في صباح يوم غائم من عام 1845، استيقظ المزارعون في جزيرة "أيرلندا" التي تقع في شمال شرق المحيط الأطلنطي لرعاية محصول البطاطس، الذي يُشكل الغذاء الأساسي للسكان. وعلى غير العادة، لاحظ الفلاحون ظهور انتفاخ غير مألوف على ثمار البطاطس وظهور بقع على سيقانها، وسرعان ما أصبح النبات ضعيفًا ومتهاويًا.

وخلال الموسم التالي، خسر المزارعون أكثر من 70% من محصول البطاطس الذي كان يشكل كنزًا إستراتيجيًّا لبلدهم، وطيلة الأعوام السبعة الممتدة حتى عام 1852، شهدت أيرلندا مأساة عُرفت تاريخيًّا باسم "مجاعة أيرلندا الكبرى" أو "مجاعة البطاطس الأيرلندية"، ما أودى بحياة أكثر من مليون أيرلندي.

جاءت المجاعة بسبب آفة تُسمى بـ"اللفحة المتأخرة"، هاجرت –على الأرجح- عبر المحيط قادمةً من دولة "بيرو"، ووصلت إلى أنحاء متفرقة من العالم، مُسببةً فساد محصول البطاطس، وبعض أنواع الدرنات الأخرى، وظهور بقع غير منتظمة وانتفاخات علـى الدرنات، بالإضافة إلى تقرحات وزغب على الأوراق، التي لا تلبث أن تجف وتتلون باللون البني، ثم تصبح سيقان النبات هشةً وسهلة الكسر. واللفحة المتأخرة مرض فطري يصيب نباتات البطاطس والطماطم.

وتشير دراسة نشرتها مؤخرًا دورية "نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن" إلى أنه "بالرغم من محاولات العلم للسيطرة على الآفات باستخدام المبيدات، إلا أن مسببات الأمراض أدت إلى تقليل الإنتاج الزراعي وقلة جودته، كما أدى ظهور العديد من الآفات والفطريات التي تصيب النباتات وتدمر الحقول إلى حدوث خسائر اقتصادية كبيرة، أثرت سلبًا على الأمن الغذائي على مستوى الأسر وكذلك المستويات الوطنية والعالمية". تقديرات رقمية دقيقة استطاع باحثو الدراسة تقديم تقديرات رقمية دقيقة لخسائر لخمسة محاصيل رئيسية على مستوى العالم، وذلك على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهوها، مثل صعوبة تجميع المعلومات الكمية والموحدة عن خسائر المحاصيل ومقارنتها بالنظم البيئية والمناطق المزروعة، وصعوبة استقصاء المعلومات عن كل الآفات الزراعية؛ بسبب تنوُّعها الكبير الذي يمتد ليشمل الفيروسات والبكتيريا والفطريات والنيماتودا والمفصليات (وتتضمن الحشرات والعنكبوتيات والقشريات وعديدات الأرجل)، والرخويات (تنقسم إلى سبعة طوائف، أهمها المحاريات)، والنباتات الطفيلية.

ورصدت الدراسة 137 من مسببات الأمراض والآفات المرتبطة بخسائر في محاصيل القمح والأرز والذرة والبطاطس وفول الصويا، وقدرت الخسائر في تلك المحاصيل الإستراتيجية بدرجات متفاوتة؛ إذ يخسر المزارعون في المتوسط كل عام نحو 22.5% من محصول الذرة، و17.2% من البطاطس، و21.4% من فول الصويا، و21.5% من القمح، و30% من الأرز. وتشير النتائج إلى أن أعلى الخسائر ترتبط بمناطق العجز الغذائي ذات التجمعات السكانية سريعة النمو، وكثيرًا ما تحدث تلك الخسائر مع ظهور الآفات والأمراض.

وأوضح الباحثون أن "الدراسة تسلط الضوء على الاختلافات في التأثيرات بين مسببات الأمراض؛ بهدف تقديم معلومات مهمة لتحديد أولويات مكافحة الأمراض التي تصيب المحاصيل، لتحسين استدامة النظم الإيكولوجية الزراعية، ما يساعد في تقديم الخدمات للمجتمعات الزراعية".

اعتمدت الدراسة على بيانات استقصائية من 989 سجلًّا زراعيًّا؛ إذ رُصدت الآفات الزراعية ومسببات الأمراض، ارتكازًا على معلومات مأخوذة من 219 من خبراء صحة المحاصيل في 67 بلدًا تنتج المحاصيل الرئيسية في العالم، وكان أهم تلك البلدان الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والبرازيل وباراجواي والأرجنتين وغرب آسيا وشمال أفريقيا والصين والهند وجنوب شرق آسيا.

وتنتج تلك البلدان حوالي 83% من الإنتاج العالمي للقمح، و94% من الأرز، و79% من الذرة، و69% من البطاطس، و95% من فول الصويا (على أساس متوسط إنتاج المحاصيل خلال الأعوام من 2010 إلى 2014)، وبالتالي تُمثل تلك البيانات جزءًا كبيرًا من إستراتيجيات المحاصيل الخمسة على مستوى العالم يُقدر في المتوسط بـ84%. وعبر حساب المساحات المزروعة، وإنتاجية الفدان، توصل الباحثون إلى تقديرات الخسارة في المحاصيل الخمسة.

انعدام الأمن الغذائي

وعلى الرغم من حدوث خسائر في الدول الـ67 كلها، إلا أن المفاجأة كانت في الاختلافات الكبيرة في مستويات خسائر المحاصيل، إذ وجد الباحثون أن الخسائر ترتفع في المناطق التي تُعاني أصلًا من انعدام الأمن الغذائي، مثل "أفريقيا جنوب الصحراء" (وهو المصطلح المستخدم لوصف المنطقة التي تقع جنوب الصحراء الكبرى في القارة الأفريقية)، والهند، وجنوب شرق آسيا.

من جهته، يقول "آندي نيلسن" -المؤلف الأول للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن ارتفاع معدلات الخسائر الكارثية للمحاصيل في المناطق التي تُعاني أصلًا من انعدام الأمن الغذائي يُعَد مفارقة درامية؛ لقد وجدنا أن الخسائر التي تلحق بمحاصيل الزراعية في الدول الفقيرة بسبب الآفات الزراعية تُقدر بأضعاف ما تخسره الدول الغنية، وهو الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر ويزيد من حجم المعاناة التي تشهدها تلك المناطق".

ووفق بيانات الفاو، يتم كل عام بيع منتجات زراعية وتداولها بقيمة 1.1 تريليون دولار أمريكي، ويمثل الغذاء أكثر من 80% من هذه القيمة، وتتسبب آفات النبات في فاقد سنوي في المحاصيل الزراعية العالمية يتراوح بين 10 و16%، وهي خسارة تقدر قيمتها بـ220 مليار دولار أمريكي".

ويرجع "نيلسن" عدم ذكر أي دول عربية أو شرق أوسطية في الدراسة إلى أن فريقه البحثي اعتمد على دراسة قطاعات جغرافية من كل أنحاء العالم (مثل شمال أفريقيا وغرب آسيا وجنوب شرق آسيا)، وليس دولًا بعينها، باستثناء الدول التي تمثل نقاطًا ساخنة للحفاظ على الأمن الغذائي في العالم، على حد وصفه.

البحث عن حلول

يضيف "نيلسن" أنه "يمكن تدارك بعضٍ من تلك الخسائر الهائلة باستخدام وسائل الحماية والمكافحة المختلفة التي وضعتها "هيئة تدابير الصحة النباتية"، وتشمل تلك الوسائل تعقيم المحاصيل باستخدام موجات الميكروويف، ومعالجة النباتات بالبرودة التي تُجمد الآفات وتقتلها، وغمرها في ماء حار أو تعريضها لبخار ساخن، وتلك الوسائل يُمكنها -على الأقل- منع انتقال الأوبئة النباتية من دولة إلى أخرى، وهو الأمر الذي سيُسهم في الحد من الانتشار الوبائي للآفات الزراعية".

وفي مصر، تصدر وزارة الزراعة المصرية كتابًا سنويًّا كدليل لمكافحة الآفات الزراعية، وهو ما يُعد أمرًا إيجابيًّا؛ إذ يرى "نيلسن" أن التوعية بشأن طُرق استخدام المبيدات الزراعية أمر جيد يسهم في الحد من انتشار تلك الآفات، مضيفًا: "لا يجب أن يقتصر التعامل مع الآفات الزراعية على المكافحة الكيميائية، فالوسائل الكيميائية ليست حلًّا نهائيًّا؛ إذ يجب أن يصحبها تشديد القيود المفروضة على استقبال الموانئ للمنتجات الزراعية، وتزويد أنظمة الحجر الصحي في جميع أنحاء العالم بأجهزة تقنية حديثة للكشف عن الآفات التي قد تنتقل من دولة إلى أخرى".

وفي سبتمبر 2018، أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا كشف أن نحو 821 مليون شخص (منهم 515 مليونًا في آسيا و256.5 مليونًا في أفريقيا) عانوا من الجوع حول العالم خلال عام 2017، أو بما يعادل واحدًا من بين كل تسعة أشخاص، ودق التقرير جرس الإنذار محذرًا من خطورة ذلك على الصحة العامة. ووفق التقرير "يزداد الوضع سوءًا في أمريكا الجنوبية ومعظم مناطق أفريقيا، ويتباطأ بشكل كبير الاتجاه نحو تقليل مستوى نقص التغذية في آسيا".

وذكر التقرير أن الظواهر المناخية المتطرفة من العوامل الرئيسية التي تُسبب خللًا في إنتاجية المحصول، وهو ما أدى إلى تقويض إنتاج المحاصيل الرئيسية كالقمح والذرة والأرز، وهي المحاصيل التي تتحدث عنها تلك الدراسة، والتي يبدو أنها باتت فريسة لمطرقة المناخ وسندان الآفات، على حد وصف "جياسوي تشان"، الباحث في مجال الآفات الزراعية بجامعة فوجيان الصينية، الذي لم يُشارك في تلك الدراسة.

يقول "تشان"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن المشكلة مُعقدة بامتياز؛ إذ إن إنتاج المحاصيل الزراعية سيشهد تدهورًا حادًّا في المستقبل، وهو أمر لن يحدث بسبب الآفات والمناخ فحسب، بل بسبب تقلُّص المساحات المزروعة، وظاهرة التصحر، والضغوط البيئية الكبيرة التي تؤثر سلبًا على الموارد الطبيعية".

يرى "تشان" -الذي نشر أكثر من 100 بحث في مجال الزراعة المستدامة ومكافحة الآفات- أن"تطبيق التقنيات الحديثة وزيادة التنوع الميكروبي للتربة وتغذيتها بالأسمدة الطبيعية والاستخدام الرشيد للمبيدات الزراعية من أهم الأمور التي يُمكن أن تسهم في زيادة جودة الإنتاج وكمِّه، كما يُمكن أن توفر فرصًا جيدة لتحقيق زراعة مستدامة تُنتج محاصيل لا تُسبب ضغطًا على البيئة، وتسد رمق الملايين من الجوعى".