نجح الباحثون في جامعة كاليفورنيا ديفيس في تعديل نوع هجين من نبات الأرز، بحيث يقوم النبات باستنساخ ذاته، ما يمنع أي فقد للسمات الوراثية الهجينة المرغوبة في النباتات الناتجة عن العملية.

الاكتشاف الذي سعى إليه القائمون على تربية النباتات وعلماء الوراثة زمنًا طويلًا، يمكن أن يسهّل نشر تقنية إنتاج محاصيل عالية الغلة ومقاوِمة للأمراض وقادرة على تحمُّل تغيرات المناخ، بحيث تصبح متاحةً لمزارعي العالم.

ويُعَد نبات الأرز المحصول الغذائي الرئيسي للعالم، ولكن زراعته كانت تجرى بالطريقة التقليدية عبر التكاثر الجنسي، ما يؤدي إلى فقد الكثير من السمات المرغوبة في المحصول.

ووفق الدراسة التي نُشرت ديسمبر الماضي في دورية "نيتشر"، فإن تهجين نوعين مختلفين من الحبوب يمكن أن ينتج عنه بذور جديدة ممتازة، تجمع بين أفضل السمات الجينية لإنتاج محاصيل أعلى جودة وإنتاجية، كما تتسم بمقاومة الجفاف وتحمُّل الظروف المناخية القاسية.

لكن هذه السمات الوراثية المرغوبة لا تنتقل في العادة إلى جميع البذور في أثناء عملية التكاثر، لذلك كان يتوجب على المزارعين التواقين إلى إنتاجيةٍ أعلى أن يشتروا سنويًّا بذورًا مهجنة، ما يمثل عبئًا ماليًّا كبيرًا عليهم. والتهجين ينتج عنه جيل جديد من النبات فيه صفات مرغوبة، من حيث اللون والشكل والحجم ومدة الإزهار ووقت النضوج والرائحة والمذاق ومقاومة الأمراض والحشرات.

استنساخ النبات لذاته

يُزرع الأرز بطريقة معروفة، بحيث تُنثر البذور ثم يتم إدخالها في عمق الأرض الزراعية عن طريق الحرث، في العادة، يشتري المزارعون البذور من المستوردين لزراعة الأرز الهجين عالي الكفاءة، وحين يتم حصاد المحصول، لا يستطيع المزارعون إعادة استخدام بذور نباتاتهم التي تم حصدها؛ إذ تحوي تلك البذور مادةً وراثيةً من الأب والأم، ما يجعلها غيرَ صالحة لزراعة النبات المُهجن نفسه مرةً أخرى.

في تلك الدراسة، نجح الباحثون في تعطيل بروتين مسؤول عن نسخ المادة الوراثية من الذكر، وبالتالي، يُمكن زراعة الأرز واستخدام بذوره بعد الحصاد لزراعته في السنة التالية. تُعرف تلك العملية بآلية التكاثر اللاجنسي. بدلًا من شراء البذور المهجنة باهظة التكلفة كل عام، والتي غالبًا ما تتعدى قدرات المزارعين في الدول النامية، يمكن للمزارعين إعادة زراعة البذور من نباتاتهم الهجينة واستخلاص الفوائد من إنتاجية عالية الكمية والكفاءة سنةً تلو الأخرى، عبر الآلية الجديدة التي انتهت إليها الدراسة.

نجح الباحثون في الدراسة في تعديل نوع هجين من نبات الأرز من نوع "جابونيكا" (الصنف الآسيوي)، بحيث تنتج بعض نباتاته بذورًا مستنسخة. وتسمح آلية التكاثر اللاجنسي للنبات باستنساخ ذاته من خلال بذرة دون تلقيح، ما يمنع فقد أيٍّ من السمات الوراثية الهجينة.

يوضح "محمد عابدين"، الباحث في مجال وراثة وتربية النبات في مركز البحوث الزراعية، في تصريح لـ"للعلم"، أن آلية التكاثر اللاجنسي تعني إنتاج كائن جديد مطابق للكائن الأصلي، له القدرة على الحياة والتأقلم مع البيئة المحيطة ويحمل نفس التركيب الوراثي للكائن الأصلي. ومن الممكن أن نطلق على هذه العملية "استنساخ".

في الأرز يحدث التكاثر الجنسي عند اندماج الجاميطة المذكرة بالجاميطة المؤنثة، مكوِّنةً الجنين داخل البذرة، ما قد يُسهِم في انتخاب بعض الصفات وغياب أخرى. أما التكاثر اللاجنسي، فينتج نباتات جديدة مطابقة للنبات الأصلي ومشابهة له في التركيب الوراثي، ويتم عن طريق الأجزاء الخضرية في النبات مثل الساق والأوراق. ويقسم "عابدين" الطريقة التي يتم بها التكاثر الخضري إلى أنواع، أهمها ما يحدث عن طريق الفسائل التي يمكن فصلها عن النبات الأم وزراعتها مباشرة، إضافةً إلى التعقيل بأخذ عقلة من جزء من النبات وزراعتها.

في مختبر سانديريسون

جاءت فكرة الدراسة قبل خمسة أعوام في أثناء فحص أحد بروتينات نبات الأرز BBM1 في مختبر "سانديريسون" في الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ توصَّل الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة "امتياز خانداي" -المؤلف الرئيسي للدراسة- إلى أن عامل النسخ "بيبي بووم 1" -وهو نوع من أنواع البروتينات التي كان يُعتقد أنها مسؤولة عن نقل المادة الوراثية بين الجميطات المؤنثة والمُذكرة- ينشط فقط في خلايا حبوب اللقاح وليس في البويضات.

وجد الباحثون أنه في حالة التكاثر الجنسي، يتم التعبير عن الجين BBM في الخلية بعد عملية التلقيح، ولكن -على الأقل في البداية- يأتي هذا التعبير من المساهمة الخاصة بالذكر في الجينوم، وفق "فنكاتيسان سانديريسان"، الأستاذ في جامعة "كاليفورنيا ديفيس" والمشرف على الدراسة، في تصريح لـ"للعلم".

ولتحقيق هدف الدراسة والوصول إلى البذور التي تنتج نباتات مستنسخة، استخدم الباحثون تقنية تحرير الجينوم "كريسبر- كاس"، وقاموا بتعطيل ثلاثة جينات أساسية مسؤولة عن الانقسام الاختزالي في الأرز.

والانقسام الاختزالي للأرز هو انقسام جنسي يحدث للخلايا المولدة للجاميطات عبر اتحاد كروموسومات الخلايا الذكرية والأنثوية، وقد تمكَّن الباحثون من وقف تلك العملية بالكامل، لإتاحة الفرصة لتكوين بذور عبر انقسام تُنقل من خلاله كروموسومات الأم كاملةً دون نقل الكروموسومات الأبوية.

طفرة علمية

الجديد في تلك الدراسة أنها توصلت إلى إحداث تطوُّر كامل في الجنين، وفق الباحث "محمد عابدين"، وهو الأمر الذي أدى إلى إنتاج نباتات مشابهة تمامًا للأم ولديها نسخة جينية كاملة من الجينوم الناجم عن الأم دون حاجة إلى التلقيح الجنسي مع الأب، وهي طفرة علمية يصفها بأنها "هائلة".

ويضيف: يثبت هذا العمل جدوى التكاثر اللاجنسي في المحاصيل، ويمكن أن يساعد في الحفاظ على الحبوب الهجين بشكل كلي من خلال إكثار البذور بشكل لاجنسي. إذ جرى تطوير طريقة جديدة يتم خلالها تثبيط الانقسام الاختزالي في كلا الأبوين وإنتاج خلايا ثنائية العدد الكروموسومي، مما ينتج خلايا تكاثرية أنتجت بذورًا تامة الحيوية تكون في نهاية المطاف مستنسخةً من النبات الأصلي وتستطيع إنتاج أجيال تالية مشابهة للنبات الأصلي الناتج من التلقيح العادي.

تهدف الدراسة إلى فهم الآلية التي تنشأ بها الأجنة في الظروف العادية، ومن ثم استخدام هذه المعرفة في صنع البذور دون الحاجة إلى التلقيح، وفق "سانديريسان"، مشيرًا إلى قدرة بذور الأرز المعدلة وراثيًّا على زيادة إنتاجية المحصول بنسبة 50٪ أو أكثر بسبب زيادة تركيز السمات الجينية المرغوبة في زيادة الإنتاج. ويمكن تطبيق التقنية نفسها على محاصيل أخرى، كما أن النسل الجديد يستهلك كمية مياه أقل من نظيره التقليدي.

ثورة زراعية ولكن

يصف "تشاد نيدرهوث" أستاذ بيولوجيا النبات المساعد في جامعة ميتشجن الأمريكية، نتائج الدراسة بـ"الثورة الزراعية"، التي تمثل تقدمًا مهمًّا في فهمنا العلمي للآليات التي تنظم عملية التطور الجنيني للنبات، وهي العملية التي يتم من خلالها تكوين الأجنة وتطويرها.

ويتفق "سعيد سليمان" -أستاذ الوراثة بكلية الزراعة في جامعة الزقازيق- مع ما توصلت إليه الدراسة من نتائج، قائلًا في تصريح لـ"للعلم": إنها نتائج عظيمة من حيث التقنية المستخدمة في الدراسة والفكرة نفسها التي قادت إلى هذه النتائج.

لكن "سليمان" يبدي قلقه حيال مستقبل المحاصيل الناتجة عن تعديل في الجينات، والتي قال إنها قد تكون غير مأمونة العواقب في المستقبل.

يشارك "أحمد عبد الجواد" -أستاذ البيئة النباتية المساعد بجامعة المنصورة- "سليمانَ" رأيَه في التحذير من التوسع في استنباط سلالات يقول إنها من الممكن أن يكون لها مردود سيئ على الإنسان والبيئة فيما بعد.

وكان "عبد الجواد" قد قال في تصريح سابق لـ"للعلم": إن نتائج التعديل الوراثي في النباتات لا يمكن توقُّعها مستقبلًا، وإذا تبين أن له تأثيرًا ضارًّا فإنه سيكون من غير الممكن سحب هذه المنتجات أو السيطرة عليها، خاصةً بعد أن تُدرج في السلاسل الغذائية بالنظم البيئية المختلفة.

ويقترح "عبد الجواد" اللجوء إلى النباتات البرية التي تنمو طبيعيًّا في البيئات غير المُستغَلَّة -مثل صحاري مصر- بديلًا لهذه التقنية، موضحًا أن "هذه النباتات قادرة على التأقلم مع الظروف الجافة، وتتميز بقوة جينية، وهي مقاوِمة للعوامل البيئية المختلفة".

ورغم تأكيد الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم في تقريرها الصادر في مايو عام 2016 دورَ الهندسة الوراثية في جعل المحاصيل أكثرَ مقاوَمةً لآثار التغيُّرات المناخية، وأنها ليست خطرة سواء على البيئة أو على صحة الإنسان، فإن الهندسة الوراثية تشهد معارضةً كبيرةً من قِبَل الكثير من الجهات العلمية والباحثين في أوروبا التي تمنع كثيرٌ من بلدانها زراعة المحاصيل المعدلة وراثيًّا. ففي عام 2013 حظرت إيطاليا زراعة الذرة المعدلة وراثيًّا من نوع "مون 810"، وتلتها فرنسا في عام 2014 بحظر زراعة الذرة المعدلة وراثيًّا.