بنظارته الدقيقة، وقف عالِم الكيمياء الحيوية، سلمان واكسمان، داخل مختبره، مُراقبًا قارورة زجاجية تحوي سائلًا شفافًا، في وقت كانت الحرب العالمية الثانية لا تزال على أشدها، وكان السل يفتك بأرواح آلاف البشر، دون رحمة، أو وسيلة تقي الضحايا ضراوة الهجمات.

في ذلك التوقيت، وتحديدًا في عام 1943، كان "واكسمان" وطالب الدكتوراة في معمله، ألبرت شاتز، يعملان معًا من أجل إيجاد وسيلة لوقف الحرب التي يشنُّها السل على البشر، حتى تمكَّنا من التوصل إلى أول عامل مُضاد للميكروبات تم تطويره بعد اكتشاف البنسلين، ما جعله -رغم سُمِّيَّته المتوسطة- دواءً فعالًا ضد ذلك المرض. عُرفت تلك المادة باسم "ستربتومايسين"، وأُدخلت مباشرةً في تجارب علاجية ضد السل في عام 1944.

ورغم نجاح ذلك المركَّب في علاج السل، إلا أن البكتيريا كوَّنت -في العام ذاته- قدرةً على مقاومته؛ إذ اكتشف "واكسمان" أن بعض السلالات للبكتيريا المُسببة للسل كوَّنت قدرةً على مقاومة التركيزات العلاجية المختلفة لـ"الستربتومايسين". ومن يومها برز على السطح ذلك المصطلح المُرعب: مُقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.

تُعتبر المضادات الحيوية من اكتشافات القرن العشرين العجيبة. لكن العجب الحقيقي الآن هو الصعود المتنامي في مقاومة البكتيريا لها داخل المستشفيات وفي البيئات المصاحبة لاستخدامها خاصة، والمجتمعات البشرية عمومًا. إذ استفادت القدرات الوراثية غير العادية للميكروبات من الإفراط في استخدام الإنسان للمضادات الحيوية، لتكوِّن مُقاومة هائلة لذلك العلاج الفعال.

والآن، يلقى قُرابة 700 ألف إنسان مصرعه من جَرَّاء تلك المقاومة، ما دعا منظمة الصحة العالمية لإطلاق تحذير ووصف تلك المشكلة بكونها "أكبر المخاطر التي تحيق اليوم بالصحة العالمية والأمن الغذائي والتنمية".

وطيلة الثلاثين عامًا الماضية، ومع تصاعُد وتيرة مُقاومة المُضادات الحيوية، يُحاول العالم وضع إستراتيجيات مختلفة لمواجهة تلك الكارثة المُحققة، منها الحد من استخدام تلك الأدوية، وابتكار مُضادات حيوية جديدة تقاوم مقاومة البكتيريا.

إلا أن العلماء لم ينجحوا حتى الآن في الشق الثاني المتعلق بابتكار أدوية جديدة، غير أن دراسةً حديثة -نفذها باحثون من جامعة الإسكندرية المصرية، وجامعات أخرى كندية- قد تُسفر عن مُضاد حيوي جديد، شديد الفاعلية في مقاومة النوع الأكثر انتشارًا من البكتيريا، بطريقة مبتكرة كُلِّيًّا، تستهدف إزالة عدوى المكورات العنقودية، متضمنةً الأنواع المقاوِمة للمضادات الحيوية بشكل أكثر فاعلية.

تُعد العدوى ببكتيريا المكورات العنقودية الذهبية السبب الرئيسي لمعظم الالتهابات في جميع أنحاء العالم، كما أنها المسؤولة الأولى عن حالات الاعتلال والوفيات، وخاصةً مع ظهور سلالاتها المقاوِمة للمضادات الحيوية. يُسبب ذلك النوع من البكتيريا أمراضًا خطيرة، على رأسها التهاب الشغاف -البطانة الداخلية لحجرات القلب وصماماته- والتهابات نقي العظام، وتسمُّم الدم، ويُمكن أن تصبح تلك الالتهابات مميتة، كما يُمكن أن تتنقل عدوى الإصابة بالمكورات العنقودية من الشخص المريض إلى السليم، ما يجعل قدرتها على الانتشار مهولة.

وتتضمن العلاجات الحالية لتلك العدوى أنواعًا عدة من المضادات الحيوية، ومع ذلك، قد لا تستجيب بعض حالات العدوى بذلك النوع من البكتيريا للمضادات الحيوية الشائعة.

غير أن الدراسة، المنشورة اليوم في دورية "نيتشر" العلمية، قد تضع حدًّا أمام توغُّل تلك البكتيريا؛ إذ أبلغ الباحثون عن مركب كيميائي يحتوي على مادة "بنزويل ثيوريا"، يُمكن أن يُعالج العدوى بالمكورات العنقودية الذهبية.

يقول الباحث في علوم الأحياء الدقيقة بجامعة ماك ماستر، والذي يعمل في مختبرات براون الكندية، عمر الحلفاوي، المؤلف الأول للدراسة: إن ذلك المركب "لا يُشبه أيًّا من المضادات الحيوية المتاحة على المستوى الكيميائي"، مشيرًا -في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- إلى أنه والفريق البحثي اكتشفوا ذلك المركب من خلال فحص مجموعة من المواد الكيميائية المتنوعة التي تحتوي على حوالي 45 ألف مُركب.

آلية عمله

يمكّن هذا المركَّبُ الجهازَ المناعي من إزالة عدوى المكورات العنقودية -متضمنةً الأنواع المقاوِمة للمضادات الحيوية- على نحوٍ أكثر فاعلية، وفق ما تُشير إليه الورقة العلمية، كما أنه يسلبها القدرة على فعل العديد من السلوكيات التي تجعل علاجها صعبًا للغاية.

فعلى سبيل المثال، يمنع هذا المركب تكوين الأغشية الحيوية بواسطة المكورات العنقودية في ظل الظروف التي تُستخدم فيها مضادات التخثر، كما هو الحال في أقفال القسطرة. تتكون الأغشية الحيوية للمكورات العنقودية الذهبية عندما تلتصق مجموعة من البكتيريا على سطح مثل القسطرة أو مفصل اصطناعي، ويصبح القضاء عليها غايةً في الصعوبة، ما يجعلها تتسبب في حدوث إصابات مزمنة وخطيرة. وعلاوة على ذلك، يستطيع هذا المركب الوصول إلى المكورات العنقودية عندما تختبئ داخل خلايا الجسم، إذ يتمكن من ردعها عن طريق اختراق هذه الخلايا ووقف تكاثر الميكروب فيها. وبالإضافة إلى كل ما سبق، فإن هذا المركب سيمكِّننا من إعادة استخدام البنسيلينات وما شابهها من مضادات حيوية لعلاج المكورات العنقودية المقاومة لتلك المضادات، كما يشدد "الحلفاوي".

 لكن كيف يعمل ذلك المركب على وجه الدقة؟ يقول "الحلفاوي" في تصريحاته لـ"للعلم": إن تلك المادة تعمل على استهداف أحد العوامل العدوانية، المعروف باسم "عامل الضراوة" للمكورات العنقودية، وهو بروتين يسمى GraR، يُمَكّن عامل الضراوة تلك الكائنات من التصدي للهجمات الخارجية عليها من خلال تفعيل مجموعة كبيرة من العوامل الأخرى التي ترفع مستوى ضراوة هذه الميكروبات وتزيد من قدرتها على التسبُّب في العدوى ومقاومة العديد من المضادات الحيوية وبعض مكونات جهازنا المناعي.

"وبمعرفة ما يستهدفه هذا المركب في المكورات العنقودية، ومن خلال فهمنا لخصائصه البيولوجية وأهميته في إحداث العدوى ومقاومة المضادات الحيوية، تمكنّا من التعرُّف على الطرق المبتكرة التي يمكن لهذا المركَّب من خلالها القضاء على البكتيريا"، يقول "الحلفاوي" في تصريحاته لـ"للعلم".

كارثة كبرى

تشكل الزيادة المطَّردة في معدلات مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية خطورةً بالغة على البشرية، إذ إنها "تهدد ما ننعم به حاليًّا من تقدم الطب الحديث من جراحات متطورة وعلاج للسرطان.. إلى آخره" على حد قول "الحلفاوي"، الذي يُشير إلى أن الكارثة "تنذر بإعادتنا إلى عصر ما قبل المضادات الحيوية، عندما كانت أكثر العمليات الجراحية بساطةً بالغة الخطورة".

ويُعد سوء استخدام المضادات الحيوية في علف الدواجن والماشية، وكذلك الإفراط في استخدام المضادات الحيوية، وخصوصًا في الدول التي يُسمح فيها باستعمال المضادات الحيوية دون استشارة الطبيب او استخدامها دون الحاجة إليها كحالات العدوى الفيروسية، من العوامل التي تساعد على ظهور المقاومة وسرعة انتشارها، وفقدان فاعلية المضادات الحيوية.

 ومما يعقد تلك الأزمة -والكلام للباحث المصري- عدم اكتشاف مضادات حيوية جديدة يتم استخدامها علاجيًّا؛ "فنحن نعتمد حاليًّا على مجموعة مضادات حيوية تم اكتشافها منذ أكثر من ثلاثين عامًا"، بالإضافة إلى ذلك، تخلت معظم شركات الأدوية الكبرى عن برامجها لاكتشاف مضادات حيوية جديدة؛ نظرًا لضعف المردود المادي.

تتنبأ العديد من الجهات المعنية بالصحة العامة على مستوى العالم بفقدان فاعلية معظم المضادات الحيوية بحلول عام ٢٠٥٠ إذا استمر الوضع على ما هو عليه، مما ينذر بكارثة كبيرة. ولذلك، أصدرت المنظمات الدولية بيانات بأهم الميكروبات التي تمثل خطورةً داهمة وتستوجب اهتمامًا سريعًا، من هذه الميكروبات المكورات العنقودية الذهبية، التي تُعد المسبب الرئيسي للعدوى المكتسبة من المستشفيات، وكذلك في المجتمع في جميع أنحاء العالم.

وتسبب المكورات العنقودية الذهبية مجموعةً من الأمراض، تتدرج من التهابات الجلد البسيطة إلى الأمراض التي تهدد الحياة. ومنها سلالات مقاوِمة للميثيسيلين، تُعرف باسم MRSA، وتُعد الأكثر خطورة؛ فهي مجموعة من المكورات العنقودية الذهبية القادرة على مقاومة جميع المضادات الحيوية المعروفة، كـ"بيتا لاكتام"، التي تندرج تحتها فئة "البنسيلين"، التي تُعد إحدى أكثر فئات المضادات الحيوية شيوعًا.

يقول "الحلفاوي" إن العلماء قاموا في الفترة الماضية بعزل مجموعة من تلك السلالة "مقاوِمة لكل المضادات الحيوية"، وهو أمر يُفقِد المرضى "الملاذ الأخير للعلاج"، ويتركهم دون بدائل علاجية ناجحة لعلاج العدوى المهددة للحياة. ولذلك تأتي الحاجة الماسة إلى إستراتيجيات جديدة للتغلب على هذا التهديد، "وهو ما قد يوفره ذلك المركَّب"، على حد قوله.

حل غير تقليدي

ففي ظل غياب مضادات حيوية جديدة، ومع الزيادة المطَّردة في معدلات مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية المتاحة، يقدم هذا المركب "حلًّا غير تقليدي للمشكلة". فعلى عكس المضادات الحيوية التقليدية، فإن هذا المضاد الميكروبي الجديد لا يقتل المكورات العنقودية، ولا يوقف نموَّها من تلقاء نفسه، مما يجعل الميكروبات أقل رغبةً في تطوير نفسها لمقاومة هذا المركب. كذلك، فإنه لا يؤثر بالسلب على الجراثيم المفيدة التي تعيش في جسم الإنسان، والتي تعتبر مهمةً للصحة بصفة عامة.

يستخدم هذا المركب الجديد إستراتيجيةً بديلة لمحاربة عدوى المكورات العنقودية الذهبية عبر "شل قدرتها على التسبب في العدوى"، كما يقلل من تحمُّلها للمكونات العدائية في الجهاز المناعي، وكذلك يحد من مقاومتها للعديد من المضادات الحيوية التي تُستخدم بكثرة، بما في ذلك مُشتقات البيتا لاكتام. استغرق العمل على تلك الدراسة حوالي 3 سنوات، قاد فيها " الحلفاوي" فريق عمل مؤلفًا من باحثين من عدة جامعات.

يقول "الحلفاوي" إنه قام بتحديد الإستراتيجية المأمولة لعمل المضاد الجديد، والتي تعتمد على التقليل من ضراوة الميكروب وتثبيط مقاومته للمضادات الحيوية المتاحة. وبناءً على تلك الإستراتيجية، قام الفريق بتصنيف واختيار المركب الأفضل واختبار خصائصه المختلفة، واستخدام اختبارات عديدة للكشف عن طريقة عمل المركب. ووفق الدراسة، اختُبرت فاعلية المركب وآثاره المختلفة على المكورات العنقودية.

نقطة انطلاق واعدة

لم يتم اختبار المركب على حيوانات التجارب بعد، ولكن جرت تجربته لعلاج كائنات حية أخرى من الإصابة بالمكورات العنقودية، كـ"ديدان الشمع"، التي تعتبر نموذجًا حيًّا جيدًا، يتشابه جهاز مناعتها مع جهاز مناعة الإنسان في أوجه عديدة.

كما جرت تجربة هذا المركب على خلايا الماكروفيج المصابة بالمكورات العنقودية، وهي خلايا مناعية وظيفتها التهام الميكروبات وقتلها، ووفق الدراسة، أظهر هذا المركب فاعليةً كبيرة في القضاء على البكتيريا التي تستطيع البقاء على قيد الحياة في البيئة المعادية داخل هذه الخلايا المناعية، وكذلك التكاثر فيها بمنأى عن معظم المضادات الحيوية التقليدية، مما يسمح لها بنشر العدوى من موقع إلى آخر داخل الجسم.

ونظرًا لطريقة العمل الفريدة لهذا المركَّب الذي تم اكتشافه، يمكننا أن نعتبر أنه يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، كما تفيد نتائج الدراسة. إذ يستطيع المركب المبتكر أن يُفقد هذا الميكروب العنيد ضراوته في العدوى، ويسلبه القدرة على مجابهة جهازنا المناعي، والقدرة على مقاومة المضادات الحيوية، ويمنعه كذلك من القيام بمناورات من شأنها إطالة العدوى وعدم القدرة على علاجها، مثل إنشاء الأغشية الحيوية والاحتماء والتكاثر بداخل بعض خلايا الجسم. وبالتالي يوفر هذا المركب نقطة انطلاق واعدة لتطوير علاجات جديدة لمكافحة عدوى المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للعقاقير.

يقول عالِم الأحياء المجهرية بجامعة كولومبيا البريطانية "جوليان ديفيز"، لم يُشارك في تلك الدراسة: إن الآلية التي يستهدف بها ذلك المركب البكتيريا "جديرة بالاهتمام"، مُشيرًا إلى أن التأثير على "عامل الضراوة" يُقلل دون شك من قدرته على إحداث العدوى، كما يُمكن أن يُضعف ذلك المركب "من صفات المكورات العنقودية الذهبية الخبيثة"، التي تجعلها "تتهرب وتختبئ من خط دفاعنا الأخير.. المضادات الحيوية".