تحولت البيوت إلى "مكان خطير جدًّا" لضحايا العنف الأسري خلال جائحة كورونا، وانضم إلى دائرة العنف مُعنفون جدد، وفقًا لما رصدته مراكز الدعم وتلقِّي الشكاوي في مصر وبلدان مختلفة حول العالم، وتصاعدت التحذيرات الطبية مؤخرًا من اضطرابات نفسية وانحرافات سلوكية متوقعة في حال أهملنا علاج آثار العنف المُمارَس خلال الجائحة.

وغالبًا ما يزيد العنف ضد النساء في أوقات الطوارئ والأزمات، بما فيها الأوبئة. ويمكن أن يتفاقم خطر تعرُّض النساء للعنف بسبب الضغط النفسي، وتفكُّك شبكات الحماية الاجتماعية، والتعثُّر المادي للأُسر نتيجة زيادة الصعوبات الاقتصادية.

حذرت ألفت علام، استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان، خلال جلسة نقاشية عُقدت أواخر أكتوبر الماضي عبر الإنترنت، تحت رعاية المجلس القومي للمرأة ومؤسسات تدريبية وتنموية، من أن مخزون العنف الذي تعرضت له النساء والأطفال خلال فترة الإغلاق بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، سوف تظهر آثاره بشكلٍ أو بآخر، وعلينا ألا ننتظر حدوث ذلك، وأن نبادر بتقديم العلاج النفسي والسلوكي اللازم للنساء والأُسر المتضررة، خاصةً في ظل استمرار الضغوط النفسية والظروف الاقتصادية الصعبة التي شهدها العالم ولا يزال، الأمر الذي أكده عددٌ من الأوراق البحثية والدراسات التي أُجريت حول التأثيرات المستقبلية للعنف المصاحب لكوفيد-19 في عدد من الدول.

وأفاد تقرير لمنظمة الصحة العالمية، بعنوان "كوفيد-19 والعنف ضد المرأة في إقليم شرق المتوسط"، أن الإقليم يأتي في المرتبة الثانية على مستوى العالم من حيث انتشار العنف ضد المرأة (37%)، وأن هناك زيادةً في حالات العنف خلال الجائحة بنسبة تتراوح من 50% إلى 60% بناءً على مكالمات الاستغاثة التي تُجريها النساء عبر الخطوط الساخنة لمنظمات المرأة.

ويواجه إقليم البحر المتوسط العديد من حالات الطوارئ الإنسانية أكثر من أي مكان آخر في العالم، وفيه عددٌ هائلٌ من اللاجئين والسكان النازحين داخليًّا، بسبب الحروب الأهلية والأزمات السياسية وعدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وشددت ألفت علام لـ"للعلم" على أن جائحة كورونا شكلت بيئةً خصبةً لنمو مشاعر الخوف والقلق والإحباط والغضب، التي يدفع ثمنها النساء والأطفال، باعتبارهم الحلقة الأضعف داخل الأسرة.

 وأضافت أنه في ظل الحاجة إلى تقييد حركة الناس والمكوث لفترات طويلة في المنزل، تعرضت النساء وكذلك الأطفال لعنف أكثر من السابق، بخاصة داخل الأسر المضطربة، وهناك أيضًا مَن تعرضوا لعنف أسري للمرة الأولى؛ نتيجةً للضغوط النفسية المُستجدة في ظل الجائحة.

ويدعم هذا الرأي دراسة حديثة أجرتها مؤسسة مانوشير جونو في بنغلاديش، توصلت إلى أن هناك 4 آلاف و249 امرأة و456 طفلًا تعرضوا للعنف المنزلي خلال شهر إبريل الماضي فقط، من بينهم ألف و672 امرأة و424 طفلًا تعرضوا للعنف لأول مرة في حياتهم، وذلك عبر إجراء مقابلات هاتفية مع 16 ألف سيدة وطفل في 27 من أصل 64 مقاطعة في بنغلاديش في مايو 2020.

وأفادت الدراسة أن اللوم يقع على ظروف الإغلاق المصاحبة للكورونا، وأنه لا يمكن للإحصاءات أن تُظهر سيناريو العنف الحقيقي ضد الأطفال والنساء خلال فترة الإغلاق.

وحذرت ألفت علام -استشاري الطب النفسي- من أن التعرُّض للعنف بهذه الكثافة ولفترات طويلة وتراجُع الخدمات النفسية المعتادة ستظهر آثاره خلال السنوات المقبلة، لا سيما عند الأطفال، قائلةً: "إذا لم نعالج الأمر بشكل عاجل فعلينا أن نتوقع وقوع اضطرابات نفسية وانحرافات سلوكية قد تصل بهم إلى تعاطي المخدرات وممارسة الجريمة".

وأشارت إلى أننا بحاجة لعمل برامج تَعافٍ من العنف الأسري خلال الجائحة، قائلةً: "العنف لن يختفي من تلقاء نفسه، وبعض الإيذاءات النفسية تظل مدى الحياة إذا لم يتعافَ منها الشخص من خلال التدخل الطبي، وفي بعض الأحيان يقود الأمر البعض إلى الانتحار، في حال يئست الضحية ولم تجد الدعم المطلوب أو مكانًا تذهب إليه".

وذكرت ورقة بحثية بعنوان "خطر في خطر: العنف بين الأشخاص في أثناء الحجر الصحي في كوفيد-19"، نشرتها مجلة أبحاث الطب النفسي في إبريل الماضي، أنه من المحتمل أن يصبح الطفل الذي تعرض للإساءة هو المسيء في مرحلة البلوغ، وحذرت من أن يتسبب العنف المنزلي خلال زمن الكورونا في إعادة إنتاج العنف عبر الأجيال.

ونوهت بأن الأشخاص الذين تعرضوا لعنف الشريك معرَّضون لمخاطر الإصابة بأمراض عقلية متعددة (اضطرابات المزاج، اضطرابات القلق، اضطرابات الأكل، اضطراب ما بعد الصدمة، تعاطي الكحول)، إضافةً إلى الأمراض الجسدية المحتملة (أمراض القلب والأوعية الدموية، والآلام المزمنة، واضطرابات النوم، ومشكلات الجهاز الهضمي).

وشددت على الحاجة إلى برامج تهدف إلى منع أعمال العنف المنزلي، وتحقيق تقييم دقيق لبرامج الدعم والعلاج في مجالات الإساءة المتعددة (النفسية والجسدية والجنسية) المقدمة من قِبَل موظفين مدربين متعددي التخصصات، وضمنهم الأطباء النفسيون وعلماء النفس ومقدمو الخدمات الاجتماعية والقانونية.

وتؤيد انتصار السعيد -رئيس مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون- هذه التوصيات، قائلةً لـ"العلم": إنه في ظل وجود جائحة تتطلب من الأشخاص لزوم منازلهم قدر الإمكان للحفاظ على سلامتهم، فإن ظروف الإغلاق والتباعد الاجتماعي جلبت نتائج عكسية للعديد من النساء اللاتي يتعرضن للعنف المنزلي، ما يهدد سلامتهن.

وأشارت إلى أن التعامل مع العنف الأسري في زمن الكورونا يتطلب اتخاذ العديد من الإجراءات الحمائية، قائلةً: "نحتاج إلى زيادة عدد البيوت الآمنة التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، وتدريب العاملين فيها على كيفية التعامل مع الناجيات من العنف، ورفع الوعي المجتمعي بشأنها؛ لتطمئن النساء في حال كانت هناك حاجة إلى اللجوء إليها، إضافةً إلى زيادة عدد الخطوط  الساخنة لتلقِّي الشكاوى والتوسع في الإعلان عنها عبر وسائل الإعلام المختلفة، وتوفير خدمات الدعم النفسي عبر الهاتف والمراكز المختصة".

وحذرت ورقة بحثية، نُشرت في يونيو الماضي، تحت عنوان "العنف المنزلي خلال جائحة كوفيد-19.. من منظور الطب النفسي الشرعي" من أن زيادة معدلات العنف المنزلي المصاحب لكارثة طبيعية غالبًا ما تمتد إلى 6 أشهر بعد انتهائها، وأن التدخلات النفسية ضرورية في هذه الحالات، وأنه يجب على المتخصصين أن يكونوا على دراية بالاحتمالية العالية لزيادة معدلات الإيذاء في أثناء الجائحة وبعدها بفترة طويلة، خاصةً وأن الأمر قد يتطور إلى الإصابة بأمراض عقلية أو إعاقات دائمة، وربما إلى موت الضحية.

ورصدت دراسة نُشرت في أغسطس الماضي، تحت عنوان "تفاقم عنف الشريك الحميم في أثناء كوفيد-19"، ارتفاع معدل عنف الشريك الحميم المصاحب بوقوع إصابات أكثر خطورة، في الفترة ما بين 11 مارس و3 مايو 2020، وذلك بالرجوع إلى نتائج فحوصات الأشعة في مركز طبي كبير في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال نحو 9 أسابيع بعد الإغلاق المصاحب لكورونا، مقارنةً بالسنوات السابقة؛ إذ عالج المركز 28 إصابةً خطيرة، بينها 5 انتهاكات جسيمة، مقابل 16 إصابة خطيرة من عام 2017 إلى 2019.

وأفادت الدراسة أن هذه الإصابات "العميقة" نتجت عن الخنق والطعن والحروق أو استخدام السكاكين والبنادق. وشددت على أن التباعُد الاجتماعي أثبت فاعليته في السيطرة على انتشار فيروس كورونا المستجد، ولكن كانت له آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية سلبية، منها زيادة معدل اضطرابات الصحة العقلية.

ويرى جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن الأشخاص الأكثر عرضةً للأمراض النفسية نتيجةً للتعرُّض للعنف خلال الجائحة هم الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي للمرض النفسي، قائلًا لـ"للعلم": إن فترة الحجر المنزلي في بعض البلدان، مثل مصر على سبيل المثال، لم تكن فترةً طويلةً زمنيًّا لتؤثر بهذه الدرجة على الأشخاص، باستثناء الذين لديهم الجينات الوراثية المساعدة، إلا أن هذا لا ينفي الحاجة إلى التعافي السريع من آثار العنف الذي تعرَّضوا له، وفق رأيه.

وأضاف أن التعرُّض للعنف الأسري طويل المدى ربما يتسبب في اضطرابات في النوم أو الأكل أو الوظائف المعرفية واضطرابات سلوكية، مضيفًا أن برامج العلاج تختلف بين الدوائي والسلوكي وفق الضرر الذي تسبَّب فيه العنف. وأشار إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للعنف من الأب أو الأم يكونوا بحاجة إلى عمليات تعويضية عن مشاعر الحنان والعطف والإحساس بالأمان، ويحتاج علاجهم إلى فترة طويلة من الوقت.