في أحد أيام شهر مايو من عام 1890، وضع فان جوخ -هذا الفنان الاستثنائي- فرشاته للمرة الأخيرة، لينظر إلى تشابك أجزاء النبات في تلك اللوحة الأيقونية "جذور الأشجار" Tree roots، المحفوظة الآن في متحفه الذي يضم ممتلكاته ولوحاته، والتي لم يُكتب لها قَط أن تكتمل، ثم تناول مسدسًا صغير الحجم، وخرج من المنزل الكائن في منطقة "أوفير سور أويز" الواقع على بُعد عدة كيلومترات إلى شمال باريس، وفي الحقل المتاخم للمنزل، أطلق النار على نفسه.

كان "جوخ" قد قطع أذنه اليسرى قبل نحو عامين من انتحاره، ووفق ما يجري تداوله عن تلك الفترة من حياته، أن أحاسيس الوحدة والرغبة في الانعزال كانت قد تصاعدت داخله، حتى عزم على إنهاء حياته. تقول بعض الدراسات إن "جوخ" كان يعاني من مرض الفُصام، في حين تشير أخرى إلى روايات مغايرة.

وضع "جوخ" نهاية لحياته المأساوية. وظل سر مرضه النفسي وأسباب إصابته به مدفونًا للأبد. لكن دراسة حديثة نُشرت في دورية "ساينس" (Science) الشهيرة قد تكشف الكثير عن طبيعة المرض الذي ربما عانى منه ذلك الفنان وأصيب به العديد من المشاهير، مرض الفُصام.

والفصام هو أحد أكثر الاضطرابات العقلية خطورة، وينتج عنه هلاوس وأوهام واضطراب في السلوك يَعوق حياة المريض الشخصية، ويحتاج إلى علاجات قاسية تستمر مدى الحياة. وإلى الآن لا يعرف الباحثون على وجه الدقة السبب وراء الإصابة بذلك المرض. إلا أنهم يعلمون أن المُصابين به يُعانون من خلل في كيمياء المخ، يُربك الإشارات في الناقلات العصبية، ويُغير من شكل تشابكات الدماغ الطبيعية.

وفيما يتعلق بالأسباب الوراثية التي تعزِّز احتمالات الإصابة بالمرض، أجرى الباحثون مئات من الدراسات التي تهدف إلى إماطة اللثام عن ذلك الاضطراب الخطير، نفذوا خلالها فحصًا شاملًا لأكثر من 300 جين لتوضيح الأسس الوراثية لمرض انفصام الشخصية، وأجروا عشرات التقييمات بشكل منهجي لتلك الجينات. إلا أن معظم تلك الدراسات لم تُسفر عن الكثير.

جينات الأفارقة

في دراسة جديدة، أجرى الباحثون اختبارات جينية على أصول الجينات؛ إذ درسوا الأساس البيولوجي للمرض العقلي في أول تحليل جيني لمرض انفصام الشخصية بين سكان أفريقيا، وتحديدًا من قبيلة "خوسا" Xhosa بدولة جنوب أفريقيا. وتمكَّن الباحثون عبر دراسة جينات تلك القبيلة من تحديد طفرات نادرة تحدث بشكل متكرر لدى الأشخاص المصابين بتلك الحالة المرضية.

وتبيَّن أن تلك الطفرات موجودة بشكل أساسي في الجينات المهمة لنمو الدماغ، علاوة على تلك اللازمة لازدهار المشابك العصبية الكيميائية، وهي هياكل بيولوجية صغيرة تُمكن الخلايا العصبية من التواصل بعضها مع بعض.

تلك الجينات تتفق مع المجموعات الجينية التي جرى تحديدها في دراسات أخرى تبحث في الأساس الجيني لمرض انفصام الشخصية. لكن تلك الدراسات كلها أُجريت على مجموعات أوروبية وآسيوية بشكل حصري.

ولكن ما يجعل تلك الدراسة مهمة بشكل خاص، هو كونها الأولى من نوعها التي تفحص الجينات المُسببة لذلك المرض لدى الأفارقة. إذ مثلت أفريقيا فجوة كبيرة على مستوى فحص جينات سكانها. وبالتالي فإن تلك الدراسة تدعم الفرضيات الحالية حول الأصول البيولوجية للفصام، التي يُمكن أن يُسبب مجموعة من الأعراض الهلوسية والتفكير المضطرب، على حد قول عالِم الوراثة النفسية بالمعهد المركزي للصحة العقلية في مانهايم بألمانيا، أندرياس ماير ليندنبرج، في تصريحات نقلها موقع "نيتشر"، الذي يشير إلى أن الاعتقاد السائد بين الباحثين هو أن كل طفرة –على حدة- قد تسهم بقدر ضئيل في الخطر العام للإصابة بالمرض، كما يعتقدون أيضًا أن الخلل في التشابكات العصبية يُمكن أن يكون حاسمًا في تطور المرض.

تشخيص خطأ

يقول التقرير المنشور في دورية "نيتشر" والخاص بتلك الدراسة إنه خلال العقد الماضي، ومع ازدهار الدراسات التي تستخدم تسلسل الجينوم لتحديد الأساس الوراثي للأمراض، تعرَّض علماء الوراثة لانتقادات حادة؛ لفشلهم في أخذ عينات تُعبر عن التنوع العرقي في العالم. إذ أهملوا إلى حدٍّ كبير الشعوب الأفريقية، فحوالي 80% من المشاركين في الدراسات الوراثية من أصل أوروبي، وأقل من 3% من أصل أفريقي.

هذا التحيُّز يعني أن العلاجات الطبية التي جرى تطويرها على أساس هذه الدراسات قد لا تعمل بالكفاءة المطلوبة في مجموعات سكانية معينة. فمثلًا، الاختبارات الجينية التي تحسب مخاطر إصابة شخصٍ ما بأمراض القلب القاتلة أدت في كثير من الأحيان إلى تشخيصات خطأ، وذلك لأن الجينات التي فحصتها الدراسات لم تشمل السود، وهي مجموعة عرقية تميل إلى وجود العديد من المتغيرات المختلفة فيما يتعلق بالجينات التي ترفع من مخاطر الإصابة بالمرض.

تقول دراسة سابقة إن العديد من المرضى ذوي الأصول الأفريقية تلقوا تشخيصًا خطأً تمامًا بسبب الاعتماد على تصنيف أنواع مختلفة من العوامل الجينية للأمراض على أساس فهم خطأ لأبحاث جينية أُجريت أساسًا على البيض.

أفريقيا موطن الأجداد

وتفيد نتائج الدراسة الأخيرة التي أُجريت على قبيلة "خوسا" أن أفريقيا موطن الأجداد لجميع البشر المعاصرين، وبالتالي هي القارة الأكثر إفادةً لفهم الجينوم البشري ومدى إسهامه في الأمراض المعقدة، ولا سيما انفصام الشخصية.

عمل الباحثون على فحص مجموعة من سكان قبيلة خوسا، يُقدر عددهم بـ2092 شخصًا، منهم 909 أشخاص مُصابون بدرجة من درجات الفُصام.

قام الباحثون في هذه الدراسة بفحص الأجزاء المسؤولة عن تشفير البروتينات في جينومات المشاركين، كما بحثوا عن الطفرات التي تُلحق الضرر بتلك الجينات. ووجد الباحثون أن مثل هذه الطفرات كانت أكثر انتشارًا في الأشخاص المصابين بمرض انفصام الشخصية، مقارنةً بالأفراد العاديين، وكانت مركزة في الجينات التي يجري التعبير عنها بشكل كبير في المخ، أو التي تشارك في عمل المشابك العصبية.

ووجد الباحثون أن الأفراد المصابين بالفصام أكثر تعرُّضًا بشكل ملحوظ لإيواء طفرات خاصة ومدمرة بشدة في الجينات التي تُعَد مهمة لوظائف الدماغ، متضمنةً الدوائر العصبية التي تُفرز فيها الجلوتامين، وحمض الأمينوبوبريك، والدوبامين.

وقالت الدراسة أيضًا إن الفصام غير متجانس من الناحية الوراثية؛ إذ يشتمل على طفرات شديدة في الجينات التي تعتبر حيوية للدونة المشبكية، وهي قدرة الدماغ على تغيير استجابته في أثناء إرسال الإشارات العصبية واستقبالها.

وكشفت أيضًا عن عمق التباين الوراثي في أفريقيا، في خطوة تمهد الطريق للباحثين بإجراء دراسات مستفيضة على تلك المجموعات المهملة من الأعراق.

الفصام والمجموعات العرقية

قارن الفريق نتائجه بالنتائج التي جرى الحصول عليها في دراسة سويدية كبيرة لمرض انفصام الشخصية، والتي استخدمت الأساليب نفسها. ووجدوا أنها تتسق مع النتائج التي توصلت إليها تلك الدراسة من حيث نوع الجينات التي تحوي الطفرات، لكنها لم تتفق مع كثافة الطفرات في الجين، والتي كانت أكبر عمومًا لدى المشاركين الأفارقة، وهو الأمر الذي يعكس التبايُن الوراثي الأكبر بين مرضى خوسا.

يقول أستاذ علوم الجينوم بجامعة واشنطن "جون مكليلان"، وهو المؤلف الرئيسي لتلك الدراسة: إن معظم الجينات البشرية تُشارك في وظائف المخ، مشيرًا -في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- إلى أن بعض الجينات التي رصدها الفريق أحدثت خللًا تَسبَّب في وقف تنظيم وظائف المشابك الدماغية، كما تُسبب أيضًا ضررًا شديدًا في الطرق التي تتحكم بها تلك التشابكات في كيفية تواصل الخلايا العصبية بالدماغ، "وهو ما أدى إلى تشوُّش دماغ المريض، الأمر الذي أثر بالتالي على شخصيته وسلوكه وحياته بشكل عام".

تقول الباحثة في علوم الإحصاء الطبي بمعهد كارولينيسكا للعلوم بالسويد، "كريستينا هولتمان" -والتي لم تُشارك في تلك الدراسة- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن السكان الأفارقة لديهم –وبشكل إحصائي تمامًا- أكبر ثروة من التنوع الجيني البشري، وبالتالي فإن تلك الدراسة "تحليل نادر، يركز على المتغيرات الجينية بشكل رائع، في شعب يحظى بالتنوع الجيني في الأساس"، مؤكدةً أن النتائج "رغم كونها تدعم أدلةً سبق الكشف عنها، إلا أنها بالغة الأهمية؛ لكونها تفحص مجموعةً لم تحظَ بفرصة فحص جيناتها من قبل".

بدأت الدراسة في عام 2013. وفق "مكليلان"، الذي يُشير إلى أنها المرة الأولى من نوعها التي تدرس العوامل الوراثية المتعلقة بالفصام في السكان الأفارقة.

لكن.. هل يُمكن أن تؤدي تلك الدراسة إلى اكتشاف علاجات جديدة وفعالة لمرض انفصام الشخصية؟ يقول "مكليلان": إن فهمنا للأسباب الوراثية للفصام "يَزِيدُ من احتمال اكتشاف أدوية جديدة أكثر فاعلية".

يرغب "مكليلان" أن يعرف الجمهور ضرورة تمويل أبحاث الجينات والحث على إجرائها في كل المجموعات العرقية حول العالم دون تمييز أو إجحاف، فـ"بيولوجيا الإنسان عالمية.. لكن المتغيرات الجينية ليست كذلك على الإطلاق.. ومن العدل ومن ضروريات البحث العلمي أيضًا فحص جينات الأفارقة.. فهم الأجداد، أجداد كل البشر الأصليين".