على الرغم مما تحتويه من تنوُّع جيني بشري أكبر من أي جزء آخر من الكوكب، إلا أن دراسات الحمض النووي لسكان القارة السمراء القدماء لا تزال قليلةً جدًّا، وهو ما يُرجعه الباحثون إلى التحديات التي تواجه استخراج الحمض النووي من الهياكل العظمية المتدهورة في المناطق الاستوائية.

لكن فريقًا بحثيًّا دوليًّا تقوده كلية الطب بجامعة هارفارد الأمريكية تتبَّع الحمض النووي لأربعة هياكل عظمية تَبيَّن بعد الفحص أنها تعود إلى أطفال، اثنان منهم دُفنا قبل حوالي ٨٠٠٠ عام، فيما دُفن الآخران قبل ٣٠٠٠ عام في موقع "شوم لاكا" الأثري في غرب الكاميرون، وفق دراسة نشرتها دورية "نيتشر" (Nature) اليوم "الأربعاء"، 22 يناير.

كان العلماء قد حددوا في السابق موقع "شوم لاكا" الأثري في منطقة "جراسفيلدز" باعتباره مهدًا محتملًا للغات البانتو الأفريقية قبل أن تنتشر في النصف الجنوبي من القارة بعد حوالي ٤٠٠٠ عام، ويتحدث بها الآن أكثر من ثلث عدد الأفارقة.

ويُعتقد أن هذا الانتشار الكبير لهذه اللغة هو السبب في أن غالبية السكان من وسط وشرق وجنوب أفريقيا مرتبطون وراثيًّا بعضهم ببعض. 

لكن الدراسة الحالية تقدم نتيجةً مختلفة، إذ توضح "ماري بريندرجاست" -الباحثة في جامعة سانت لويس الإسبانية، والباحث المشارك في الدراسة- أن الفريق البحثي جمع عينات من عظام تعود إلى ستة أفراد دُفنوا في الموقع، أنتجت أربعٌ منها عينات تتعلق بـ"الحمض النووي القديم".

تقول "بريندرجاست" في تصريحات لـ"للعلم": "إن تحليل تسلسل الحمض النووي للأطفال الأربعة يكشف عن أصل مختلف تمامًا عن أصل معظم متحدثي البانتو اليوم. وبدلًا من ذلك، فإنهم يشبهون أكثر جماعات الصيادين في أفريقيا الوسطى".

وتضيف أنه "من بين ١٨ هيكلًا عظميًّا عثرنا عليها، اخترنا أخذ عينات من ٦ أفراد يتمتعون بحفظ جيد. لقد اخترنا الجزء الصخري من العظم الصدغي في الجمجمة، وحفرنا عينةً صغيرةً لعمل مسحوق تم نقله بعد ذلك إلى مختبر الوراثة بجامعة هارفارد، حيث جرت معالجة العينات لاستخراج الحمض النووي القديم وتسلسله".

تشير نتائج الدراسة إلى وجود ما لا يقل عن أربع سلالات بشرية رئيسية قديمة، ينحدر منها سكان غرب أفريقيا اليوم. تباعدت هذه السلالات بعضها عن بعض بين حوالي ٣٠٠ ألف إلى ٢٠٠ ألف سنة مضت.

استغرق العمل على الدراسة حوالي ثلاث سنوات، وتقدم نتائجها أول فحص دقيق لحمض نووي قديم من الغرب الأوسط بقارة أفريقيا، ما يُسهم في فهم التواصل القديم بين السكان القدماء من "الهومو" في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

تقول "بريندرجاست": بصفتي عالِمة آثار مهتمة بالزراعة المبكرة والرعي في أفريقيا، ذهبت إلى هذه الدراسة بمجموعة معينة من الأسئلة حول انتشار إنتاج الغذاء ولغات البانتو. لكن على الرغم من أننا شرعنا في الدراسة ولدينا مجموعة معينة من الأسئلة، فقد خرجنا بمجموعة أخرى من الإجابات.

وتضيف -في تصريحاتها لــ"للعلم"- أن نتائج الدراسة لا تُلقي الضوء على التوسع في لغات البانتو كما توقع الفريق البحثي أن يحدث، لكنها بدلًا من ذلك قدمت نظرةً أعمق عن الأصول الإنسانية العميقة في منطقة غرب وسط أفريقيا، أنا مدهوشة من كيفية الحفاظ بشكل جميل على بقايا من هذا الموقع الخاص جدًّا. كما أنني متحمسة لمستقبل علم الآثار في غرب وسط أفريقيا، حيث بدأت عدة مجموعات بحثية حاليًّا في إجراء مشروعات بحثية جديدة حول تاريخ البشرية في المنطقة، ونأمل أن تقودنا تلك المشروعات إلى نتائج أكثر عمقًا في المستقبل.