمور". أما المجموعة الأخرى فهي "الرئيسيات العليا" Anthropoids، وهي كائنات اجتماعية تعيش في مجموعات، وتتميز بطول فترة حضانتها لأطفالها وبالقدرة على تمييز الألوان، كما يظهر فيها أيضًا تنوُّع فصائل الدم.

وقبل 25 مليون عام، انقسمت "الرئيسيات العليا" الى مجموعتين شكلت إحداهما "القردة" monkeys والأخرى شكلت "البشر وأشباه البشر"Hominids ، وهو الفرع الذي انقسم قبل 8 ملايين عام إلى عائلة "القردة العليا غير المذنبة" Apes وعائلة "أشباه الإنسان" Hominids التي تشمل البشر.

صورة تخيلية لمجموعة من القرد المصري credit:Sergio Almecija

وقد أظهرت الدراسات السابقة أن "القردة العليا غير المذنبة" من أصل آسيوي (أورانج أوتان والجيبون) لا تشبه الإنسان وراثيًّا، أما تلك التي هي من أصل أفريقي (الشمبانزي والغوريلا)، فهي الأقرب إلينا وراثيًّا. كما أظهرت أن التشابه بين الجينات العاملة في كلٍّ من الشمبانزي والإنسان يصل إلى 98.7%، أما اذا نظرنا إلى الشيفرة الوراثية ككل (الجينات العاملة والخاملة) فإن التشابه يصل إلى حد التطابق 100%. وعلاقتنا بالشمبانزي أقرب من علاقته بالغوريلا، بل إن علاقتنا بالشمبانزي أقرب من علاقة نوعي الغوريلا الشرقية والغربية ببعضها.

يعلق محمد سامح -مدير إدارة محميات المنطقة المركزية بوزارة البيئة، والباحث غير المشارك في الدراسة- على نتائج البحث بقوله: ما يقدمه العلماء في هذه الدراسة يعطي صورة أكثر وضوحًا عما إذا كان القرد المصري الإيجيبتوبيثيكس، هو الجد الأعلى والمشترك للقردة والقردة العليا غير المذنبة وأشباه الإنسان.

إثبات النسب

وفيما يتعلق بإثبات نسبة هذه العظام إلى القرد المصري تحديدًا وليس إلى أي نوع آخر، يقول إيريك سيفرت، أستاذ التشريح بجامعة جنوب كاليفورنيا والباحث المشارك في الدراسة: مما لا شك فيه أن هذه العظام تنتمي إلى القرد المصري القديم.

ويضيف "سيفرت" قائلًا: لقد عملت في التنقيب عن الحفريات في صحراء الفيوم بمصر لأكثر من 5 عقود من الزمن، ولديَّ دراية كافية بغالبية المحتوى الحيواني الذي عاش في تلك المنطقة، وأستطيع الجزم بأنه لم يكتشف في تلك المنطقة أيٌّ من الرئيسيات بهذا الحجم سوى القرد المصري.

صورة مكبرة لحفرية عظمة الفخذ المكتشفة للقرد المصري credit:Sergio Almecija

 

ويضيف "سلام": القردة العليا لها القدرة على المشي منتصبةً أو شبه منتصبة، وهذا يعكس الشكل التشريحي لعظام الفخذ وطريقة ارتباطها بعظام الحوض، لذا فإن هذه الدراسة تبين أن السلف المشترك بين القردة العليا والقردة القديمة قد انحدر من سلف يشبه إلى حدٍّ كبير القرد المصري.

جبل قطراني

شهد عصر الأوليجوسين ازدهار قردة العالم القديم في أفريقيا، وفي عام 1965 اكتشف العالم الأمريكي، إيلون سايمون، حفريةً نادرةً في منطقة جبل قطراني بمنخفض الفيوم بمصر، إنَّها Aegyptopithecus zeuxis، أحد أهمِّ الحفريات –إن لم تكن الأهم- التي عُثِر عليها على الإطلاق في مصر. ويُعدُّ القرد المصري "إيجيبتوبيثكس" أحد أقدم القردة التي عُثر عليها، إذ يقدَّر عمرُ حفرياته بـ40 مليون عامًا، ويبلغُ طوله 70 سم، ويسير على أربع، وكان وجهه شبه مسطح مقارنةً بأسلافه، وتميَّز بوجود ضرسين أماميين وثلاثةٍ خلفيين في كلِّ ربعٍ من الفم، ولكن أضراسه السفلية كانت أكبر حجمًا قليلًا، وتميز الإيجبتوبيثكس بوجود عُرف سهمي Sagittal crest بأعلى الجمجمة تتصل به عضلات الفك، مما يعطي انطباعًا بعضلات فكٍّ كبيرةٍ وقوية، وينتمي الإيجبتوبيثكس إلى عائلةPropliopithecoidea ، وهي أقدم عائلة معروفة من قردة العالم القديم وكلّها منقرضة. وسافرت بعدها الحفرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ونظرًا للضجة العلمية التي أحدثتها هذه الحفرية عادت بعدها إلى مصر، وهي محفوظة حاليًّا بالمتحف الجيولوجي بالقاهرة.

واستمرت رحلات التنقيب عن بقايا أخرى لهذا القرد القديم عقب هذا الاكتشاف، إلى أن تمكن فريق الدراسة الحالية من اكتشاف حفرية عظمة الفخذ للقرد المصري فى عام 2009.

وفي حديثه الخاص لـ"للعلم" يقول "سلام": شاركت في اكتشاف الحفرية في سنة 2009 عندما كنت طالب دكتوراة من جامعة أكسفورد، ويعتبر أحد أهم الاكتشافات التي توثق طريقة الحركة أو المشي بين مجموعتين هما القردة العليا وقردة العالم القديم التي عاشت ونشأت في أفريقيا، وهو إضافة علمية كبيرة في فهم تطور أو شجرة الرئيسيات.

شراكات تبني مستقبلًا

ظلت الحفريات المصرية رهينة العلماء والباحثين الأجانب الذين عكفوا على دراستها عقودًا من الزمن دون أن يتم السماح للعلماء المصريين بالمعرفة والعلم في هذا المجال. إلى أن حدثت ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، وبعدها انقطعت الرحلات والمعسكرات الأجنبية في الصحاري المصرية للتنقيب عن الحفريات الفقارية، ما أعطى الضوء الأخضر للعلماء المصريين لبدء مشوار دراسة وكشف خبايا هذا التراث الطبيعي الذي تمتلكه مصر. ويمثل بروتوكول التعاون بين مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية ووزارة البيئة أحد أهم النماذج على هذا المستقبل المزدهر. يقول "سامح": نسعى في وزارة البيئة إلى بناء شراكات تستطيع بناء مستقبل مزدهر يحمي تراثنا الطبيعي من تلك الحفريات المصرية النادرة.

في هذا الإطار، يشير "سلام" إلى أن مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية بالتعاون مع وزارة البيئة لديهم برنامج يهتم بالتنقيب في صحراء مصر وكشف المزيد من الحفريات التي تجيب بدورها عن كثير من الأسئلة العلمية التي تحل ألغازًا في التاريخ الجيولوجي البعيد الذي لم يشهده بشر.