يمثل الانخفاض الملحوظ في أعداد النحل، على مستوى العالم، أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية، نظرًا لما يمثله ذلك من تهديد للأمن الغذائي، إضافةً إلى التأثير على العديد من النظم البيئية البرية، التي يُعَد النحل أحد مقوماتها الرئيسية.

وبينما تشير دراسات سابقة إلى أن هناك مجموعةً من الأسباب المتشابكة وراء تراجُع أعداد النحل، منها الممارسات الزراعية المكثفة، والمزارع الأحادية، وفرط استخدام الكيماويات الزراعية، وارتفاع درجات الحرارة، يُعتقد على نطاق واسع أن التفاعلات بين الكيماويات الزراعية ربما تكون مسؤولةً بشكل كبير عن انخفاض أعداد النحل.

العديد من الدراسات تناولت طبيعة تلك التفاعلات وتأثيراتها على صحة النحل، وكشفت عن نتائج متنوعة، منها دراسة لفريق من الباحثين، بقيادة هاري سيفيتر، الباحث بكلية العلوم الطبيعية في جامعة تكساس، تعتمد على تحليل التفاعلات التآزرية بين الكيماويات الزراعية والطفيليات والضغوط الغذائية.

تحدث التأثيرات التآزرية حينما يكون تأثير الضغوط مجتمعةً أعلى كثيرًا من التأثيرات المتوقعة، التي قد تؤدي إلى هلاك النحل، وترتفع هذه التأثيرات عندما يتعرض النحل لمواد كيميائية زراعية متعددة، في حين تكون التأثيرات في حدود التوقعات عندما يتعرض النحل للطفيليات أو الضغوط الغذائية أو لكليهما معًا.

يوضح "سيفيتر"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن الأمر يشبه سؤال الطبيب لك عما إذا كنت تتناول أي أدوية قبل أن يصف لك علاجًا جديدًا؛ لأن الأدوية تتفاعل فيما بينها، الأمر الذي قد يتسبب في تعطيل العلاج، بل ربما يؤدي إلى الإضرار بصحة المريض.

إلا أنه عندما يتعلق الأمر بإصدار التراخيص المطلوبة للسماح باستخدام الكيماويات الزراعية، مثل مبيدات الآفات وغيرها، لا يتم النظر -في كثير من الأحيان- إلى كيفية تفاعُل المواد الكيماوية معًا في الأنشطة الزراعية، وبالتالي لا تؤخذ تأثيراتها البيئية في الاعتبار.

ويساعد النحل -وملقحات أخرى مثل الفراشات والخفافيش وطيور الطنان- العديد من الأنواع النباتية، بما في ذلك المحاصيل الغذائية، على التكاثر، ولا يقتصر دور الملقحات على المساهمة المباشرة في الأمن الغذائي وحسب، بل تُعد عنصرًا أساسيًّا في الحفاظ على التنوع الحيوي، ووفق منظمة الفاو، تعتمد ثلاثة أرباع المحاصيل الغذائية من الفواكه، اعتمادًا كليًّا أو جزئيًّا على النحل وغيره من الملقحات.

ويرى "سيفيتر" أن كثيرًا من النظم البيئية التي يعيش فيها النحل اليوم أصبحت "معاديةً" بشكل كبير، مشيرًا إلى أنه في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تشير التقديرات إلى فقدان 97% من الأراضي العشبية شبه الطبيعية، التي كانت الزهور البرية الغنية بالرحيق تنتشر فيها، وكانت أعداد كبيرة من النحل تلجأ إليها بحثًا عن الطعام.

ويضيف أن التجارة في نحل العسل، لأغراض التلقيح، دون ضوابط لضمان سلامة أنواع النحل، تسببت أيضًا في زيادة الطفيليات الضارة، وما يزيد من تفاقم المشكلة أن النحل أصبح يتعرض -وبشكل روتيني- لكميات كبيرة من الكيماويات الزراعية المختلفة.

لجأ "سيفيتر" وزملاؤه إلى تحليل بيانات تم جمعها في دراسات علمية سابقة، على مدار العقدين الماضيين، ليتوصلوا إلى نتيجة مفادها أنه عندما يتعرض النحل لمجموعة من الضغوط، منها المبيدات الحشرية، والطفيليات، ونقص الغذاء، فإن ذلك يؤدي إلى تفاقم التأثير السلبي لكلٍّ منها.

عمل فريق الدراسة على تقييم حجم هذه التهديدات من الناحية الكمية، من خلال تحليل 356 حجمًا لتأثير التفاعل بينها، تم جمع بياناتها من 90 دراسة، تعرَّض فيها النحل لمجموعات من الكيماويات الزراعية، إضافةً إلى ضغوط غذائية و/أو الطفيليات، وتبين أن هناك تأثيرٌ تآزري شامل بين الضغوط المتعددة على معدل وفيات النحل.

ويرى مؤلف الدراسة أن التأثير التراكمي لكل هذه الضغوط مجتمعةً يؤدي أيضًا إلى حدوث تأثيرات تآزرية، نتيجة تفاعُلها معًا، إذ تكون الأعداد النافقة من النحل أكبر من المتوقع، في حالة إذا تمت إضافة التأثيرات السلبية لكل تهديد من هذه العوامل على حدة، وجمعها معًا.

يقول "سيفيتر": عندما تعرَّض النحل لمواد كيميائية زراعية متعددة، كانت الآثار أسوأ كثيرًا، وعندما نفكر في انتشار هذه المواد في البيئة الطبيعية، تبدو الصورة مقلقةً للغاية.

ويتابع: إن خطط تقييم المخاطر البيئية لقياس مستويات التأثيرات الإضافية، نتيجة التعرُّض للكيماويات الزراعية، قد تساعد في تقليل تأثير الضغوط البشرية على معدلات وفيات النحل.